رأي ضيف: الحملة الصليبية في القرن الـ21 -- محاولة أمريكا للحفاظ على هيمنتها العالمية
بقلم: يي فان
قبل نحو ألف عام، وخلال فترة العصور الوسطى، أمر البابا أوربان الثاني، بابا الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي كانت في حالة من التداعي، بشن حرب دينية، تُعرف أيضا باسم الحملة الصليبية الأولى، لاستعادة الأرض المقدسة من المسلمين. أدت الحروب الصليبية، التي استمرت لأكثر من مائتي عام إلى توتر العلاقات بين الشرق والغرب وكان لها تأثير دائم على السياسة في المنطقة وخارجها.
والآن بعد مرور ألف عام تقريبا، تشن الولايات المتحدة حملة صليبية في العصر الحديث ضد أجزاء من العالم ترى أنها تشكل تحديا لهيمنتها العالمية. يبدو أن التاريخ يعيد نفسه من جديد.
-- ذريعة محبكة
في عام 1095، في خطابه التحريضي في مجمع كليرمونت، اتهم البابا أوربان الثاني السلاجقة الأتراك بارتكاب فظائع مروعة ضد المسيحيين. وأعلن المسلمين بأنهم "جنس بعيد تماما عن الله" وحَضّ الجموع على "عدم التردد في اتباع طريق الرب". بهذه الكلمات بدأ الاضطهاد الذي طال من يسمون بـ"الهراطقة" طوال قرنين من الزمان.
واليوم، تمارس الولايات المتحدة نفس الحيل على بلدان أخرى، من أمريكا اللاتينية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن غرب آسيا إلى شمال أفريقيا. وتحت ذريعة ما يسمى بـ"مشيئة الرب"، حاولت الولايات المتحدة، مرارا وتكرارا، قولبة دول أخرى على هواها حتى تحتفظ بهيمنتها وتعمل على تعزيزها. فمن مبدأ مونرو إلى فرض "الديمقراطية" بالقوة على بلدان أخرى، ومن "ربيع براغ" إلى "الربيع العربي"، لم تجلب الولايات المتحدة سوى الاضطرابات والبؤس والمعاناة. وقال باسكال بونيفاس، مدير معهد الشؤون الدولية والاستراتيجية في باريس، في كتابه ((قداس الموتى للعالم الغربي)) إن محاولات الولايات المتحدة إضفاء الطابع الديمقراطي على البلدان الأخرى هي أشبه تماما بشن حروب صليبية في القرن الـ21.
-- زعزعة استقرار الآخرين
قبل الحروب الصليبية، كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة بالفعل غارقة في صراع من أجل البقاء. وكانت أوروبا تتكون من دول منفصلة يديرها العديد من الحكام الذين كانوا يتقاتلون باستمرار. فاللصوص كانوا يجوبون الشوارع والمجاعة كانت شائعة جدا. وقد عانى الناس كثيرا من الفوضى. في الواقع، كانت الحملات الصليبية قد انطلقت جزئيا لأن البابا كان يأمل في أن يؤدي صراع خارجي إلى توحيد الحكام ومنعهم من التسبب في خلق مشاكل في الداخل.
واليوم أصبحت الولايات المتحدة تعاني من استقطاب سياسي أكثر من أي وقت مضى، حيث انهمك الديمقراطيون والجمهوريون في اقتتال سياسي داخلي لا ينقطع. والواقع أن الولايات المتحدة، العاجزة عن معالجة هذه المشاكل الهيكلية في الداخل، وضعت عينيها على زعزعة الاستقرار في مناطق أخرى بهدف تحويل الانتباه عنها. وظلت تؤجج لهيب الأزمة الأوكرانية وتؤجج التوترات في مضيق تايوان. كما أنشأت آلية كواد وسعت إلى خلق ناتو آخر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. كل هذا يشبه إلى حد ما حرب باردة أخرى.
-- جمع الحشود
في خطابه الشهير في كليرمونت، قال البابا إن أرض الشرق المقدسة كانت مليئة بالذهب والفضة، والعسل والحليب، "مثل جنة غنّاء يعمّها السرور". كما وعد بأن أولئك الذين ذهبوا في الحملة الصليبية سيتم تطهيرهم من جميع خطاياهم، وسيصعدون إلى السماء مباشرة بعد موتهم. ومع تصديقهم لكلماته، قام أفراد طبقة النبلاء العالية والناس العاديون ببيع ممتلكاتهم وانطلقوا إلى الشرق دون تردد. خلال الحملة الصليبية الخامسة، استدعت الكنيسة الكاثوليكية الأطفال ليصبحوا صليبيين. لم يعد منهم سوى عدد قليل. فمعظمهم ماتوا من الجوع أو العطش أو ماتوا غرقا في البحر، في حين بيع آخرون كعبيد.
واليوم، أصبحت الآلة الدعائية للولايات المتحدة في حالة تأهب تام، حيث تعمل على إثارة مشاعر معادية للصين وتخبر شعبها بأن الصين تشكل أكبر تهديد لأسلوب حياتهم. حتى الدول الأوروبية، وكثير منها من حلفاء الولايات المتحدة، وقعت ضحية للممارسات الأنانية للولايات المتحدة مثل الدعم الأخضر، وقانون خفض التضخم، ورفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة. ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن البلدان التي لا تتبع توجيهاتها تشبه تماما "الهراطقة" في العصور الوسطى، وبالتالي ينبغي سحقها.
-- التصرف بلا ضمير
لقد أسفرت الحروب الصليبية في العصور الوسطى عن العديد من المعارك الدموية والوحشية، ليس فقط ضد المسلمين، بل وأيضا ضد اليهود والمسيحيين. أما الحملة الصليبية الرابعة، التي نهبت مدينة القسطنطينية المسيحية، فكانت الأكثر قسوة. ومن المفارقات العجيبة أنها تحولت إلى عمليات ذبح ونهب في القسطنطينية، المدينة المسيحية الأكبر على مستوى العالم والتي كانت تهدف في الأصل إلى حمايتها. وأصبحت الإمبراطورية البيزنطية أشد فقرا وأصغر حجما وفي نهاية المطاف أقل قدرة على الدفاع عن نفسها. وهكذا أدت تصرفات الصليبيين إلى تسريع انهيار العالم المسيحي في الشرق.
واليوم، ولكي تحتفظ الولايات المتحدة بهيمنتها، تواصل سلب بلدان أخرى باسم الديمقراطية. فقد تلاعبت بالانتخابات وأثارت أعمال الشغب وزرعت بذور الشقاق في جميع أنحاء العالم. وينظر المجمع الصناعي العسكري لديها إلى عدم الاستقرار باعتباره طريقا مختصرا لتحقيق الأرباح، وجني المال من بؤس بلدان أخرى.
كما تم تحويل الدولار الأمريكي، العملة الأكثر تداولا في العالم، إلى سلاح من قبل الولايات المتحدة. فإنتاج فاتورة تبلغ قيمتها 100 دولار يكلف الولايات المتحدة حوالي 17 سنتا فقط، وهذا يعني إيرادات كبيرة للبلاد من سك العملة.
فذات يوم أشار الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول إلى أن الامتياز المفرط الذي يتمتع بها الدولار منح الولايات المتحدة القدرة على تسجيل العجز دون أن تذرف الدموع.
وعلى حد تعبير وزير الخزانة الأمريكي الأسبق جون كونالي "الدولار عملتنا، ولكنه مشكلتك".
ففي الأعوام الأخيرة جمدت الولايات المتحدة الأموال التي حققها الشعب الأفغاني بشق الأنفس، وخربت صفقة الغواصات الفرنسية، وقيل أنها فجرت خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم لقطع إمدادات الطاقة الروسية عن ألمانيا. كل هذه الأفعال لم تستفد منه سوى الولايات المتحدة نفسها.
لقد فشلت الحملات الصليبية في العصور الوسطى في نهاية المطاف وضعفت قوة الكنيسة. واليوم، تُضعف الولايات المتحدة من قوتها في كل مرة تستعرض فيها عضلاتها العسكرية أو تضرب بلدانا لديها نظام مختلف عن نظامها.
لقد حان الوقت لكي تستوعب الولايات المتحدة الدروس من الحروب الصليبية وتتخلى عن هوسها بالهيمنة العالمية. ويجب ألا يُسمح للتاريخ بأن يعيد نفسه.
ملاحظة المحرر: يي فان، مراقب للشؤون الدولية ومقره بكين
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة مواقف وكالة أنباء ((شينخوا)).








