رسالة من الشرق الأوسط: الحياة في دبي تحت ظل الحرب
بقلم مراسلة وكالة أنباء ((شينخوا)) شيا شياو
دبي 31 مارس 2026 (شينخوا) لقد مضى أكثر من شهر منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. هنا في دبي، رغم البعد عن مركز القتال، لا زلت أشعر بثقل الحرب.
لا زلت أذكر صباح يوم 28 فبراير. انتشرت الأخبار بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا ضربات على إيران. وبحلول الظهيرة، ظهرت تقارير تفيد بأن صواريخ وطائرات مسيرة تتجه نحو منطقة الخليج، حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية.
وبينما كنت أتابع التطورات، بدأ شعور خفي بالقلق يتسلل إلي. التغطية الصحفية لهذا الصراع هو جزء من واجبي كصحفية، لكن في تلك اللحظة، لم أكن وحدي. كانت عائلتي معي، وحينا ليس بعيدا عن قاعدة عسكرية أمريكية.
ثم سمعته: دوي مفاجئ -- انفجار يشق السماء. في تلك اللحظة، اجتاحني الارتباك والخوف والقلق دفعة واحدة. اقشعر بدني. وللمرة الأولى في حياتي، شعرت بأن الحرب قريبة إلى هذا الحد.
ولم أكن الوحيدة التي أُخذت على حين غرة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة -- وهي دولة لم تشهد حربا منذ عقود من الزمن -- كانت القنابل والصواريخ والمعارك مفاهيم تتجاوز خيال معظم الناس.
ومع مرور النهار، كانت أصوات اعتراض الصواريخ تتردد على فترات. وذكرت التقارير الإخبارية أن شظايا من صواريخ وطائرات مسيرة تم اعتراضها قد سقطت بالقرب من نخلة الجميرة، مما تسبب في اندلاع حرائق بالقرب من معالم معروفة.
ومنذ ذلك الحين، احتدمت الحرب بوتيرة متصاعدة. والحي الذي أعيش اهتز مرارا بفعل ارتطام الصواريخ التي يتم اعتراضها. وقد أودت شظايا تلك الاعتراضات بالفعل بحياة عدة أشخاص وأصابت كثيرين.
وظل طفلي يسألني عما إذا كان فندق برج العرب الشهير أو المتاحف في أبوظبي قد تعرضت لأي هجوم -- وهي أماكن كنا نزورها كثيرا. هذه الأسئلة جعلتني أدرك أنه رغم أن الهجمات تستهدف أساسا القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة، فإن للحرب تأثيرا أعمق بكثير من الخسائر المرئية: إنها تهز شعور الناس بالأمان وتترك أثرا في نفوسهم.
ومع تفاقم الوضع، قررت إرسال طفلي ووالدتي إلى الصين. في المطار، تعطلت الرحلات لساعات بسبب هجمات الطائرات المسيرة التي أربكت سير العمليات. لكنهما تمكنا في النهاية من العودة إلى الوطن.
أعلم أنني محظوظة، لأن بإمكاني اختيار إرسال عائلتي إلى مكان آمن في خضم الخطر. ولكن بالنسبة لأكثر من 10 ملايين شخص في الإمارات، ولعدد لا يحصى من الآخرين في أنحاء الشرق الأوسط المتأثرين بهذه الحرب، لا خيار أمامهم سوى تحملها -- لأن هذا هو وطنهم.
وبفضل التحرك السريع من قبل حكومة الإمارات، لا يزال النظام الاجتماعي العام مستقرا إلى حد كبير. فالمراكز التجارية والمتاجر الكبيرة ما تزال ممتلئة بالبضائع، والأسعار تظل مستقرة نسبيا. ارتفعت تكاليف الوقود، لكن ليس بشكل حاد.
ويحاول الناس التأقلم قدر الإمكان. ويواصل الأطفال دراستهم عبر الإنترنت. وما تزال العائلات تتجمع. والمدن ما تزال نابضة بالحياة.
ومع ذلك، وتحت هذا الهدوء الظاهري، يخيم ظل الحرب بقوة. ويجري تقنين المياه المعبأة بهدوء. وتحدث صديق عن استكمال التطعيمات والأوراق الخاصة بكلبه، تحسبا لاحتمال الإجلاء. وذكر آخر أن عمال النظافة في المبنى يشعرون بالقلق من فقدان وظائفهم إذا ساء الوضع.
وتبذل الحكومة قصارى جهدها للحفاظ على إحساس بالحياة الطبيعية، ولكن في دولة خليجية تعتمد بشدة على السياحة ومضيق هرمز، من الصعب تجاهل تأثير الحرب.
وتم تقليص الرحلات الجوية. كما جعلت الاضطرابات في المجال الجوي السفر أكثر صعوبة. وأخبرني صديق يعمل في قطاع السياحة أنه حتى لو هدأ القتال، فإن التعافي سيستغرق وقتا، إذ أن استعادة ثقة السياح قد تستغرق شهورا، إن لم تكن سنوات.
ومع قيام إيران فعليا بإغلاق مضيق هرمز، تلقت تجارة النفط الإماراتية - وهي أحد الأعمدة الاقتصادية الرئيسية للبلاد - ضربة قوية أيضا.
وإدراكا لهذه المخاطر، دعت الإمارات مرارا إلى ضبط النفس والحوار، مؤكدة على خفض التصعيد والاستقرار الإقليمي. لكن مع تجاوز الحرب شهرها الأول، كثفت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وأعلنت إسرائيل خططا لتوسيع ضرباتها. ولا تبدو أي مؤشرات على انحسار الصراع في أي وقت قريب.
من المرجح أن تقضي هذه البلاد، وسكانها، وأنا معهم وقتا أطول تحت ظل الحرب، مع إعادة التفكير في الروابط بين السلام والأمن، وبين الحياة الشخصية والجغرافيا السياسية، وبين المنطقة والدولة.
بعد أن أوصلت طفلي ووالدتي إلى المطار، استقللت سيارة أجرة عائدة إلى مكتبي. ومع استمرار أصداء اعتراض الصواريخ في السماء بين الحين والآخر، كان السائق يبدو متوترا وجادا.
وانطلقت السيارة مسرعة خلال الليل، والإطارات تصدر صوت صرير فوق الأسفلت. وبدا كل ضوء إشارة وكأنه يستغرق وقتا لا نهاية له. وتساءل بصوت مرتجف "من كان ليتخيل أن يحدث هذا في الإمارات؟".
ثم تنهد قائلا "كل شيء قد تغير".







