(صوت الجنوب) وجهة نظر: ترامب ومأزق فوات الأوان

(صوت الجنوب) وجهة نظر: ترامب ومأزق فوات الأوان

2026-03-30 00:06:45|xhnews

بقلم : رفعت إبراهيم البدوي

دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة غير القانونية على إيران أسبوعها الرابع، من دون تحقيق أي من الأهداف الأمريكية المعلنة والتي وعد بتحقيقها ألرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

انطلقت الحرب الأمريكية في وقت شهدت فيه منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا انفراجاً سياسيا تبعه استقرار اقتصادي جراء تثبيت في أسعار النفط والغاز، خصوصا بعد إعلان الوسيط وزير خارجية سلطنة عُمان عن إحراز تقدم ملموس في نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية وقرب التوصل إلى إبرام اتفاق جيد بين الأطراف حول الملف النووي الإيراني .

لكن الرئيس دونالد ترامب مارس خديعته المعتادة على إيران ودول المنطقة وبذات الإسلوب الذي اتبعه في شهر يوينو 2025، حيث قام وبالاشتراك مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بشن ضربات جوية عنيفة على مفاعلات إيران النووية في نطنز فوردو عرفت بحرب الـ 12 يوما ، أسفرت عن اغتيال عدد كبير من الصف الأول في مراكز القيادة والعديد من علماء التكنولوجيا في إيران، لكن الفارق الكبير بين خديعة ترامب 2025 وخديعة ترامب 2026 هو اغتيال المرشد والقائد الإيراني والمرجع الأعلى للشيعة في المنطقة علي خامنئي، الأمر الذي دفع أنصار المرجع خامنئي في المنطقة في لبنان حزب الله والعراق الحشد الشعبي واليمن الحوثيون، للانخراط في الحرب ضد إسرائيل و أمريكا و إن بنسب متفاوته.

ففي لبنان أعلن حزب الله انخراطه في الحرب الدائرة انتقاما لاغتيال خامنئي وأيضاً بهدف تحرير المناطق التي تحتلها إسرائيل، ما أدى إلى تعطيل المشروع الإسرائيلي بإقامة منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات داخل أراضي جنوب لبنان، لكن مع دخول حزب الله اللبناني والذي يعتبر الذراع الإيرانية الأقوى في المنطقة، أشعل الجبهة العسكرية اللبنانية مع إسرائيل، نتج عنها تهجير أكثر من مليون ونصف المليون من سكان الجنوب أللبناني نحو الداخل إلى العاصمة بيروت ومناطق عده من لبنان.

من جهة أخرى فإن تجرؤ ترامب ونتنياهوعلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي أحدث انقلابا في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث لم تعد محصورة ضمن الحدود الإيرانية بل اتسعت دائرتها الجغرافية، وتحولت إلى حرب إقليمية أصابت دول الخليج الموالية لأمريكا والتي تحوي العديد من القواعد الأمريكية المشاركة في الحرب على إيران، بعد لجوء إيران إلى تنفيذ تهديدها بضرب كل القواعد العسكرية والاقتصادية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

كما أن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز والتجارة الأمريكية، كونه شريان حيوي يمر منه 30% من النفط والغاز العالمي وأيضا 15% من التجارة العالمية والإسرائيلية ، أحدث ارتفاعاً ملحوظاً في سعر برميل النفط وصولا إلى 115 دولارا، الأمر الذي أحدث اضطراباً في الأسواق العالمية من جهة، كما أحدث أزمة سياسيه واقتصادية بين أمريكا وحلفائها التقليديين في أوروبا من جهة أخرى ، حيث اعتبر الأوروبيون أن ترامب قام بالحرب على إيران بقرار منفرد و دون أي استشارة مع حلف الناتو، ما خلق شرخا وتباعدا بين الطرفين، وهذا ما يفسر رفض دول أوروبا المشاركة في تلبية طلب ترامب الانخراط في حرب فتح مضيق هرمز بالقوة، خصوصا أن دول أوروبا تعتبر الحرب الأمريكية على إيران غير قانونية وغير مبررة.

من يعتقد أن سبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران هو منعها من امتلاك سلاح نووي، أو منعها من حيازة صواريخ بعيدة المدى، فهو واهم وغير قادر على التقييم أو التمييز بين الأهداف الجيوسياسية الأمريكية وبين النوايا الإسرائيلية من الحرب.

مما لا شك فيه هناك وجود اختلاف يين أهداف أمريكا ونوايا إسرائيل من الحرب على إيران، حيث أن الهدف والهم الرئيسي لدونالد ترامب هو السيطرة على مسارب ومنابع النفط والغاز في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج وغرب آسيا، كونها تشكل الخزان المملوء بثروات النفط والغاز الطبيعي، فيما إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو يسعى إلى تحقيق حلمه بإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل، والسيطرة الأمنية والسياسية وبلعب دور الشرطي على دول المنطقة و بتكليف أمريكي.

صحيح أن الخسائر البشرية في إيران البالغة نحو 1000 قتيل بينهم 170 من أطفال تلاميذ مدرسة إبتدائية، لا تقارن مع خسائر أمريكا وإسرائيل، بيد أن نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تتحقق، رغم إعلان ترامب الانتصار وقرب سقوط النظام الإيراني وسحق القدرات الإيرانية وتدمير البنى التحتية و مفاعلات إيران النووية في خورمشهر وأصفهان، في مقابل ذلك يرى العالم استمرار تساقط الصواريخ الأيرانية البعيدة يوميا وبوتيرة عالية على القواعد الأمريكية المتواجدة في دول المنطقة، وأيضا يشهد العالم على موجات متتالية من الصواريخ الإيرانية المزودة بالوقود الصلب تتجه نحو الأهداف العسكرية والأمنية والتكنولوجية الاستراتيجية في إسرائيل محدثة زلزالاً سياسياً وأمنياً في الداخل الإسرائيلي.

في أوروبا حلفاء واشنطن التقليديين رفضوا كل طلبات دونالد ترامب المشاركة في حرب ليس لهم فيها قرار أو مصلحة وغير متأكدين من مآلاتها ونتائجها، حتى أن كل من رئيس وزراء بريطانيا والمستشار الألماني والرئيس الفرنسي ورئيسة وزراء إيطاليا وجهوا إلى ترامب انتقادات لاذعة، حيث اعتبروا أن الحرب الأمريكية على إيران غير أخلاقية ومنافية للقوانين الدولية.

لم تتحقق أهداف ترامب بإسقاط النظام في إيران على غرار ما حصل في فنزويلا، ولم يحقق سيطرته على منابع ومسارب النفط والغاز بالمنطقة، ولن يتمكن من تسليم إسرائيل مهمة الشرطي الأمني، فحساب المعتدي لم يأت مطابقاً لواقع الميدان، فإيران لم تسقط وبقي النظام متماسكا ولم تنجح محاولات الانقلاب الداخلي، وبقيت الصواريخ الإيرانية تنهمر على قواعد أمريكية تعمل و بكفاءة عاليه، كما أن إيران تمكنت من إحكام قبضتها على مضيق هرمز، أما إسرائيل ورغم الغارات المتتالية على إيران ولبنان، فإن جبهتها الداخلية تعاني جراء سقوط الصواريخ الإيرانية وأيضاً جراء تكبد جيشها الخسائر نتيجة هجمات المقاومة على جبهة الجنوب اللبناني.

نستطيع القول أن الحرب الأمريكية على إيران أخلت بميزان الثقة في التعامل بين الدول، وأحدثت تغييرات في التحالفات الدولية، كما أنها سببت في نشوب تشققات إقليمية من شأنها حدوث تغيير جذزي في قواعد النظام العالمي والإقليمي الحالي، والذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وذلك على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ملحوظة المحرر: رفعت إبراهيم البدوي باحث وأكاديمي في الشؤون الإقليمية مستشاررئيس الوزراء السابق سليم الحص.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا))

الصور