رسالة من الشرق الأوسط: عدن اليمنية... لم تعد ساحة حرب لكنها لا تزال مكبّلة بالإهمال

رسالة من الشرق الأوسط: عدن اليمنية... لم تعد ساحة حرب لكنها لا تزال مكبّلة بالإهمال

2025-10-27 06:39:30|xhnews

عدن 26 أكتوبر 2025 (شينخوا) في ليالي عدن الحارة، عندما ينقطع التيار الكهربائي، أخرج إلى الظلام. المدينة تحبس أنفاسها، لا يُسمع فيها سوى أزيز عدد قليل من المولّدات الخاصة العنيدة. فوقي، أعمدة الإنارة معلّقة بلا حياة، عيونها الزجاجية محطّمة. أتساءل إلى متى سنظل نعيش هكذا؟. عدن نجت من نيران الحرب، لكنها كُبِّلت بالإهمال - مدينة نجت من الرصاص لكنها تختنق ببطء تحت وطأة الانهيار.

ما زلت أذكر يوليو 2015، حين طردت عدن الحوثيين بدعم من تحالف عربي تقوده السعودية. انفجرت المدينة فرحًا. عادت العائلات إلى بيوتها، وعادت الأسواق إلى الحياة، وامتلأت الشوارع بضحكات الأطفال. للحظة عابرة، بدا أن السلام ممكن، وأن إعادة الإعمار قريبة المنال.

انتشرت الأحلام سريعًا في المدينة. تخيّل البعض أن عدن ستنهض من جديد كمركز إقليمي، وربما تصبح "دبي أخرى". لم يكن ذلك خيالًا بعيدًا؛ فميناء عدن كان يومًا من بين الأكثر ازدحامًا في العالم، بوابة حيوية كانت ترسو فيها السفن للتزوّد بالوقود والتجارة بين القارات. لكن السياسة والصراع أعادا رسم مصيرها.

تحدّث البعض أيضًا عن احتمال أن تصبح عدن العاصمة السياسية لليمن، طالما أن صنعاء لا تزال تحت سيطرة الحوثيين. غير أن العالم نظر إلى جهة أخرى. لم تستقر أي بعثة دبلوماسية أجنبية أو عربية هنا، بل فضّلت جميعها الإقامة في الرياض.

يهبط المسؤولون في عدن لساعات دبلوماسية مستعجلة، ثم يغادرون سريعًا. المدينة تُذكر في الخطب، لكنها تُترك وحيدة بذراعين مفتوحتين تنتظر الاعتراف الذي وُعِدت به. تحمل عدن لقب "العاصمة المؤقتة لليمن" كأنها تاج فارغ - مثقل بالوعود، خالٍ من المضمون.

وفيما كان العالم يشيح بوجهه، توقفت عدن في مكانها. بعد عشر سنوات، ما زال كثير من الركام في مكانه. المدينة تحمل جروحًا أعمق من الجدران المهدّمة. لم تبدأ عملية إعادة إعمار حقيقية. الشوارع التي كانت مضاءة بالمصابيح بقيت في ظلام. كثير من المباني العامة والسكنية ما زالت تحمل آثار الرصاص. الناس انتظروا التجديد، لكنهم ما زالوا يعيشون بين الأنقاض.

أما اليمن كله فقد تُرك ممزّقًا. الحوثيون ترسخوا في الشمال والغرب، بينما يتمسّك الجنوب بحكومة تعتمد على الدعم السعودي والإماراتي والغربي. بالنسبة لنا في عدن، هذا الانقسام ليس فكرة مجردة - بل جدار يفصلنا عن وطننا.

الآن، في عام 2025، تبدو عدن جزيرة معزولة. في الماضي، كنا نغادر إلى الشمال هربًا من الحرّ الخانق والانقطاعات الطويلة للكهرباء نحو المرتفعات الخضراء الباردة. اليوم، أصبح ذلك السفر ضربًا من الخيال.

فالطريق لم يعد مقطوعًا بالمسافة، بل بالحواجز التي أقامها المسلحون من مختلف الفصائل. يوقفون كل سيارة، يحملون بنادقهم باستهتار ويسألون عن بطاقات الهوية، يفحصون الأسماء والمناطق ليقرروا من يُسمح له بالعبور ومن يُعاد أدراجه. أحيانًا يحتجزون المسافرين. الخوف حلّ محل الحرية كقانون للسفر.

وكما يُمنع علينا الذهاب شمالًا، يخشى أصدقاؤنا القادمون من صنعاء أو المحافظات الشمالية عبور الجنوب. يقولون إنهم خائفون مثلنا، وإن جدران الشك تواجههم عند كل معبر.

لم تعد الحياة في عدن تُعرَّف بالمعارك، بل بالإرهاق. تنقطع الكهرباء بين 15 و20 ساعة في اليوم، فتقضي العائلات نهاراتها في الحر. الماء لا يصل إلى الصنابير إلا أيامًا معدودة في الأسبوع. تتكدس القمامة في الزوايا وتتعفن تحت الشمس. يسخر الناس بمرارة: الحرب انتهت في مدينتهم، لكن المعاناة غيّرت شكلها فقط.

يكفي أن تتجوّل في شوارع عدن لترى المعاناة. يقول الناس إن ما يقتلهم لم يعد الصواريخ ولا الرصاص، بل الظلام والعطش والجوع والخدمات المتهالكة. قال لي أحد السكان: "نُستهلك ببطء، كأن الحياة نفسها تعاقبنا لأننا بقينا أحياء."

الكلفة الإنسانية في كل مكان. ففي السوق، يشكو التجار من تراجع المبيعات وارتفاع الأسعار. قال لي بائع مواد غذائية: "الناس يأتون للنظر فقط، لا للشراء. بالكاد يستطيعون شراء الخبز والأرز."

وفي متجر آخر، سمعت حوارًا مؤلمًا: سأل البائع زبونه، "متى ستدفع دينك؟" فأجاب الرجل فورًا: "عندما تدفع الحكومة راتبي." في عدن، هذه ليست مزحة - فالأجور لا تُدفع لأشهر، وحتى عندما تُدفع، لا تكاد تكفي للطعام والدواء.

في صباح قريب، مررت بمدرسة قريبة من حينا. داخل صف خانق، جلس عشرات الأطفال على الأرض من دون مقاعد، يحملون كتبهم في أكياس بلاستيكية لأن عائلاتهم لا تستطيع شراء الحقائب المدرسية. المراوح متوقفة - لا كهرباء.

في المقدمة، المعلّم، وملابسه مبللة بالعرق، يواصل الكتابة على اللوح. قال لي إنه لم يتقاضَ راتبه منذ أشهر، لكنه يأتي كل يوم، لأن "إغلاق أبواب المدرسة يعني أن الشوارع ستأخذهم"، كما قال وهو ينظر إلى التلاميذ. "والشوارع اليوم تعني العصابات أو السلاح."

في حينا السكني، التقيت مؤخرًا ابن جاري البالغ من العمر 15 عامًا، وكان يدرس سابقًا مع أخي الصغير. الآن يرتدي بزّة عسكرية ويحمل بندقية. قال لي بصوت خافت: "لم يكن هناك جدوى من الدراسة. أبي مريض ومتقاعد بلا راتب. كان عليّ أن أساعد أسرتي. هم بحاجة إلى طعام ودواء، لا إلى شهادات."

في الليل، ألتقي أحيانًا برجل مسن في زقاقنا. يقول لي إنه في زمن حكم علي عبد الله صالح، كانت الرواتب تُدفع في موعدها، وكانت الأنوار تضاء عند الغروب. "الآن لدينا سلام بلا خدمات، أيّ سلام هذا؟".

كلماته تبقى ترنّ في ذهني. قد لا تسمع عدن اليوم هدير الطائرات أو دوي القذائف كما في صنعاء وسواها من المحافظات الشمالية، لكن الصمت الذي نعيشه - صمت غياب الخدمات والحكومة والأمل - هو نوع آخر من الحرب.

ومع ذلك، لا تزال عدن تتنفس. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم حفاة، العائلات تتقاسم ما تبقى من الماء، والجيران يعين بعضهم بعضًا في أوقات الانقطاع. في هذه الأفعال الصغيرة، ترفض المدينة أن تموت. 

الصور