مقالة خاصة: تصاعد المخاوف من الـ"ترامبسيشن" في أوروبا
بروكسل 15 مارس 2025 (شينخوا) تراجعت الأسهم الأوروبية هذا الأسبوع وسط موجة بيع واسعة النطاق، مدفوعة بتزايد المخاوف من تداعيات ما يُعرف بالـ"ترامبسيشن"، وهو مصطلح صاغه الاقتصاديون لوصف الاضطرابات الناجمة عن السياسات التجارية والاقتصادية "المتقلبة" التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فقد أثارت التوترات المتصاعدة في العلاقات التجارية عبر الأطلسي المخاوف من أن الاتحاد الأوروبي قد لا ينجو من العواقب إذا ما حدث الـ"ترامبسيشن".
-- تزايد التصعيد
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سينتقم من الرسوم الجمركية التي فرضتها ترامب ونسبتها 25 في المائة على الصلب والألومنيوم بإجراءات مضادة تستهدف واردات أمريكية بقيمة 26 مليار يورو (28 مليار دولار أمريكي)، تشمل القوارب والبربون والدراجات النارية.
وذكرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بيان "بما إن الولايات المتحدة تفرض رسوما جمركية بقيمة 28 مليار دولار، فإننا نرد بإجراءات مضادة بقيمة 26 مليار يورو"، مشيرة إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية تؤثر على حوالي 5 في المائة من إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الولايات المتحدة.
وسرعان ما رد ترامب، مهددا بفرض رسوم جمركية بنسبة 200 في المائة على النبيذ ومنتجات الكحول الأخرى الواردة من الاتحاد الأوروبي.
وكتب ترامب على منصة التواصل الاجتماعي الخاصة به ((تروث سوشيال)) يقول "إذا لم يتم إلغاء هذه الرسوم الجمركية على الفور، فسوف تفرض الولايات المتحدة قريبا رسوما جمركية بنسبة 200 في المائة على جميع أنواع النبيذ والشمبانيا والمنتجات الكحولية القادمة من فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى".
من جانبها، قالت سمينة سلطان، الخبيرة الاقتصادية في المعهد الاقتصادي الألماني، إن حالة عدم اليقين الناتجة عن الوضع تضر باستثمارات الشركات والاقتصاد الأوسع. وهذا من شأنه أيضا أن يعرض الوظائف للخطر على جانبي الأطلسي.
كما حذر توماس جيتزل، كبير الاقتصاديين في بنك ((في بي)) في ليختنشتاين، من أن الرسوم الجمركية الأمريكية الحالية ليست سوى بداية لتصعيد الحواجز التجارية، مضيفا أن "هناك حربا تجارية عالمية تتزايد بوتيرة مطردة، مع تنامي مخاطر زيادة حدتها".
-- زيادة الطين بلّة
على الرغم من أن الرسوم الجمركية الأمريكية تؤثر فقط على 5 في المائة من صادرات الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ستضر بشدة بصناعتي الصلب والسيارات، اللتين تعانيان بالفعل من ارتفاع التكاليف وضعف الطلب.
وقد ذكر جونار جرويبلر، رئيس الرابطة الألمانية للصلب، أن الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب "ستضرب مستويات مختلفة، في وقت صعب بما فيه الكفاية". ووفقا للرابطة، فإن ما يصل إلى 20 في المائة من صادرات الاتحاد الأوروبي من الصلب تذهب إلى الولايات المتحدة، التي تعد ثاني أكبر سوق تصدير بالنسبة لمنتجي الصلب في الاتحاد الأوروبي.
وأشارت دراسة أجرتها ((أوكسفورد إيكونوميكس)) إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ونسبتها 25 في المائة على السيارات تمثل "مشكلة كبيرة للاتحاد الأوروبي". وقدرت الدراسة أن صادرات شركات السيارات الألمانية والإيطالية إلى الولايات المتحدة قد تنخفض بنسبة 7.1 في المائة و6.6 في المائة على التوالي بسبب هذه الرسوم، محذرة من أن صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبي "عرضة للتأثر بشدة" جراء تهديدات الرسوم الجمركية الأمريكية.
وفي نفس الإطار، أكد ديفيد بانسن، كبير موظفي الاستثمار في ((بانسن غروب))، أن "الحديث عن الرسوم الجمركية، والتراجع عنها، والتكهنات، والفوضى لا تؤدي إلا إلى تعزيز حالة عدم اليقين".
وشاطره أنخيل جافيلان، مدير الاقتصاد في بنك إسبانيا، الرأي قائلا إن حالة عدم اليقين يمكن أن تبطئ الاقتصاد بشكل كبير لأن الأفراد والشركات قد يؤجلون الاستهلاك والاستثمار، وهذا قد يؤدي بدوره إلى انخفاض الطلب العام وإبطاء النمو الاقتصادي.
-- أزمة الديون
حذر ديزموند لاشمان، الزميل البارز في معهد ((أمريكان إنتربرايز)) والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي، من أن الرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب قد تؤدي إلى ركود واسع في أوروبا وأزمة ديون أخرى في منطقة اليورو.
وقال إن الاقتصاد الألماني يمر بتراجع طويل الأمد، فيما تواجه إيطاليا وفرنسا مشكلات حادة تتعلق بالديون السيادية، مستشهدا ببيانات تُظهر أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في كلا البلدين أصبحت الآن أعلى مما كانت عليه خلال أزمة ديون منطقة اليورو التي حدثت في الفترة ما بين عامي 2010 و2012.
وأضاف أن دول منطقة اليورو تخضع لسياسة نقدية موحدة يفرضها البنك المركزي الأوروبي. وهذا يعني أن دولا مثل إيطاليا وفرنسا لا يمكنها تحديد أسعار الفائدة أو سياسات سعر الصرف بشكل مستقل لتحفيز الصادرات والاستهلاك المحليين.
علاوة على ذلك، تكافح هذه الدول ذات الديون المرتفعة للحد من عبء ديونها من خلال زيادة الصادرات إلى ألمانيا، إلا أن الاقتصاد الألماني يمر بمرحلة نمو ضعيفة وتراجع في الطلب على الواردات.
كما قالت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، إنه "من المستحيل" ضمان أن يحقق صناع السياسات هدف التضخم البالغ 2 في المائة على المدى القصير، مشيرة في ذلك إلى التقلبات العالمية. وأضافت أن الرسوم الجمركية "ليست جيدة على الإطلاق ولها تأثير سلبي صاف في جميع الجوانب تقريبا".
وأشارت إلى أنه "عندما تصبح شدة الصدمات وتوزيعها مسألة غير قابلة للتنبؤ إلى حد كبير، فإننا لا نستطيع أن نوفر اليقين من خلال الالتزام بمسار محدد لأسعار الفائدة".








