تقرير إخباري: رسائل ووسطاء.. ماذا يدور بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب؟
القاهرة 26 مارس 2026 (شينخوا) بعد قرابة أربعة أسابيع من التصعيد العسكري المحتدم في المنطقة، يجري الحديث عن مسار تفاوضي لتجنب توسع الحرب، بعد أن فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأوساط السياسية بإعلانه عن وجود محادثات وصفها بأنها "جيدة جدا" لإنهاء الصراع فيما شكل تحولا لافتا عن موقفه السابق.
وبينما يصر ترامب على أن إيران تتفاوض مع إدارته وترغب "بشدة" في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تنفي طهران من جهتها، وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة إلا أنها أكدت في الوقت نفسه تلقي "رسائل" عبر وسطاء.
وقدمت إدارة الرئيس ترامب مقترحا إلى إيران لوقف الحرب المستمرة منذ 28 فبراير الماضي، بحسب ما كشفت عنه تقارير إعلامية إسرائيلية وأمريكية الثلاثاء، ردت عليه طهران بانتظار جواب من الولايات المتحدة، وفق ما أفاد الإعلام الإيراني اليوم (الخميس).
-- ماذا يجري؟
ووسط تضارب في التصريحات الأمريكية الإيرانية بشأن المفاوضات، أكد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار اليوم أن "محادثات غير مباشرة" بين الولايات المتحدة وإيران تجري عبر رسائل تُنقل بواسطة إسلام آباد.
وقال الوزير في منشور على منصة ((إكس))، "في هذا السياق، شاركت الولايات المتحدة 15 نقطة يجري مناقشتها من قبل إيران"، موضحا أن "دولا شقيقة مثل تركيا ومصر، من بين آخرين، تقدم أيضا دعمها لهذه المبادرة".
ويسعى البيت الأبيض لترتيب اجتماع في باكستان نهاية هذا الأسبوع لمناقشة مخرج من الحرب، حسبما أفاد تقرير لشبكة ((سي إن إن)) الأربعاء نقلا عن مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى.
وبحسب التقرير، قد يسافر جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى باكستان لإجراء محادثات محتملة، وذلك وفقا للخطة الحالية.
وبرزت تركيا أيضا إلى جانب باكستان، كموقع محتمل للمحادثات.
وفي إيران، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن أي محادثات لم تجر حتى الآن مع الجانب الأمريكي، لكن الأخير يرسل خلال الأيام الأخيرة "رسائل" مختلفة عن طريق وسطاء.
وقال عراقجي "إذا وردت رسائل عن طريق الدول الصديقة ونرد عليها أو نعلن مواقفنا، فهذا ليس مفاوضات ولا حوار".
كذلك نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة مع مجلة ((إنديا توداي)) وجود أي محادثات أو مفاوضات بين طهران وواشنطن، مشيرا إلى أن "لا أحد يمكنه الوثوق بالدبلوماسية الأمريكية"، في ضوء التجربة الإيرانية مع الهجمات الأمريكية خلال المفاوضات النووية السابقة.
فيما قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي للقيادة العامة للقوات المسلحة الإيرانية إبراهيم ذو الفقاري إن الولايات المتحدة تجري مفاوضات مع نفسها بسبب صراعاتها الداخلية، داعيا إياها إلى الكف عن التستر على هزيمتها على أنها "اتفاق".
ووسط ترقب لمسار المواجهة العسكرية، ردّت إيران رسميا، وعبر وسطاء، على النقاط الـ15 التي اقترحتها الولايات المتحدة، مؤكدة تمسها بشروطها لإنهاء الحرب.
وفيما يعكس عمق التعقيد الذي يحيط بأي تسوية محتملة، أبدت طهران تشككها في نوايا واشنطن في التفاوض، متهمة إياها بمحاولة كسب الوقت للتحضير لـ"تدخل بري" جنوبي البلاد، وفق ما نقل الإعلام الإيراني عن مصدر وصفه بالمطلع.
-- "خداع ثالث"
وقال المصدر "لقد تم إرسال رد إيران على البنود الـ15 المقترحة من قبل أمريكا ليلة أمس رسميا عبر الوسطاء، وإيران الآن بانتظار الرد"، وفق ما أوردت وكالة ((تسنيم)).
وأكدت إيران في ردها "ضرورة إنهاء العدوان الإرهابي من قبل العدو، وتهيئة ظروف ملموسة تضمن عدم تكرار الحرب مرة أخرى".
كما شدد الرد على "ضرورة تحديد وتكفل بدفع التعويضات وغرامات الحرب بشكل واضح، وإنهاء الحرب في كافة الجبهات وبالنسبة لجميع فصائل المقاومة المشاركة في هذه المعركة على مستوى المنطقة بالكامل".
وضمن الرد على المقترح الأمريكي، أكدت إيران "حقها القانوني" في سيطرة على مضيق هرمز الممر المائي الحيوي لإمدادات النفط والغاز العالمية.
وأصبح المضيق بؤرة أحداث الحرب، إذ تطالب واشنطن بضرورة إبقائه مفتوحا أمام الملاحة الدولية، فيما تؤكد طهران أن المضيق سيبقى مفتوحا "للجميع باستثناء الأعداء".
وقال المصدر بهذا الخصوص إن "ممارسة إيران لسيادتها على مضيق هرمز هي حق طبيعي وقانوني كان ولا يزال مكفولاً لها"، معتبرا أن ذلك يمثل "الضمانة التنفيذية لالتزامات الطرف الآخر ويجب الاعتراف بها".
وأوضح أن شروط إيران هذه منفصلة عن المطالب التي قُدّمت للطرف الآخر خلال جولة مفاوضات جنيف التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في شهر فبراير الماضي.
في المقابل، حملت تصريحات المصدر تشكيكا في نوايا واشنطن، إذ قال إنه "بات من الواضح لإيران أن إدعاء أمريكا بشأن المفاوضات ليس سوى مشروع خداع ثالث"، متهما الأمريكيين بالسعي إلى "تحقيق عدة أهداف عبر غطاء المفاوضات".
وأضاف المصدر أن هذه الأهداف تشمل "أولا، خداع العالم عبر تقديم صورة سلمية زائفة تدعي الرغبة في إنهاء الحرب. وثانيا، إبقاء أسعار النفط منخفضة عالميا. وثالثا، كسب الوقت للتحضير لعمل عدواني جديد في جنوب إيران عبر التدخل البري".
وتابع "إذا كانت لدى إيران شكوك قبل حرب الـ 12 يوماً بشأن نتائج المفاوضات ومدى التزام أمريكا بالاتفاقات، فإنها منذ تلك الحرب فصاعداً باتت لديها شكوك كاملة حيال أصل رغبة أمريكا في التفاوض في أي مرحلة كانت".
وعبرت طهران عن انعدام الثقة في جدية واشنطن بعد تجربتين انتهتا بتصعيد عسكري، مشيرة إلى التجارب السابقة بحرب "الأيام الـ12" في يونيو الماضي، والحرب الجارية حاليا.
وقال المصدر "لقد بدأ الأمريكيون الحرب في كل من حرب الـ 12 يوما وحرب رمضان تزامناً مع سير المفاوضات، وهذه المرة أيضاً يسعى الأمريكيون، تحت غطاء أكذوبة التفاوض، للتمهيد لارتكاب جريمة جديدة".
وفي خضم مشهد الصراع المعقد، كرر الرئيس ترامب اليوم تهديداته لإيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
-- "قبل فوات الأوان"
وقال الرئيس ترامب في منشور على منصة ((تروث سوشيال)) إن على إيران "التصرف بجدية على نحو عاجل قبل فوات الأوان".
وأضاف ترامب أن إيران "تتوسّل" لإبرام صفقة مع الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، نفى ترامب التقارير التي تفيد بأنه حريص على إنهاء الحرب عبر الدبلوماسية، قائلا إن إيران هي التي بادرت باستئناف المحادثات، وإن الأمر متروك لإيران لإقناعه بوقف الضربات.
وكان ترامب توعد الأربعاء بـ"فتح أبواب الجحيم" إذا رفضت إيران التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بحسب ما أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت.
وقالت ليفيت في مؤتمر صحفي إن "الرئيس ترامب لا يهدد عبثا، وهو مستعد لفتح أبواب الجحيم".
وأضافت أن أي عنف مستقبلي سيكون بسبب "رفض إيران استيعاب حقيقة أنها هزمت بالفعل، ورفضت الدخول في اتفاق".
ورفضت المتحدثة الكشف عن الأطراف التي تجري واشنطن معها مفاوضات لإنهاء الحرب، مكتفية بالقول إنها "مناقشات دبلوماسية بالغة الحساسية".
والثلاثاء، كشفت القناة ((12)) الإسرائيلية نقلا عن ثلاثة مصادر وصفتها بـ"المطلعة" بأن مستشاري ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، يعملان، بموافقة الرئيس الأمريكي، على آلية تقضي بإعلان وقف لإطلاق النار لمدة شهر، يتم خلاله بحث اتفاق مؤلف من 15 بندا.
وتشمل هذه البنود، وفقا لما أوردته القناة، تفكيك القدرات النووية لإيران، وتعهدها بعدم السعي مطلقا إلى امتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب المواد النووية على الأراضي الإيرانية، وتسليم جميع المواد المخصبة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن جدول زمني قريب يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.
كما تشمل إخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وإتاحة وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى جميع المعلومات داخل إيران.
وتتضمن البنود المطروحة أيضا تخلي إيران عن نهج "دعم الوكلاء"، ووقف تمويل وتسليح الجماعات الحليفة لها في المنطقة، والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحا كممر بحري حر لا يسمح لأي طرف بإغلاقه، إلى جانب بحث مشروع الصواريخ الإيراني في مرحلة لاحقة مع فرض قيود على العدد والمدى، وحصر استخدامه في أغراض الدفاع عن النفس فقط.
وفي المقابل، تشمل البنود رفع جميع العقوبات، وتقديم مساعدة لإيران في تطوير مشروع نووي مدني في بوشهر لإنتاج الكهرباء وإزالة تهديد الـ"سناب باك".
من جهتها، ذكرت صحيفة ((نيويورك تايمز)) نقلا عن مسؤولين لم تكشف هويتهما، أن الولايات المتحدة أرسلت إلى إيران خطة السلام المكونة من 15 بندا عبر وساطة باكستانية.
وبحسب الصحيفة، فإن إدارة ترامب تسعى إلى "إيجاد مخرج من النزاع مع تعاملها مع تداعياته الاقتصادية".
وفيما أشارت الصحيفة إلى أن موقف إسرائيل لم يتضح من هذه الخطة أفادت القناة ((12)) الإسرائيلية بأن دوائر سياسية وأمنية في إسرائيل تبدي قلقا من توجه محتمل لدى ترامب وفريقه نحو السعي السريع إلى اتفاق إطار مع إيران.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاثنين إن بلاده ستستفيد من هجماتها على إيران لضمان أن يحمي أي اتفاق دبلوماسي محتمل "مصالحها الحيوية".
وجاءت تصريحات نتنياهو في بيان عبر الفيديو عقب اتصال هاتفي مع ترامب، أشار خلاله إلى أن الرئيس الأمريكي يرى فرصة للاستفادة من "الإنجازات الكبيرة" للهجوم المشترك على طهران، بهدف "ترجمة أهداف الحرب عبر اتفاق". وأضاف "سنصون مصالحنا الحيوية في أي ظرف".
غير أن نتنياهو شدد على استمرار الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله في لبنان بالتزامن مع هذه المساعي الدبلوماسية.
وتتواصل الضربات المتبادلة في اليوم الـ27 من الحرب، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني شن هجمات جديدة بواسطة الصواريخ الثقيلة متعددة الرؤوس والمسيرات الانقضاضية مستهدفة "مراكز سيطرة القيادة ورادارات الاتصالات وحظائر الطائرات المسيرة" للقوات الإسرائيلية في مناطق كريات شمونه وشمال وجنوب ووسط تل أبيب وحيفا، وقواعد للجيش الأمريكي في عدة دول خليجية.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد سلاح البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري ورئيس هيئة الاستخبارات في سلاح البحرية بهنام رضائي في ضربة جوية خلال الليلة الماضية على منطقة بندر عباس جنوب الجمهورية الإسلامية.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه "عمق ضرباته" ضد صناعات إنتاج الوسائل القتالية في إيران مستهدفا "أكثر من 1000" هدف من منشآت الإنتاج حتى الآن.
وبموازاة ذلك، تحدث الجيش الإسرائيلي عن "توسيع إضافي" للعملية البرية جنوب لبنان.
وقال قائد المنطقة الشمالية اللواء رافي ميلو خلال تقييم للوضع من داخل جنوبي لبنان "لقد وسّعنا العملية البرية خطوة إضافية بهدف توسيع نطاق منطقة التأمين المتقدمة"، بحسب بيان للجيش الإسرائيلي.
وأضاف ميلو "نعمل وفق خطة منظمة من أجل ضرب العدو ودفعه إلى الوراء وإبعاد التهديد، بما يضمن حماية أفضل لسكان الشمال".
وانخرط حزب الله بجانب إيران في الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، عندما أطلق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل فجر الثاني من مارس الجاري للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024.
وإثر ذلك، أطلقت إسرائيل "حملة عسكرية هجومية" ضد حزب الله تخللتها غارات عنيفة ومتتالية استهدفت بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى، فيما يواصل الحزب إطلاق صواريخ وقذائف باتجاه إسرائيل، ولا سيما نحو مناطق الشمال.
ومع بدء العملية، أعلنت إسرائيل عزمها إقامة ما تسميه "منطقة أمنية" في الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني فيما يقول حزب الله إنه يتصدى لتحركات القوات الإسرائيلية في المنطقة.







