مقالة خاصة: بعد عامين من الحرب… مسنون في غزة يتشبثون بذكريات حياة لم تعد ممكنة
غزة 7 أكتوبر 2025 (شينخوا) بوجه أنهكته التجاعيد وظهر منحني، يجلس المسن عمر عدوان أمام خيمته في مخيمٍ للنزوح بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يحدق في الفراغ وكأنه يستعيد حياة طواها الدمار.
يقول عدوان، البالغ من العمر 83 عاما، إنه عاش معظم حياته في ليبيا يعمل معلما، قبل أن يعود إلى غزة عام 1995 "ليقضي ما تبقى من عمره بين أبنائه وأحفاده"، لكنه اليوم يعيش غربة جديدة في وطنه.
وأضاف عدوان "اشتريت بيتا في حي النصر شمال غزة، كان جنتي الصغيرة، لكن الطائرات الإسرائيلية حولته إلى ركام"، مشيرا إلى أنه نزح خمس مرات منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
وأشار وهو يحتضن حفيدته الصغيرة "كنت أظن أن الشيخوخة راحة بعد تعب العمر، لكنها في غزة عقاب مضاعف".
بعد عامين على اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس، يعيش آلاف المسنين الفلسطينيين أوضاعا متدهورة داخل مخيمات النزوح، كثير منهم فقدوا بيوتهم وأفرادا من أسرهم، ويواجهون نقصا حادا في الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
ويقول عدوان إنه حاول العودة إلى منزله في فبراير الماضي بعد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن الغارات استؤنفت بعد أسابيع، واضطر للنزوح مجددا.
وتابع بحزن "رأيت الناس أنفسهم الذين عادوا معي يسيرون في الاتجاه المعاكس، لم أصدق أنني أهرب من بيتي مرتين في عام واحد".
الآن يعيش عدوان في خيمة مهترئة ويعاني من أمراض في القلب والمفاصل.
ويضيف "كل ما أريده أن أموت في وطني، لا في خيمة غريبة، أريد فقط أن أعيش يوما واحدا كما كنت قبل الحرب".
وفي خيمة أخرى بخان يونس، يجلس نبيل عطا الله (75 عاما) على كرسي بلاستيكي مكسور، يراقب قطعة أرض جرداء كانت حديقته المليئة بأشجار الليمون،
ويقول عطا الله "في مثل هذا العمر كان يفترض أن أعتني بأزهاري وألعب مع أحفادي، لكنني الآن أقف في طوابير المياه والخبز".
ويضيف بابتسامة خافتة سرعان ما تخبو "قبل الحرب، كنت أعيش في حي الرمال في بيتٍ من طابقين ... وأبدأ يومي بالقهوة على الشرفة أراقب أحفادي يتوجهون إلى مدارسهم، وحين اشتد القصف، نزحت سيرا على الأقدام مع زوجتي وابني المريض بالسكري".
وتابع وهو يشيح بوجهه "الطريق إلى خان يونس كان مليئا بالجثث والسيارات المحترقة، شعرت أنني أعيش آخر أيامي".
وفي المخيم الذي لجأ إليه فقد عطالله ما تبقى له من متاعه بعد غارة جديدة.
وقال "الآن أعيش في خيمة قبيحة وأحصل على وجبة كل يومين، هذه ليست حياة، هذا جحيم".
ورغم قسوة النزوح، لا يزال يحتفظ بصور عائلته في كيس بلاستيكي، يخرجها أحيانا ليمسح عنها الغبار.
ويضيف بصوت متهدج "أنظر إلى صور أبنائي وأتمنى فقط أن أشم رائحة الليمون مرة أخرى".
وفي مركز إيواء بدير البلح، تجلس جميلة زمو (68 عاما) على كرسي متحرك بعد أن أصيبت بشظية في ظهرها خلال قصفٍ في نوفمبر 2023.
وتروي جميلة زمو وقد سالت دموعها "كنت ألعب مع حفيدي التوأمين حين سقط الصاروخ على المنزل، لم أشعر إلا وأنا أصرخ أبحث عنهما بين الركام".
قتل الطفلان على الفور، فيما فقدت جميلة قدرتها على المشي، مشيرة إلى أنها "حين علمت بموتهما تمنيت لو مت معهما".
وتعيش جميلة اليوم مع ابنتها في غرفة صغيرة داخل مدرسة، تستخدم ماكينة خياطة قديمة لصنع ملابس للأطفال النازحين.
وتقول بصوت واهن "عندما أخيط ثوبا لطفلة صغيرة، أتخيل أنه لحفيدتي اللذين لن يعودا".
ثم تتابع "يا ليتنى فقدت كل أطرافي ولم أفقدهما، كانا يحملانني حين أتعب، والآن أستيقظ على صوتهما في ذاكرتي فقط".
وبينما تتشبث بالأمل، ترفع يديها بالدعاء "حين تنتهي الحرب، سأزور قبرهما وأخبرهما أن جدتهما ما زالت تنتظرهما".
وقُتل نحو 4800 من كبار السن منذ بدء الحرب، فيما يعاني الآلاف من أمراض مزمنة دون دواء أو علاج منتظم، بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ويقول عدوان إن أكثر ما يؤلمه هو فقدان الأمل ويضيف "كلما نزحنا قلنا هذه المرة الأخيرة، لكن الحرب تعيدنا دائما من حيث بدأنا".
أما عطا الله فيرى أن ما فقده كبار السن لا يمكن تعويضه، ويقول "فقدنا بيوتنا وأصدقاءنا وذكرياتنا، ما تبقى هو الانتظار، لكن لا نعرف على ماذا".
وتتمنى جميلة أن تدفن في بيتها ذات يوم، وتقول وهي تنظر إلى الأفق الرمادي "حتى لو لم أعد أمشي، يكفيني أن أرى غزة حرة من جديد".
ومع حلول الذكرى الثانية للحرب، يبقى كبار السن في غزة رمزا لصمود صامت في وجه الخسارة، يتشبثون بما تبقى من ذاكرتهم وبأمل خافت في أن تنتهي الدائرة التي ابتلعت أعمارهم.








