بقلم: اسامة راضي وعماد الدريملي
رام الله 20 مارس 2016 (شينخوا) يتهم اقتصاديون فلسطينيون إسرائيل، بتوجيه "ضربة موجعة" للاقتصاد الفلسطيني بمنعها خمس شركات فلسطينية من إدخال منتجاتها إلى الجزء الشرقي من مدينة القدس.
ويهدد هذا الإجراء الإسرائيلي المستمر منذ أسبوع، وفق ما يقول هؤلاء، بتكبد الشركات الفلسطينية الخمس خسائر مالية تصل إلى ما يزيد عن مليار شيكل إسرائيلي (الدولار الأمريكي يساوي 3.88 شيكل) سنويا في حال استمر المنع الإسرائيلي لمنتجاتها.
واستهدف المنع الإسرائيلي منتجات شركات (حمودة) و(الجنيدي) و (الريان) المتخصصة في بيع منتجات الألبان والحليب، إضافة إلى شركتي (السلوى) و (سنيورة) المتخصصتين في بيع اللحوم وتحديدا "المرتديلا" وجميعها تعتبر من كبريات الشركات الفلسطينية.
والشركات الخمس المذكورة مرخصة ضمن السجل الإسرائيلي وتخضع للفحص على منتجاتها وهو ما جعل الفلسطينيون يربطون قرار منع منتجاتها بقدرتها على منافسة الشركات الإسرائيلية والحد من مبيعاتها في شرق القدس.
تدرج لمنع كلي
يقول الخبير الاقتصادي وكيل وزارة الاقتصاد الفلسطينية السابق صائب بامية لوكالة أنباء (شينخوا)، إن الإجراء الإسرائيلي يستهدف "التأثير سلبا على الدخل العام الفلسطيني باعتبار أن القدس جزء رئيس من الأسواق الفلسطينية بغض النظر عن الاعتبار السياسي لفصل المدينة عن الضفة الغربية".
ويضيف بامية، إن "إسرائيل تتعمد بالتدريج منع كافة المنتجات الغذائية من الدخول إلى شرق القدس وأسواقها تحت تبريرات لا صلة لها بالجودة وهي أصلا تندرج في إطار العقوبات الجماعية ".
وينبه إلى أن مثل هذه الإجراءات "تضع الاقتصاد الفلسطيني في عنق الزجاجة وتجعله في أزمة حقيقية ومستمرة كونها تعدم البيئة الطبيعية للتجارة الفلسطينية وتحد من توقعات حدوث أي انتعاش فيها ".
ويشير بامية، إلى أن كل الاتفاقيات التجارية التي عقدتها السلطة الفلسطينية مع دول عربية وأوروبية مع ما تضمنه من إعفاء ضريبي للمنتجات الفلسطينية غير مستفاد منها فلسطينيا بسبب "القيود" الإسرائيلية.
وكانت الحكومة الفلسطينية اعتبرت أن المنع الإسرائيلي لمنتجات الشركات الخمسة "دليلا على محاربة إسرائيل كل ما له علاقة بفلسطين والفلسطينيين، وأنه إجراء يستهدف احتكار المنتج الإسرائيلي للسوق في القدس الشرقية (التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المستقلة) بهدف ضرب المنتجات الفلسطينية".
واتهمت الحكومة إسرائيل بالعمل على "تكريس فصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني" في إشارة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، مهددة بأنها "ستتخذ إجراءات لمعاملة المنتجات الإسرائيلية بالمثل ردا على هذا الإجراء التعسفي".
دعوات للرد بالمثل
يؤكد رئيس الجمعية الفلسطينية لمكافحة المستهلك في الضفة الغربية صلاح هنية، أنه بات واجبا على الحكومة الفلسطينية اتخاذ إجراءات لاعتماد مبدأ التعامل بالمثل من خلال منع دخول الشركات الإسرائيلية الشبيهة بالشركات الممنوع دخول منتجاتها إلى القدس إلى السوق الفلسطيني.
ويقول هنية ل((شينخوا))، إنه "لا بديل عن مقاطعة منتجات الشركات الإسرائيلية من الألبان واللحوم على قاعدة التعامل بالمثل لحين رفع المنع عن الشركات الفلسطينية الخمس للتسويق في شرق القدس".
ويضيف إن المنع الإسرائيلي "قرار سياسي بامتياز يفرض الرؤية الاسرائيلية في أسرلة مدينة القدس وضمها، علما أن هناك شركات فلسطينية مثل المختصة بصناعة الأدوية ممنوعة من التسويق في القدس منذ العام 1967".
ويشير هنية إلى أن اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة في أبريل عام 1994 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل "تتيح لنا التعامل فلسطينيا بالمثل، وهذا يوضح للعالم أجمع أن إسرائيل هي التي تقاطعنا وهي التي تضيق علينا وتمنع تطورنا الاقتصادي".
وتستورد السوق الفلسطينية بما لا يقل عن 4 مليارات دولار سنويا من منتجات إسرائيل بما يشمل خدمات الكهرباء والوقود والمياه المقدمة للفلسطينيين بحسب إحصائيات فلسطينية.
ويقول الناشط في حملة (بادر) لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية في الضفة الغربية صلاح الخواجا ل((شينخوا))، إن "الموقف الشعبي الفلسطيني هو مع مقاطعة شاملة لكافة المنتجات الإسرائيلية، ولكننا نتطلع لخطوة من الحكومة بالتعامل بالمثل ردا على منع منتجات الشركات الفلسطينية من دخول القدس".
ويشدد الخواجا، على أنه "آن الأوان لتدخل حكومي فاعل في مجال المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية، والأهم تشجيع المنتجات الفلسطينية ومنحها حيزا واسعا في استراتيجيات وخطط وزارات الاختصاص".
ويقول "نحن نستهدف إيجاد اشتباك اقتصادي مع الاحتلال الإسرائيلي في ظل سياساته وإجراءاته التي تكبل وتخنق الاقتصاد الوطني، وتهدف أيضا إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني رهن التبعية الاقتصادية الإسرائيلية".
ويضيف الخواجا "يجب أن تجابه إجراءات إسرائيل برد فلسطيني واضح على أساس التعامل بالمثل، في الوقت الذي تمنع إسرائيل إدخال الكثير من المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق الإسرائيلية، وتطبق ما يخدمها من اتفاقية باريس".
هيمنة إسرائيلية
اشتكى الفلسطينيون مرارا من تعمد إغراق إسرائيل أسواقهم بمنتجاتها من مختلف الأصناف لجعلها "مستباحة للشركات الإسرائيلية" في وقت تفرض فيه قيودا على تطور اقتصادهم كما حصل أخيرا من منع منتجات الشركات الخمسة من دخول القدس.
وحسب وزارة الاقتصاد في السلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل تقيم مناطق صناعية في أكثر من20 مستوطنة في الضفة الغربية تنتج ما يزيد عن 43 علامة تجارية غذائية، و47 علامة تجارية منزلية، بالإضافة إلى عشرات المنتجات.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس صادق في أبريل من العام 2010 على قانون حظر ومكافحة توريد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في أسواق الضفة الغربية.
وتضمن القانون عقوبات رادعة تصل إلى السجن مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن خمس سنوات وغرامة مالية باهظة للمتورطين من التجار الفلسطينيين في ترويج بضائع منتجات المستوطنات الإسرائيلية.
وتقول وزيرة الاقتصاد الفلسطينية عبير عودة في مقابلة سابقة مع ((شينخوا))، إن ما يزيد عن 65 في المائة من المنتجات التي يتم إتلافها وضبطها من طواقم حماية المستهلك التابعة للوزارة في السوق الفلسطيني هي من منتجات المستوطنات الإسرائيلية.
وتضيف عودة، أن وزارة الاقتصاد وصلت إلى المراحل النهائية في مساعيها لتعديل قانون حماية المستهلك ولوائحه التنفيذية بما يضمن صون حقوق التاجر والمستهلك والمنتج على حد سواء وبما يتضمن الحد من إغراق الأسواق الفلسطينية بالمنتجات الإسرائيلية من جهة ومحاربة منتجات المستوطنات من جهة أخرى.
وتوضح أن تعديلات جوهرية جرت على مواد قانون حماية المستهلك الحالي ولوائحه التنفيذية في مقدمتها نشر أسماء المخالفين عبر وسائل الإعلام، وإعلام المستهلك بطبيعة ونوعية المنتجات والسلع المخالفة حتى يتجنب استهلاكها، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للعقوبات المنصوص عليها في القانون الحالي.
واحتفلت دول العالم يوم الثلاثاء الماضي "باليوم العالمي لحقوق المستهلك" الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1985 في 15 مارس من كل عام، وهو يستهدف حماية المستهلك من الأخطار التي تهدد صحته وسلامته، تعزيز وحماية المصالح الاقتصادية للمستهلكين.
ويقول اقتصاديون فلسطينيون، إن تفعيل قانون حماية المستهلك بعد تعديله وتعزيز جهود مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ودعم المنتج المحلي الفلسطيني هو السبيل الوحيد لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني في ظل ما يواجه من عثرات.
مشكلة سياسية
يقدر مسئولون فلسطينيون، أن حجم العجز في موازنة السلطة الفلسطينية للعام الجاري يبلغ حوالي 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ما يعني أن الفجوة التمويلية ستبقى كبيرة.
ويشتكي هؤلاء من أن المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني هي سياسية من الدرجة الأولى لأن إجراءات إسرائيل لا تؤدي إلى تحسين المناخ الاستثماري، بل بالعكس هي طاردة للاستثمار وخاصة في ظل انسداد الأفق السياسي.
وهم يعتبرون أن الاقتصاد الفلسطيني يختنق بسبب التضييق الإسرائيلي على جميع مدخلات الإنتاج، وعلى حرية الحركة والوصول إلى الأسواق، ما يؤدى إلى استمرار التراجع في الوضع الاقتصادي.
كما أن استمرار الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة منذ منتصف عام 2007 أسفر عن تراجع كبير في استثمارات القطاع الخاص الفلسطيني، وهذا ما تعكسه السوق المالية بشكل يومي وهو ما يعكس أيضا ضعفا كبيرا في النشاط الاقتصادي ما يؤثر على العائدات الضريبية الأمر الذي يدفع السلطة الفلسطينية إلى الاستدانة من البنوك التجارية أو التأخر في دفع مستحقات القطاع الخاص.
وبشكل عام فإن الاقتصاد الفلسطيني رهينة للمساعدات الدولية والتحويلات المالية من إسرائيل، وكلاهما غير ثابت ومتذبذب، كما أن أهم المشاكل الاقتصادية ذات الانعكاس المجتمعي والسياسي المباشر هي نسب البطالة والفقر المرتفعة في الضفة وبشكل أكبر بكثير في قطاع غزة.
ويقول وزير التخطيط الفلسطيني السابق مدير مركز (ماس) للأبحاث والدراسات الاقتصادية سمير عبد الله ل((شينخوا))، إن مشكلة ضعف الاقتصاد الفلسطيني هي أن معظم مصادره غير متاحة للاستغلال وتحت السيطرة الإسرائيلية.
ويوضح عبد الله، أن الاقتصاد الفلسطيني "صعب ويعتمد في نموه على المصادر التي هي تحت السيطرة الإسرائيلية وغير متاحة للفلسطينيين، كما أن مشاريع الاستثمار فيه غير ممكنة كونها غير مترابطة بسبب القيود الإسرائيلية بين القرى والمدن الفلسطينية ولأن مصادر المياه والكهرباء مكلفة جدا".
وعليه يشدد عبد الله، على أن أي انتعاش حقيقي للاقتصاد الفلسطيني مرتبط كليا بالسياسات الإسرائيلية والقدرة على تحرير المصادر الفلسطينية وتسهيلات حقيقة على الأرض أمام مختلف الأنشطة الاقتصادية.
كما أنه يؤكد على أهمية "تصعيد حملات مقاطعة المنتجات الإسرائيلية ووقف استهلاكها أو الحد منها والاعتماد بديلا عنها على المنتجات الفلسطينية وفتح أفاق أكبر للعمالة المحلية ودعم الصناعات الوطنية".





