واشنطن 23 يوليو 2016 (شينخوا) من غير المرجح أن تساعد المقترحات التجارية الحمائية، التي طرحها المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب، العمال الذين فقدوا وظائفهم في قطاع التصنيع أو الصناعة التحويلية، وليس هناك أي شك بأن المستهلكين الأمريكيين، بما في ذلك الكثير من أنصار ترامب، سوف يتضررون من إجراءاته المناهضة للتجارة، وفقا لما قاله خبراء.
وتخلى ترامب عن عقيدة الجمهوريين القائمة منذ أمد بعيد، والتي تصب في صالح تفضيل التجارة الحرة، ليتبنى موقفا محابيا للتجارة الحمائية على مدار حملته الرئاسية، في محاولة لجذب الناخبين الغاضبين والمحبطين من ذوي الياقات الزرقاء، الذين شهدوا فقدان وظائفهم في قطاع الصناعة التحويلية جراء تنامي الاقتصاد العالمي.
وفي خطاب قبول ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في يوم الخميس، تعهد ترامب بأن يكون صوت "عمال المصانع المسرحين" الذين تضرروا بشدة جراء ما أسماه "اتفاقات تجارية رهيبة وغير عادلة"، وبأن يجعل "التجارة العادلة" موضوعا مركزيا لرئاسته في حال انتخابه.
وقال ترامب في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، في كليفلاند بولاية أوهايو، إن (الرئاسة) "ستبدأ بسياسة تجارية جديدة وعادلة تحمي وظائفنا وتقف بمواجهة الدول التى تقوم بالغش. لقد كانت إحدى وعود حملتي منذ اليوم الأول , وستكون إحدى أهداف فترتي الرئاسية بدءا من لحظة أدائي القسم لتولي المنصب".
كما تعهد ترامب أيضا بإعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وغيرها من الاتفاقيات التجارية الكبرى القائمة، ووعد بعدم توقيع اتفاقيات تجارية كبيرة مثل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، والتي اعتبرها بأنها سوف "تدمر" قطاع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة، وذلك كجزء من جهوده الساعية لاستعادة الوظائف الأمريكية.
وقال "سوف أقوم بإعادة وظائفنا إلى أوهايو، وبنسيلفانيا، ونيويورك، وميشيغان، وكافة أرجاء أمريكا -- وسوف لن أسمح للشركات بالانتقال الى دول أخرى، بعد أن تقوم بتسريح موظفيها خلال ذلك، بدون أية عواقب".
ولكن خبراء قالوا إن الانخفاض في نسبة التوظيف لدى قطاع الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة يعتبر ظاهرة طبيعية، وإلقاء اللوم على الاتفاقات التجارية بأنها تقف وراء "تدمير الوظائف" يشوه ما يحدث بالفعل.
وقال ديفيد دولار، وهو زميل بارز في معهد بروكينغز ومسؤول سابق في البنك الدولي، إن "هناك اتجاه طويل الأمد من أجل خفض العمالة في قطاع الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة من حصة التوظيف، وهذا يعكس حقيقة أن الأتمتة ونمو القدرة الإنتاجية هم أسهل في قطاع التصنيع عما يكون عليه في قطاع الخدمات".
وأفاد دولار أن "الولايات المتحدة ما تزال قوة تصنيعية من حيث الإنتاج، ولكن ببساطة لا يتطلب ذلك الكثير من العمال لتحقيق ذات الناتج"، مقترحا أن زيادة الإنفاق العام على البنية التحتية سيكون الإجراء الأكثر وضوحا لخلق فرص عمل بشكل فوري وتعزيز إنتاجية الاقتصاد.
واتفق توماس دونوهيو، الرئيس والمدير التنفيذي لغرفة التجارة الأمريكية، مع رأي دولار، قائلا إن "مرشحي الرئاسة دائما ما يستخدمون ما يسمى زوال التصنيع والابتعاد عن وظائف المصنع التقليدية لجعل قضيتهم ضد التجارة، غير أن الحقائق تعترض طريقهم".
وفي حين تم فقدان بعض الوظائف في قطاع الصناعة بسبب التكنولوجيا والفعالية، قال دونوهيو إن التجارة ما تزال تشكل دافعا قويا لوظائف قطاع التصنيع، مشيرا إلى حقيقة أن الصادرات تدعم زهاء قرابة 6 ملايين وظيفة مصنعية في الولايات الأمريكية، ما يساوي تقريبا نصف مجموع العمالة في قطاع التصنيع.
وعلى الرغم من أن ترامب تعهد بمعاقبة الشركات الأمريكية التي تنتقل إلى خارج البلاد، عبّر اقتصاديون عن شكوكهم في خطته لإعادة وظائف قطاع الصناعات التحويلية إلى البلاد بسبب ارتفاع تكاليف العمالة وسلسلة التوريد.
وذكرت شركة (( أيه. تي. كيرني)) الاستشارية في تقرير لها نشرته في شهر ديسمبر الماضي أن مؤشر الاستعادة يظهر أن الاستعادة الفعلية لعمليات التصنيع إلى الولايات المتحدة قد فشلت مرة ذلك، وذلك للسنة الرابعة على التوالي، في المواكبة مع الانتقال إلى الخارج.
وقال التقرير "يبدو أن ظاهرة الاستعادة لم تكن إلا مجرد انحراف لمرة واحدة أكثر من كونها اتجاه حتمي"، مشيرا الى أن الصناعات التي تتجنب تكاليف العمالة المرتفعة في الصين قد نجحت في الانتقال إلى دول آسيوية أخرى بدلا من عودتها إلى الولايات المتحدة.
ومن المثير للسخرية، أن حتى ترامب نفسه لم يستطع الالتزام بوعوده بشأن زيادة المنتجات المصنوعة في الولايات المتحدة عندما تعلق الأمر بأعماله الخاصة.
إذ أن روبرت لاورنس، وهو أستاذ بقسم التجارة والاستثمارات الدولية في جامعة هارفارد، كشف أن معظم المنتجات المعلن عنها على موقع "ترامب دوت كوم" قد تم صنعها في الخارج.
وذكر لاورنس في تحليل، كتبه في مارس الماضي حول بضائع العلامة التجارية الخاصة بايفانكا ترامب، أنه "من بين 838 من منتجات ايفانكا التي تم الإعلان عنها عبر الموقع، لا يوجد أي منتج يبدو أنه مصنوع بشكل حصري في الولايات المتحدة؛ إذ أن 628 منتجا منها يقال إنها مستوردة و354 منها صُنعت في الصين على وجه التحديد".
وذلك لأن شراء المنتجات الأمريكية الصنع سيكون أكثر تكلفة، إذ قامت مقالة نشرت مؤخرا في مطبوعة "مراجعة تكنولوجية" التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "أم آي تي" باحتساب أنه في حال تم تصنيع جهاز شركة أبل "آيفون 6 أس" بشكل كامل في الولايات المتحدة ومن مكونات مصدرها الولايات المتحدة، فإنه سيكلف ما بين 809 و849 دولارا أمريكيا بدلا من سعره الحالي 749 دولار ا.
وحذر اقتصاديون أيضا من أن اقتراحات ترامب بفرض رسوم جمركية عالية على دول أخرى قد يجر الاقتصاد الأمريكي إلى ركود طويل، ويسبب خسائر كبيرة في الوظائف، والتي سيكون وقعها أشد على العمال من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.
كما قال سي فريد بيرغستين، المدير الفخري لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي إنه "حتى لو تمكن ترامب من رفع الرسوم الجمركية بشكل حاد ضد الصين والمكسيك، فإن ذلك سيعود بفائدة بسيطة أو معدومة على مجالات الإنتاج والتوظيف في الولايات الأمريكية".
وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تفقد الكثير من الوظائف في مجال الصادرات بما يتجاوز أي مكتسبات من الممكن أن تحققها في مجال الاستيراد فيما إذا قام شركاء آخرون بالرد بالمثل ورفع الرسوم الجمركية الخاصة بهم أيضا.
وقال لاورنس إنه "من البديهي أن المستهلكين، الذين يتعرضون بالفعل لضغوط كبيرة جراء ضعف نمو الدخل، سيجدون أنه تم فرض المزيد من القيود على قوتهم الشرائية، بل أن الكثير منهم سيكتشفون أيضا أن وظائفهم غدت مهددة"، مضيفا أن الرسوم الجمركية التي يقترحها ترامب ستعيث فسادا في سلاسل الإمداد العالمي وتجبر العديد من الشركات على خفض العمالة.
ولفت بيرغستين إلى أن "سياسة ترامب التجارية، البعيدة عن تمكين الولايات المتحدة من (الفوز مرة أخرى)، ستكون خاسرة بدرجة كبيرة".
وقدرت تحليلات وكالة موديز في تقرير صدر مؤخر أن الاقتصاد الأمريكي قد يعاني من ركود طويل مع فقدان حوالي 3.5 مليون وظيفة ووصول معدل البطالة إلى 7 في المائة، وذلك بحلول نهاية فترة رئاسة ترامب التي تستغرق أربعة سنوات في حال تم اعتماد جميع مقترحاته الاقتصادية.
وأضاف التقرير أنه "بشكل عام، ستؤدي المقترحات الاقتصادية للسيد ترامب إلى اقتصاد أمريكي أكثر عزلة"، مشيرا إلى أنه "خلال فترة رئاسة السيد ترامب، سيصاب متوسط دخل الأسرة الأمريكية بعد التضخم بالركود، وستنخفض أسعار الأسهم وقيم العقارات".





