(وسائط متعددة) مقالة خاصة: متطوعون يسعون لإنقاذ مكتبة المسجد العمري في غزة بعد تدميرها خلال الحرب
غزة 9 مارس 2026 (شينخوا) فيما يتحرك عدد من المتطوعين بخطى خفيفة بين الركام وبقايا الكتب، يتسلل شعاع من ضوء الشمس عبر فجوة في سقف القاعة التي كانت تضم مكتبة المسجد العمري الكبير في البلدة القديمة بمدينة غزة، ليسقط على أكوام من الكتب المبعثرة والممزقة والمحترقة.
الغبار يعلو المكان، وتختلط بقايا الرفوف المكسورة مع صفحات كتب متفحمة، فيما بعض المخطوطات مدفونة جزئيا تحت الحطام، كأنها تستجدي من ينجو بها من الدمار الذي خلفته الحرب.
كانت هذه القاعة حتى وقت قريب مقصدا لطلاب العلم والباحثين عن الكتب التراثية والدينية والتاريخية، لكنها اليوم تبدو كمتنزه للركام، حيث كل زاوية تحمل أثر الانفجارات والقصف.
وسط هذا المشهد، دفع حجم الخسائر التي لحقت بمكتبة المسجد العمري مجموعة من الشباب والناشطين في مجال الحفاظ على التراث، إلى إطلاق مبادرة تطوعية لإنقاذ ما تبقى من الكتب والمخطوطات.
ويعمل المتطوعون بهدوء شديد، يحركون الركام بعناية ويستخرجون كل ما يمكن إنقاذه، في محاولة للحفاظ على جزء من ذاكرة غزة الثقافية التي تأثرت بالحرب الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023.
وجاءت المبادرة بإشراف مؤسسة "عيون على التراث" غير الربحية في غزة، المتخصصة في توثيق وحماية المواقع التاريخية والتراثية.
وتقول حنين العمصي، مديرة المؤسسة المشرفة على مبادرة إنقاذ المكتبة، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن حجم الدمار الذي طال المكان كان صادما عند زيارته للمرة الأولى بعد القصف ... شاهدنا آلاف الكتب ممزقة أو محترقة بالكامل، وبعض المخطوطات كانت مدفونة تحت الركام".
وتضيف "كان المشهد مؤلما لكل من يعرف القيمة الثقافية والتاريخية لهذا المكان".
ويقع المسجد العمري في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، ويعد أكبر وأقدم مسجد في القطاع، وثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى في القدس ومسجد أحمد باشا الجزار في مدينة عكا.
وتبلغ مساحة المسجد نحو 4100 مت مربع، بينما تصل مساحة ساحته إلى نحو 1190 مترا مربعا، ويتسع لقرابة ثلاثة آلاف مصل.
وتشير حنين العمصي إلى أن مكتبة المسجد كانت تضم قبل الحرب نحو 20 ألف كتاب ومخطوطة في مجالات متعددة تشمل الفقه والأدب والتاريخ والطب والقانون، مضيفة أن عمليات الحصر الأولية تشير إلى بقاء نحو أربعة آلاف كتاب فقط يمكن إنقاذها أو ترميمها.
وتقول إن "القصف أدى إلى احتراق الجزء الغربي من المكتبة بالكامل، وتضررت آلاف الكتب بشكل لا يمكن إصلاحه، وما تبقى يحتاج إلى جهود كبيرة لإنقاذه قبل أن يتلف مع مرور الوقت".
وعلى بعد أمتار منها، يعمل متطوعون يرتدون قفازات وأقنعة واقية على إزالة الأنقاض بحذر شديد، في محاولة للعثور على كتب أو مخطوطات ما زالت قابلة للإنقاذ، حيث يستخدم بعضهم أدوات بسيطة مثل الفرش اليدوية أو العصي الخشبية لرفع الغبار والركام دون إلحاق مزيد من الضرر بالكتب.
وخلال عملية البحث، عثر أحد المتطوعين على كتاب قديم كان نصفه مدفونا بين الحجارة وبقايا الخشب المحترق. وببطء شديد حاول سحبه من مكانه قبل أن يسلمه إلى فريق الفرز الذي يتولى تنظيف الكتب وتصنيفها.
الكتاب الذي احترق غلافه الخارجي بدا مكتوبا بخط يدوي قديم، بينما اخترقت بعض شظايا القذائف صفحاته، في حين احترقت أجزاء أخرى منه بالكامل.
وتقول حنين العمصي وهي تمسك الكتاب بعد إخراجه من بين الركام "كل كتاب نعثر عليه يمثل جزءا من تاريخ غزة. هذه ليست مجرد كتب، بل وثائق تعكس الحياة العلمية والثقافية التي عاشتها المدينة عبر قرون".
وأضافت أن مكتبة المسجد العمري كانت تضم عددا من المخطوطات الأصلية التي تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، من بينها مخطوطات تعود إلى العهد العثماني، موضحة أن بعضها يتناول موضوعات في الفقه واللغة العربية والطب.
وفي زاوية أخرى من القاعة المدمرة، كانت المتطوعة فاتن شكري تستخدم هاتفها المحمول كمصدر للإضاءة أثناء محاولتها إزالة الغبار عن مجموعة من الكتب المتناثرة على الأرض باستخدام فرشاة صغيرة.
وتقول فاتن شكري، وهي طالبة تدرس التاريخ المعاصر في إحدى الجامعات المحلية، لـ((شينخوا)) "انضممت إلى فريق المتطوعين بدافع الاهتمام بالتراث الثقافي والتاريخي للمدينة".
وتضيف "الكتب التي نجدها هنا ليست مجرد أوراق، بل تحمل معلومات عن تاريخ المدينة وحياة الناس فيها، لذلك نحاول التعامل معها بحذر شديد حتى لا نفقد ما تبقى منها".
وتشير إلى أن العديد من الكتب بقيت تحت الأنقاض لأكثر من عامين تقريبا، ما أدى إلى تدهور حالتها بسبب الرطوبة والغبار.
وتابعت "عندما نعثر على كتاب نشعر وكأننا استعدنا قطعة من ذاكرة غزة".
وفي جانب آخر من المكتبة، كان المتطوع محمد النجار، وهو شاب يبلغ من العمر 29 عاما ويعمل مدرسا للغة العربية، ينقل مجموعة من الكتب التي جرى انتشالها حديثا إلى صناديق كرتونية تمهيدا لنقلها إلى مكان آمن.
ويقول النجار إن مشاركته في المبادرة جاءت بعد أن شاهد صور الدمار الذي طال المسجد والمكتبة عبر وسائل الإعلام.
ويضيف لـ ((شينخوا)) "كبرت وأنا أزور هذا المسجد وأعرف قيمة المكتبة الموجودة فيه. عندما رأيت ما حدث شعرت أن من واجبي أن أشارك في إنقاذ ما يمكن إنقاذه".
ويعمل المتطوعون في ظروف صعبة بسبب نقص المعدات المتخصصة في ترميم الكتب والمخطوطات، حيث أن معظم العمل يتم باستخدام أدوات بسيطة.
ويقول النجار "نقوم أولا بإزالة الغبار والركام عن الكتب، ثم نحاول فصل الصفحات الملتصقة ببعضها، وبعد ذلك نضعها في صناديق مخصصة حتى يتم ترميمها لاحقًا إذا توفرت الإمكانيات".
ويضيف أن أكثر اللحظات تأثيرا بالنسبة له كانت عندما عثر الفريق على مخطوطة قديمة ما زالت صفحاتها سليمة نسبيا رغم بقائها تحت الركام "شعرنا جميعًا بسعادة كبيرة عندما وجدناها. مثل هذه الاكتشافات تعطينا دافعا للاستمرار في العمل رغم التعب".
وكان المسجد العمري قد تعرض لقصف إسرائيلي في الثامن من ديسمبر 2023 خلال الحرب على قطاع غزة، ما أدى إلى أضرار كبيرة في مبانيه التاريخية، بما في ذلك المكتبة.
ووفقا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد استهدفت العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو 208 مواقع أثرية وتاريخية في القطاع منذ بداية الحرب، فيما دُمر 34 مسجدًا بشكل كلي وتضرر نحو 100 مسجد بشكل جزئي.
ورغم حجم الدمار، يؤكد المتطوعون أن جهودهم تهدف إلى الحفاظ على ما تبقى من التراث الثقافي للمدينة.
وتقول حنين العمصي إن المبادرة تعتمد بشكل أساسي على الجهود التطوعية، معربة عن أملها في أن تتوفر مستقبلا إمكانيات أكبر لترميم الكتب والمخطوطات التي تم إنقاذها.
وأضافت "إنقاذ هذه الكتب هو محاولة للحفاظ على جزء من ذاكرة غزة الثقافية والتاريخية، حتى تبقى شاهدا على ما مرت به المدينة عبر العصور".■







