مقالة خاصة : حرفي سوري ينسج بروحه بُسُط صوفية تقليدية للحفاظ على التراث وبقاء مهنته على قيد الحياة

مقالة خاصة : حرفي سوري ينسج بروحه بُسُط صوفية تقليدية للحفاظ على التراث وبقاء مهنته على قيد الحياة

2023-07-12 04:11:00|xhnews

دمشق 11 يوليو 2023 (شينخوا) يجلس المسن السوري أبو فادي، أمام نول قديم ساعات طويلة كل يوم لينسج بروحه بُسُط صوفية تقليدية ذات ألوان مختلفة ورسومات وزخرفات متنوعة للحفاظ على تراث الآباء والأجداد وبقاء مهنته على قيد الحياة.

وطيلة 50 عاما قضاها في العمل، لم يصب أبو فادي البالغ من العمر (63 عاما) الكلل والملل يوما، وبقي يعمل بجد ونشاط على النول الخشبي القديم، الذي يكبره بأكثر من عشرين عاما، لينسج المئات والمئات من القطع والمشغولات المصنوعة من خيوط الصوف والقطن وبقايا الملابس التالفة رغم علمه بأن مهنته باتت مهددة بالانقراض مع دخول معامل السجاد الآلي على الخط، والتي تنتج الآلاف من الأمتار خلال وقت زمني قصير وبأشكال ورسومات مختلفة.

لكن مع ارتفاع أسعار السجاد الآلي بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج مع ضعف القدرة الشرائية لغالبية السوريين، عاد الكثير منهم لشراء البسط الصوفية لوضعها في بيوتهم كتقليد تراثي، ما أعاد الألق لمهنة أبو فادي.

وروى أبو فادي، وهو يجلس أمام نوله الخشبي لوكالة أنباء ((شينخوا)) حكايات وأسرار هذه المهنة، التي عشقها وورثها عن أبيه وجده، قائلا "منذ خمسين عاما وأنا أعمل على هذا النول الخشبي الذي ورثته من أبي وقبله جدي".

وتابع "النول العربي القديم يعود عمره لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، وتم العثور على شبيه له في مملكة إيبلا وماري، حيث كانوا يصنعون عليه أغطية وملابس وبسط صوفية"، مؤكدا أن هذه الأعمال تحتاج إلى صبر ووقت كي تنجز.

وأضاف أبو فادي أن "ما يميز هذا العمل اليدوي هو الروح التي توضع بداخل كل عمل، بدءا من صبغ الخيوط مرورا بتركيبها وصولا إلى نسجها على النول لتصبح قطعة فنية رائعة".

وأشار إلى أن "فجات الخرق"، وهي بساط صغير مصنوع من بقايا القماش، عادت إلى الواجهة اليوم بعد غياب لأكثر من 70 عاما لرخص ثمنها وكونها تفي بالغرض ويمكن لأي عائلة أن تشتريها وتمدها في البيت بدلا عن السجاد.

وأوضح أبو فادي أن غالبية الأسر قديما كانت تأخذ الأقمشة والألبسة القديمة إلى النّوال كي يصنع لها "فجات من الخرق" توضع على الأريكة أو بالأرض أو كوسائد للنوم.

وأعرب أبو فادي عن عشقه لهذه المهنة، قائلا "لم أبحث عن الجانب المادي أبدا، أريد أن تبقى هذه المهن اليدوية على قيد الحياة وأن تتوارثها الأجيال لأنها مهن تراثية"، مؤكدا أنه يعشق الألوان وهي تتمازج مع بعضها البعض ضمن قطعة فنية مشغولة من الصوف أو القطن.

وأضاف "أحاول أن أعيد تراث كل محافظة من المحافظات السورية، إذ أن لكل محافظة نقشة ورسمة محددة"، لافتا إلى أن النقوش المرسومة على الصوف في حلب شمال سوريا تختلف عما هي عليه في حمص (وسط) وفي السويداء (جنوبا).

وأكد الرجل الستيني أن أغلب الناس حاليا تأتي إليه وتشتري مشغولات صوفية وخرق، موضحا "كنت قبل الأزمة أبيع تلك المشغولات إلى الأجانب وكانوا يحبون هذه الأشياء التراثية المشغولة يدويا، ولكن اليوم بات ابن البلد يشتري تلك المشغولات ويحن للتراث القديم الذي يذكره بأهله وأجداده".

ورأى أن هذه القطع الفنية التراثية تعيد الحياة للبيوت السورية، ما يدفع الناس لاقتنائها.

ولكل قطعة ينسجها أبو فادي حكاية ما، حسب ما يقول، لأنه يعيش معها قرابة الأسبوعين أو أقل حسب حجمها وطولها، وفي النهاية كل القطع التي ينسجها تحمل روحه وهويته الخاصة التي تميزه عن غيره إما من حيث الألوان وتمازجها أو من خلال النقوش والأشكال الهندسية التي يرسمها بنوله الخشبي القديم.

وتعمل عائلة أبو فادي معه، ولكل واحد منهم اختصاص معين، فأحدهم يصبغ الخيوط وآخر يلفها على شكل كرة وثالث يقوم بتربيط الخيوط عندما ينتهي البساط أو الفجة، وفق الرجل، الذي أكد أن أحد أولاده بدأ بالتعلم على النول ليأخذ المهنة منه.

ولفت أبو فادي إلى أن أخاه طبيب يقيم حاليا في ألمانيا ولديه نول يعمل عليه هناك كدلالة على عشق العائلة لهذه المهنة التراثية.

ورغم كل الظروف الحالية في سوريا، إلا أن الرجل يتمتع بروح مرحة ويستقبل زبائنه بوجه مبتسم، وفي بعض الأحيان يأخذ الناس برأيه كونه خبيرا في هذا المجال ويمتلك رؤية فنية.

ويشدد أبو فادي على "أن المهن اليدوية يجب أن تبقى على قيد الحياة لأنها أساس كل التطور الحاصل اليوم".

وقالت السورية رند الأحمد، وهي من زبائن أبو فادي أن هذه المشغولات اليدوية الصوفية وفجات الخرق ذات طابع تراثي يذكرنا بالماضي.

وقالت الأحمد البالغة من العمر (55 عاما) والتي جاءت إلى ورشة أبو فادي لتشتري عدة قطع لـ((شينخوا)) "هذه الأعمال تستهويني وأحبها وفي بيتي الكثير منها لأنها تذكرني بالماضي وبيوت الأجداد في الأرياف".

وتابعت أنها ستأخذ معها عدة مشغولات كهدايا إلى أصدقائها في ريف حمص الغربي.

أما الشابة عبير أبو حسون البالغة من العمر (34 عاما) فقالت إن هذه المهنة اليدوية عريقة، مؤكدة أن البيوت الدمشقية كانت تحتوي على الكثير من تلك البسط الصوفية التي توضع بالمجالس كتراث تقليدي.

وتابعت أبو حسون لـ((شينخوا)) "في بيتي الكثير من هذه المشغولات اليدوية أضعها كتراث في منزلي"، مضيفة "أن الزوار الذين يأتون إليها يسألونها من أين تأتين بهذه التحف الفنية الجميلة فتجيبهم ضاحكة من عند أبو فادي". 

الصور