تحقيق ميداني: قلق شديد يخيم على انطلاق العام الدراسي في القرى الحدودية بجنوب لبنان
مرجعيون، جنوب لبنان 16 سبتمبر 2025 (شينخوا) بوجوه اختلط فيها الخوف بالبراءة وحقائب أثقلها القلق، دخل معظم طلاب القرى الحدودية في جنوب لبنان إلى قاعات مدارسهم المهشمة في عامهم الدراسي الجديد المحكوم بهاجس التصعيد العسكري الإسرائيلي المخيم على الأهالي والمعلمين، محوّلاً كل صباح مدرسي إلى امتحان صعب في الصمود.
وسط أبنية ما زالت أطلالها شاهدة على عنف القصف الإسرائيلي بدت مدرسة الخيام، كما مختلف مدارس الخط الحدودي، بحلّتها المرمّمة على عجل كجزيرة حياة وسط بحر من الدمار.
جدرانها المطلية حديثا تحاول أن تخفي ذاكرة التشققات، وأصوات الطلاب تمنح المكان نفَساً مختلفاً، كأنها تعاند الخراب المحيط بها وتعلن أن التعليم أقوى من الركام.
وسط باحة هذه المدرسة وبوجوه شاحبة وعيون مذعورة التقى الطلاب بعد حوالي عامين من النزوح يبحثون عن أمان ضائع فيما يحيط بهم دمار يروي بصمته قسوة الحرب على جيل بأكمله.
حالة من الإرباك تخيم بشكل واضح على عملية التدريس في القرى الحدودية بجنوب لبنان، كما أشارت لوكالة أنباء ((شينخوا)) المدرسة من بلدة كفركلا الحدودية بشرى شيت.
وأوضحت شيت أن "الكثير من المدارس المدمرة أو المتضررة خضعت لأعمال ترميم، وما يواجه إنطلاق العام الدراسي في هذه المنطقة أن نسبة كبيرة من عائلاتها مازالت في النزوح والذين عادوا لا يشكلوا سوى نسبة حوالي 20 % من أبنائها".
وأضافت "المدراس هنا تعاني من نقص كبير في المستلزمات الضرورية من مقاعد والواح وكراسي وقرطاسية، في حين عملت البلديات وجهات مانحة محلية على سد بعض النقص الحاصل في الحاجيات الملحة".
ووفق تقرير حديث أعده البنك الدولي، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، في 20 ديسمبر 2024، فإن الأعمال العسكرية الإسرائيلية الأخيرة أدت إلى أضرار قُدرت بحوالي 151 مليون دولار في قطاع التعليم، بحيث أحصي 59 مدرسة مدمرة كلياً و299 مدرسة متضررة وتحتاج لإعمال ترميم.
من جهتها، شددت وزيرة التربية ريما كرامي في بيان نشر عبر الوكالة ((الوطنية للإعلام)) الرسمية على عدم بقاء أي طالب خارج المدرسة، وإعتماد التعليم الحضوري بدلا من التعليم عن بعد والذي كان معتمدا خلال العامين الماضيين في عشرات المدارس بجنوب لبنان.
وتابع البيان"على الطلاب والأساتذة في المدارس المدمّرة الإلتحاق بالمدارس في أماكن النزوح، في حين تستقبل المدارس التي أعيد ترميمها الطلاب بصورة طبيعية، على أن يتابع المدراء أحوال طلابهم الذين سجلوا في مدارس أخرى".
وفي ظل هذا الوضع الهش وغير المستقر في المنطقة الحدودية، أقدم العديد من نازحي هذه القرى على تسجيل أبنائهم في مناطق نزوحهم، في حين توجه العديد من مدراء المدارس لترميم مدارسهم وتركيز غرف جاهزة كبديل عن المدارس المهدمة أو استئجار مباني مدرسية في قرى مجاورة وذلك بالتنسيق مع وزارة التربية اللبنانية والتعاون مع البلديات وجهات محايدة ودولية مانحة، كما أكد لـ((شينخوا)) مصدر مسؤول، فضل عدم ذكر إسمه، في المنطقة التربوية التابعة لوزارة التربية ومقرها في مدينة النبطية بجنوب لبنان.
وأوضح المصدر أن "التدريس في المدارس الرسمية انطلق يوم (الاثنين) 15 سبتمبر الجاري في كافة المناطق اللبنانية بناء لقرار صادر عن وزارة التربية الوطنية اللبنانية في حين تأجل ولفترة قصيرة إفتتاح بعض المدارس في المنطقة الحدودية بسبب أعمال الترميم والذي يفترض إنجازها مع نهاية الشهر الجاري".
وفي جولة لمراسل ((شينخوا)) على العديد من مدارس البلدات الحدودية بجنوب لبنان، تبين أن معظم مدارس الواجهة الأمامية تعرضت لأضرار متفاوتة، وأن أعمال الترميم أنجزت في الكثير منها، في حين توجه العديد من مدراء المدارس المدمرة لإستعمال مباني بديلة أو تركيز غرف تدريس جاهزة ريثما تنجز أعمال الترميم في مدارسهم والتي يقوم بها مجلس الجنوب وهو الجهة المخولة بإعادة ترميم وبناء ما هدمه القصف الإسرائيلي.
مدير ثانوية ميس الجبل شرق لبنان فرج بدران، أوضح لـ((شينخوا)) إن مدارس البلدة ما زالت غير صالحة لإستقبال الطلاب نتيجة تعرضها للقصف.
وأضاف "توجهنا لإعتماد (الغرف الجاهزة) كقاعات تدريس بحيث وصلت إلى البلدة 30 غرفة جاهزة مقدمة من جهات مانحة".
وأشار إلى أن "حوالي الـ500 عائلة عادت إلى البلدة واستقرت فيها ومن واجبنا تأمين الحاجيات الضرورية لإستيعاب الطلاب".
وأشار رئيس بلدية ميس الجبل حبيب قبلان لـ((شينخوا)) إلى أنه "أطلق مبادرة تسديد كامل الأقساط المدرسية لطلاب البلدة، إلى جانب تأمين ما يلزم لدعمهم وتهيئة ظروف إنجاح عامهم الدراسي".
وحرصا منها على إنجاز العام الدراسي اختارت إدارة ثانوية عيتا الشعب وفق مديرها محمد دروبي، إعتماد طابق في أحد مباني بلدة البرج الشمالي في صور، حتى الإنتهاء من إعادة ترميم مدرسة البلدة التي لحقها الكثير من الأضرار، بحيث سجل حتى الآن 150 طالبا على أمل ارتفاع العدد لاحقا".
وأضاف "لقد تولت البلدية توفير 3 باصات مدرسية لنقل الطلاب من أماكن نزوحهم في البلدات المحاذية إلى المدرسة مع تأمين جانب من القرطاسية والألواح".
وقال إمام بلدة كفركلا عباس فضل الله لـ((شينخوا)) إنه وبسبب التدمير الشامل لمنازل البلدة وتعثر عودة الأهالي تقرر نقل المدرسة مؤقتا إلى مدينة النبطية حيث أكثرية عائلات البلدة نزحوا اليها وإلى القرى المحيطة بها".
أما إدارة ثانوية بلدة مروحين المدمرة فقد انتقلت، بعد موافقة من وزارة التربية، إلى مبنى ثانوية صور المختلطة لتشغل فيها 8 قاعات تدريس.
ولفت مديرها علي عون لـ((شينخوا)) إلى أن "حركة التسجيل حتى الآن ضعيفة فلم يسجل سوى 45 طالبا فقط ".
وفي بلدة كفرشوبا، أوضح رئيس البلدية الدكتور قاسم القادري لـ((شينخوا)) أن مجلس الجنوب أعاد ترميم المدرستين في البلدة مما سهل إنطلاق العام الدراسي صباح اليوم بشكل طبيعي حيث وصل عدد الطلاب إلى حوالي الـ 250 طالبا وطالبة".
من جهتها، مديرة مدرسة حولا عتاب قاسم قالت "جراء تعرض مدارس بلدتنا للتدمير توجهنا وبعد موافقة وزارة التربية إلى مركز الرعاية الاجتماعية في البلدة كبديل مؤقت للتدريس بحيث وصل عدد التلاميذ إلى 68 طالبا حتى الآن".
الطالب في الصف الثاني الثانوي أحمد منصور أعرب لـ((شينخوا)) عن شوقه للقاء رفاقه في المدرسة بعد طول غياب، وقال" الوضع المتوتر وغير المستقر في المنطقة الحدودية يجعل الطلاب قلِقًين طوال الوقت مع شعور بعدم التركيز لشرح المدرسين".
من جهتها، الطالبة سوزان نصر الله أشارت إلى أنها ترددت كثيرا قبل توجهها إلى المدرسة التي أحبتها ولكن صوت المسيرات والانفجارات يسرع في خفقان القلوب".
اما الطالب جمال يحيى في الصف الثاني إبتدائي قال "أحاول التركيز في دراستي، لكن من الصعب تجاهل أصوات القصف ودوي الغارات الإسرائيلية الشبه يومية فالخوف في المدرسة جزء من حياتنا اليومية".
من جهتهم، أهالي الطلاب وصفوا الوضع الدراسي في المنطقة الحدودية بالمقلق.
وفي السياق ذاته، قال لـ((شينخوا)) جميل سويدان أب لطفلين في مدرسة الخيام "نحاول طمأنة أطفالنا، لكن كل توتر على الحدود يعيد القلق إلى نفوسنا".
وأضاف "نحن سعداء بعودة أطفالنا إلى مدارسهم لكن الخوف يظل حاضرًا فهم حقا يحتاجون إلى الاطمئنان ليتمكنوا من التركيز في دراستهم".
من جهتها، فاتن حيدر والدة لطفلة في الصف الأول إبتدائي قالت لـ((شينخوا)) انني في حيرة بين إرسال ابنتي للمدرسة وبين إبقائها في المنزل، نريد أن يتعلم الأطفال، لكن الأمان أولوية فالقلق سيؤثر على تحصيلهم الدراسي.
من جانبها، سامية عيسى إخصائية نفسيّة اعتبرت أن العيش في مناطق حدودية غير مستقرة يضع الأطفال تحت ضغط نفسي دائم، والمطلوب في مثل هذه الظروف القاسية دعم نفسي يساعدهم على تجاوز الخوف.
وأضافت لـ((شينخوا)) يمكن للمدرسة أن تكون مساحة أمان من خلال تشجيع التعبير عن المشاعر وتعليم تقنيات الاسترخاء، وتنمية التعاون بين الطلاب".
وتابعت "أيضا تدريب المعلمين وتوعية الأهل يعززان القدرة على الاحتواء، لتتحول المدرسة من مكان للتعليم إلى فضاء يحمي الأطفال نفسيًا ويمنحهم الأمل".
ومنذ 27 نوفمبر 2024، يسري إتفاق لوقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل برعاية أمريكية وفرنسية، ما وضع حدا للمواجهات التي نشبت بينهما على خلفية الحرب في قطاع غزة.
ورغم الاتفاق، ينفذ الجيش الإسرائيلي من حين لآخر ضربات في لبنان يقول إنها لإزالة "تهديدات" حزب الله، وأبقى على وجود قواته في خمس نقاط رئيسة في المنطقة اللبنانية الحدودية مع انتهاء مهلة محددة لانسحابه الكامل في 18 فبراير الماضي.








