مقالة خاصة: اقتصاد البقاء .. رمضان السودان تحت وطأة الحرب

مقالة خاصة: اقتصاد البقاء .. رمضان السودان تحت وطأة الحرب

2026-02-19 23:54:15|xhnews

الخرطوم 19 فبراير 2026 (شينخوا) لم يعد شهر رمضان في السودان كما عرفه الناس لسنوات طويلة، فالموائد التي كانت عامرة بأصناف الطعام والمشروبات التقليدية تقلّصت هذا العام إلى حدود الضرورة، في ظل حرب مستمرة وأزمة اقتصادية متفاقمة أعادت ترتيب أولويات الأسر، وحوّلت الشهر من موسم استهلاك إلى موسم تدبير وبحث عن الحد الأدنى من الاحتياجات.

واندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتتحول سريعاً إلى صراع واسع النطاق طال العاصمة الخرطوم وأجزاء من إقليمي دارفور وكردفان وولايات أخرى، وأدى القتال إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وتعطل مؤسسات الدولة، وتوقف آلاف الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية.

كما تسببت الحرب في نزوح ملايين المواطنين داخل البلاد ولجوء أعداد كبيرة إلى دول الجوار، الأمر الذي ألقى بظلال ثقيلة على سوق العمل والإنتاج الزراعي والصناعي، وتضررت شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، فيما واجهت المصارف صعوبات تشغيلية أثرت على حركة السيولة والتحويلات المالية.

وتراجعت الإيرادات العامة، وتقلصت الصادرات، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، في وقت فقدت فيه العملة المحلية جزءاً كبيراً من قيمتها، ما انعكس في موجات تضخمية متتالية طالت السلع الأساسية والخدمات.

وفي أحد أسواق مدينة أم درمان، شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، يقف أحمد عبدالباقي، وهو موظف فقد جزءًا من دخله بسبب توقف مؤسسته عن العمل، متأملاً قائمة مشتريات أقصر بكثير من الأعوام الماضية.

وقال عبدالباقي، لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن أسرته كانت تستعد لرمضان بشراء كميات تكفي الشهر كله، "أما الآن فنشتري يوماً بيوم، ونكتفي بالأساسيات".

وأضاف أن ارتفاع الأسعار وتذبذب سعر الصرف جعلا التخطيط للإنفاق أمراً معقداً.

وفي السياق ذاته، يقول الخبير الاقتصادي عبد الخالق محجوب لـ((شينخوا)) إن "رمضان يحل هذا العام في ظل بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة، حيث تآكلت الدخول وارتفعت تكاليف النقل والإنتاج، ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء".

ويشير إلى أن تركز الأنشطة الصناعية في ولايات تأثرت بالنزاع أدى إلى فجوات في المعروض من بعض السلع، خاصة السكر والدقيق والزيوت.

ويضيف أن "اقتصاد الحرب يفرض أولويات مختلفة، فالأسر لم تعد تفكر في التنوع بقدر ما تفكر في تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية".

ويلاحظ مراقبون تغيراً واضحاً في أنماط الاستهلاك الرمضاني، إذ تراجعت مظاهر الشراء المبكر والتخزين بكميات كبيرة، وحل محلها شراء محدود للكميات الضرورية، كما استُبدلت بعض المنتجات التقليدية ببدائل أقل تكلفة، فيما اختفت أصناف من قوائم كثير من الأسر.

وقال المحلل السياسي السوداني ورئيس تحرير موقع ((قلب أفريقيا)) لؤى عبدالرحمن "الموائد لم تكن كما كانت في السابق، الخضروات والفواكه وغيرها أصبحت معدومة".

وأضاف عبدالرحمن لـ((شينخوا)) "غالبية الأسر تعتمد فقط على مواد غذائية محدودة تقدم لها من قبل مراكز توزيع الطعام أو من قبل المنظمات التطوعية التي تقدم السلع الرمضانية".

وأبان أن النازحين الذين عادوا إلى مدنهم سواء في الخرطوم أو مدني أو سنار يحتاجون إلى دعم حكومي عاجل، قائلا "المواطن في ولاية الخرطوم مثلاً يحتاج إلى دعم واسع النطاق، وإعفاءات جمركية للمتاجر التي تدمرت، وكذلك إعفاءات أخرى مثل رسوم الدراسة، وخدمات المياه، وتخفيض تكلفة النقل والمواصلات".

على صعيد متصل، قالت سارة النعيم، وهي معلمة عادت أخيراً إلى الخرطوم بعد نزوح مؤقت، إن أسرتها قررت هذا العام "تقليل عدد الأطباق والتركيز على ما هو ضروري"، مضيفة أن كلفة المواصلات والكهرباء والمياه أصبحت تستنزف جزءاً كبيراً من الميزانية الشهرية.

ولا يقتصر التحول على تقليص الكميات فحسب، بل يمتد إلى سلوكيات جديدة، مثل الاعتماد على التحويلات المالية من أقارب في الخارج، أو اللجوء إلى الشراء بالدين في بعض الحالات، في ظل تأخر الرواتب أو فقدان الوظائف.

وفي سياق إجراءات التقشف وترشيد الإنفاق، أصدر والي ولاية الخرطوم محمد عثمان حمزة قراراً بمنع الإفطارات الجماعية التي تنظمها مؤسسات الدولة خلال شهر رمضان.

وقال بيان صادر عن إعلام ولاية الخرطوم اليوم "إن قرار منع الإفطارات الجماعية خلال رمضان بوحدات الولاية المختلفة يهدف إلى توجيه الأموال المتوفرة لدعم الأسر الضعيفة التي لا تستطيع توفير متطلبات شهر رمضان".

ويرى محللون أن القرار يعكس حجم الضغوط المالية التي تواجهها المؤسسات الحكومية، كما يعبر عن تحوّل في طبيعة الإنفاق العام خلال الشهر الكريم.

وقال الخبير الاقتصادي عبد الخالق محجوب لـ((شينخوا)) إن "الإفطارات الرسمية كانت تمثل تقليداً اجتماعياً ومؤسسياً، لكن الظرف الراهن يفرض إعادة النظر في مثل هذه الأنشطة لصالح دعم الفئات الأكثر احتياجاً".

وأشار محجوب إلى أن تعطل الإنتاج في مناطق زراعية وصناعية رئيسة، إلى جانب التحديات الأمنية في بعض الطرق، أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل ونقص بعض السلع في الأسواق.

وأضاف "الأسواق هذا العام تعاني كساداً واضحاً رغم حلول موسم كان يُعرف تقليدياً بازدهار الحركة التجارية"، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار قلّص القدرة الشرائية ودفع المستهلكين إلى التردد في الشراء.

كما أن أزمات الاتصالات والتحويلات المصرفية خلال فترات من النزاع أثرت على تدفق الأموال من المغتربين، الذين يشكل دعمهم مورداً مهماً لعدد كبير من الأسر، ما زاد من صعوبة تأمين متطلبات الشهر، وفقا لمحجوب.

ورغم الأعباء، يحرص كثير من السودانيين على الحفاظ على روح الشهر، ولو بإمكانات محدودة، فالمائدة قد تكون أقل تنوعاً، لكنها لا تخلو من الحرص على المشاركة والتكافل.

وبينما تستقبل الأسر رمضان بمزيج من الفرح الروحي والقلق المعيشي، يتفق اقتصاديون على أن استمرار الضغوط التضخمية وتراجع الإنتاج يمثلان تحدياً كبيراً لاستقرار الأسواق خلال الفترة المقبلة، ويشددون على أهمية استعادة النشاط الاقتصادي وتحسين بيئة الاستقرار لضمان عودة التوازن بين الدخل والأسعار.

ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، واجه الاقتصاد السوداني ضغوطاً كبيرة انعكست بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين ومستوى معيشتهم، وبينما كان سعر الدولار يُتداول قبل الحرب بحوالي 600 جنيه سوداني، ارتفع حالياً إلى نحو 3500 جنيه، ما يعكس تدهوراً حاداً في قيمة العملة المحلية وارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع والخدمات.

كما ساهمت الأزمة في زيادة معدلات البطالة، التي ارتفعت من 32.14% في العام 2022 إلى 47.2% في العام 2025، وفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدولي، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على دخل الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها خلال شهر رمضان. 

الصور