مقالة خاصة: الصين تؤكد التزامها بالتنمية السلمية وسط تزايد التقلبات العالمية

مقالة خاصة: الصين تؤكد التزامها بالتنمية السلمية وسط تزايد التقلبات العالمية

2026-03-11 15:11:30|xhnews

بكين 11 مارس 2026 (شينخوا) استقطبت "الدورتان السنويتان" في الصين اهتماما متزايدا من مختلف أنحاء العالم هذا العام، إذ لا يقتصر دور المشرعين على وضع جدول أعمال العام الجاري فحسب، بل سيصادقون أيضا على خطة قد ترسم مسار البلاد حتى نهاية العقد الحالي.

وتنعقد اجتماعات كل من أعلى هيئة تشريعية وأعلى هيئة استشارية سياسية في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متزايدة العمق. فمع احتدام المنافسات الجيوسياسية وتزايد التجاوز للقواعد الدولية الراسخة، إلى جانب تصاعد الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، يواجه النظام الدولي ضغوطا غير مسبوقة.

في هذا السياق، يتجاوز صدى الخيارات السياسية للصين حدودها الوطنية، بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وموطنا لنحو 1.4 مليار نسمة. لذلك يترقب العالم عن كثب الاتجاهات التي ستتضح خلال الدورتين السنويتين، حيث ينظر كثيرون إلى الصين بحثا عن مؤشرات للاستقرار في عالم تتزايد فيه حالة عدم اليقين.

وترسم مسودة الخطة الخمسية الـ15، التي تخضع حاليا للمراجعة التشريعية، ملامح تقدم الصين خلال السنوات الخمس المقبلة نحو تحقيق هدف التحديث الاشتراكي من حيث الأساس بحلول عام 2035، ويبرز من بين سمات هذا المسار تأكيده على مبدأ التنمية السلمية.

في مؤتمر صحفي حول السياسة الدبلوماسية الصينية عقد على هامش الدورة التشريعية، أعاد وزير الخارجية الصيني وانغ يي تأكيده أن الصين لن تسعى إلى الهيمنة مع تزايد قوتها، كما أنها لا تتفق مع المنطق الذي يقول إن العالم يمكن أن يدار بواسطة الدول الكبرى.

وخلال السنوات الخمس المقبلة، من المتوقع أن تعمل الصين مع دول الجوار لتعزيز التنمية المتكاملة والحفاظ على الاستقرار الشامل في علاقاتها مع الدول الكبرى، بحسب المسودة.

وطوال معظم تاريخها الممتد لآلاف السنين، احتلت الصين مكانة بارزة بين الدول الرائدة في العالم. وقد امتد تأثيرها من خلال التجارة والأفكار والتبادلات الثقافية، وليس من خلال الغزو أو الاستعمار.

فقد شهد طريق الحرير حركة القوافل عبر القارات، كما وصلت الرحلات البحرية للملاح تشنغ خه في القرن الـ15 إلى سواحل أفريقيا، حاملة معها الحرير والشاي والخزف، دون أن تقيم حصونا أو مستعمرات أو تطلق نيران المدافع.

ويعكس هذا النهج قدرا من ضبط النفس الذي كان اختيارا متعمدا، وجزءا من تقاليد الحكم في الفكر الصيني الكلاسيكي. فكتاب "فن الحرب" يضع تحقيق النصر دون قتال في قمة الحكمة الاستراتيجية، كما حذر مفكرو الصين القدماء من أن القوى التي تدمن الصراع تستنزف نفسها في النهاية.

وعزز التاريخ الحديث هذه الروح الوطنية عبر تجارب قاسية. فبعد حرب الأفيون عام 1840 تعرضت الصين لغزوات وضغوط وإذلال على أيدي قوى غربية. كما ترك الغزو الياباني، الذي بدأ في أوائل ثلاثينيات القرن الـ20 واستمر حتى الحرب العالمية الثانية، جروحا عميقة في الذاكرة الوطنية.

ورسخت هذه التجارب نفور الصينيين من الحرب، وعززت قناعة بأن التعافي وإحياء النهضة ينبغي أن يتحققا عبر الجهد الداخلي لا من خلال التوسع الخارجي.

وأكدت العقود التي تلت تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 صحة هذا المسار، فالصين لم تشن حربا ولم تستول على شبر واحد من أراضي الدول الأخرى، ومع ذلك نمت لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، محافظة على هذه المكانة لأكثر من عقد.

لا يعكس هذا الموقف الاستمرارية الثقافية للأمة الصينية فحسب، بل هو الفلسفة التأسيسية لحكم الحزب الشيوعي الصيني.

فالتنمية السلمية ليست مجرد عبارة دبلوماسية، بل مبدأ راسخ في البنية المؤسسية للدولة، إذ ينص عليه صراحة كل من الدستور الوطني ودستور الحزب الشيوعي الصيني.

وعندما طرحت الصين في عام 2013 مبادرة بناء مجتمع مستقبل مشترك للبشرية، كانت توجه رسالة واضحة مفادها أن التحديات الكبرى التي تواجه العالم ليست صراعا بين الشعوب، بل تتمثل في الحروب والفقر والجوع والظلم.

ولا يستطيع أي طرف مواجهة هذه التحديات بمفرده، كما أن السعي إلى المصالح الضيقة لن يفتح طريقا للأمل. لذلك، ينبغي للعالم أن يتكاتف لبناء مستقبل مشترك.

وعلى مستوى أعمق، تستند تطمينات الصين للعالم أيضا إلى طبيعة ارتباطها بالاقتصاد العالمي، إذ ترتبط البلاد بشبكات واسعة من التجارة والإنتاج.

وتضم الصين جميع الفئات الصناعية المدرجة في التصنيف الصناعي للأمم المتحدة. وبصفتها أكبر تاجر للسلع في العالم وأحد أكبر الأسواق الاستهلاكية، تقيم الصين علاقات تجارية واسعة مع أكثر من 160 دولة ومنطقة.

ويمثل هذا الترابط المتبادل أحد أكثر الضمانات فعالية التي توفرها الصين للأمن العالمي، حيث تساعد المصالح الاقتصادية المشتركة في تخفيف حدة المنافسة الجيوسياسية.

ومن المتوقع أن تدفع الخطة الخمسية الـ15 بهذا النموذج من المشاركة العالمية إلى المرحلة التالية، حيث يرجح أن تواصل الصين توسيع انفتاحها وتشجيع تجارة أكثر توازنا والعمل على تحسين التخطيط الخارجي لسلاسلها الصناعية وسلاسل الإمداد.

ورغم هذه الروابط الاقتصادية الواسعة، حافظت الصين على موقف عسكري دفاعي. ويظل إنفاقها الدفاعي متواضعا وفق مؤشرات رئيسية عدة، بما في ذلك نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب الفرد في الإنفاق الدفاعي، ونصيب الفرد في الإنفاق الدفاعي عن كل فرد من الأفراد العسكريين.

على سبيل المثال، ظل الإنفاق الدفاعي في الصين أقل من 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لسنوات عديدة. وعلى النقيض من هذا، قررت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) زيادة إنفاقها الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

أما في شرق آسيا، فقد بلغ نصيب الفرد من الإنفاق الدفاعي في اليابان خلال السنة المالية 2025 ثلاثة أضعاف نظيره في الصين.

وتتمسك الصين بسياسة عدم البدء في استخدام الأسلحة النووية. وهي ثاني أكبر ممول لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وأكبر مساهم بقوات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ورغم أن البلاد تطمح إلى السلام، فإنها تدرك أن الحفاظ على السلام يتطلب اليقظة.

وهناك عدد كبير من السبل للدفاع عن السلام ودعم الأمن وردع الحرب، ولكن القدرة العسكرية تظل الضامن الأخير. وفي هذا السياق تؤكد الصين تمسكها بالدفاع عن سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، وتشدد على أن هذه العزيمة لا ينبغي التقليل من شأنها. 

الصور