رأي ضيف: من طريق الحرير إلى الحزام والطريق: الثقافة والإعلام كجسر حضاري بين دول الجنوب العالمي
بقلم: وارف قميحة
يشهد العالم اليوم تحولات غير مسبوقة تعيد صياغة التوازنات الدولية وتفتح الباب أمام الجنوب العالمي ليأخذ مكانه الطبيعي في صياغة مستقبل الإنسانية. لم يعد الحوار الحضاري ترفًا فكريًا أو نشاطًا نخبويًا، بل أصبح ضرورة وجودية في زمن تتزايد فيه الانقسامات، وتسيطر فيه السرديات الأحادية على الفضاء الإعلامي، بينما يتراجع فيه صوت الشعوب لصالح قوالب جاهزة تُفرَض من مراكز الهيمنة العالمية.
في هذا السياق، تبرز الصين كقوة حضارية صاعدة، ليس فقط بفضل إنجازاتها الاقتصادية والتنموية، بل أيضًا من خلال رؤيتها العالمية التي تتمثل في مبادراتها الكبرى: مبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية ومفهوم مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية. هذه المبادرات لا تُعيد إحياء الإرث التاريخي لطريق الحرير فحسب، بل تمنح الجنوب العالمي منصة للتلاقي والتعاون في إطار عالم متعدد الأقطاب يقوم على العدالة والتعددية والشراكة لا على الاستفراد والإقصاء.
كان طريق الحرير عبر التاريخ أكثر من مجرد مسار تجاري؛ كان جسرًا حضاريًا حيًا يربط الصين بالعالم العربي، والهند بآسيا الوسطى، وشرق أفريقيا بالشرق الأقصى. عبر هذا الطريق انتقل الورق والبارود كما انتقلت الأديان والفنون والعلوم، فكان أساسًا لتلاقي حضاري صنع ذاكرة إنسانية مشتركة.
اليوم، تأتي مبادرة الحزام والطريق لتجدد هذا الإرث بروح معاصرة. فالممرات الاقتصادية التي تُبنى ليست غاية في ذاتها، بل هي أدوات لربط الشعوب ببعضها عبر التجارة والتعليم والثقافة والإعلام. إنها رؤية حضارية متكاملة تعكس قناعة الصين بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق فقط عبر الموانئ والجسور والسكك الحديدية، بل أيضًا عبر جسور الفهم وممرات الحوار وسكك الإعلام العابر للحدود.
رغم أن الجنوب العالمي يضم عددا هائلا من سكان الأرض، إلا أن صورته في الإعلام الغربي غالبًا ما تُختزل في مشاهد "الحروب والفقر والتطرف". أما قصص النجاح والمشاريع التنموية والإبداعات الثقافية فهي غالبًا ما تُهمّش أو تُشوّه. هذه الظاهرة ليست مجرد انحياز إعلامي، بل تعبير عن اختلال أعمق في ميزان القوى الدولي.
إن السيطرة على السردية تمثل شكلاً من أشكال القوة الناعمة. فمن يملك الكلمة يملك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي للعالم. من هنا، يصبح للإعلام دور جوهري في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. فإذا أردنا عالمًا قائمًا على التعددية والعدالة، فلا بد من فضاء إعلامي يعكس تنوع الأصوات، لا أن يحتكره طرف واحد.
مازالت هناك عدة تحديات أمام الجنوب العالمي تتمثل بشكل رئيسي في:
--- هيمنة السردية الغربية التي تُقدّم شعوب الجنوب في صورة ضحية أو تهديد.
--- ضعف الترجمة المتبادلة بين لغات الجنوب، مما يفرض الاعتماد على لغات الشمال كوسيط.
--- غياب التنسيق الإعلامي بين دول الجنوب وقلة المنصات المشتركة.
--- الصور النمطية المتبادلة حتى داخل الجنوب نفسه، بسبب ضعف المعرفة المباشرة.
لكن التحديات غالبًا ما تأتي مع الفرص المتاحة:
--- الثورة الرقمية التي جعلت أدوات الإعلام أكثر انتشارًا وأقل تكلفة.
--- تنامي وعي الشباب الجنوبي بأهمية رواية قصصه بنفسه.
--- تراكم تجارب ناجحة في السينما والمشاريع التعليمية المشتركة.
--- وجود إرادة سياسية لتعزيز التعاون الثقافي والإعلامي في إطار تعددية الأقطاب.
رغم تنوع لغاتنا وأدياننا وتقاليدنا في الجنوب العالمي، إلا أن هناك قواسم حضارية عميقة: احترام الأسرة، تقدير كبار السن، التعطش للعلم، الإيمان بالعدالة والتكافل، والذاكرة المشتركة في مقاومة الاستعمار والتهميش. هذه المشتركات لا تعني ذوبان الاختلاف، بل تحويله إلى مصدر قوة وغنى.
إن ما تحتاجه البشرية اليوم ليس أحادية ثقافية تفرض نموذجًا واحدًا، بل تعددية حضارية تجعل من التنوع البشري مصدر إلهام لبناء عالم أكثر توازنًا. وهنا يلتقي الجنوب العالمي مع الرؤية الصينية في ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب يضمن احترام كل الثقافات والسرديات على قدم المساواة.
إن المبادرة التي أطلقتها الصين حول الحوكمة العالمية تمثل إطارًا فكريًا يُعيد الاعتبار لمفهوم العدالة في العلاقات الدولية. فبدلًا من نظام أحادي يفرض إرادته على الآخرين، تدعو هذه المبادرة إلى نظام عالمي يقوم على التشاور والتعاون والمنفعة المتبادلة، وهي رؤية تنسجم مع تطلعات الجنوب العالمي الذي عانى طويلًا من التهميش.
وفي قلب هذه الرؤية يبرز مفهوم مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، الذي يقدّم تصورًا بديلاً لعالم لا يقوم على الصراع بل على التعاون، لا على الإقصاء بل على الشراكة. وهنا تصبح الثقافة والإعلام أدوات جوهرية في ترجمة هذا المفهوم إلى واقع ملموس.
إن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تضع أمامنا فرصة تاريخية: أن نتحدث نحن، شعوب الجنوب العالمي، عن أنفسنا بأصواتنا، وأن نعيد صياغة السردية الحضارية بعيدًا عن بوابات الهيمنة. لم يعد الإعلام مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح معركة سيادة وصناعة وعي. ولم تعد الثقافة مجرد زخرفة تكميلية، بل هي جسر للتفاهم ومنصة للحوار.
اليوم، ومع صعود الصين ورؤيتها القائمة على التعددية والتعاون، ومع نهضة الجنوب العالمي بثقافاته المتنوعة وتجارب شعوبه، يمكننا أن نؤسس لمرحلة جديدة في التاريخ: مرحلة بناء عالم متعدد الأقطاب أكثر عدلًا، حيث لا يفرض طرف واحد روايته على الآخرين، بل تتجاور الروايات وتتفاعل لتشكّل فسيفساء حضارية غنية.
إنها ليست مجرد دعوة أكاديمية أو سياسية، بل مسؤولية مشتركة تجاه الأجيال القادمة، حتى يعيشوا في عالم أكثر توازنًا، يليق بكرامة الشعوب وأحلامها.
ملحوظة المحرر، وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث في لبنان.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).








