تقرير إخباري: خطر صامت تحت الركام.. الألغام ومخلفات الحرب تهدد حياة الملايين في السودان

تقرير إخباري: خطر صامت تحت الركام.. الألغام ومخلفات الحرب تهدد حياة الملايين في السودان

2026-04-05 00:34:00|xhnews

الخرطوم 4 أبريل 2026 (شينخوا) أعاد انفجار محدود وقع في وقت متأخر من مساء أمس في منطقة بري شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، تسليط الضوء على الخطر المتنامي الذي تمثله مخلفات الحرب والأجسام غير المنفجرة، وذلك بالتزامن مع اليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في مجال مكافحتها.

وبحسب بيان صادر عن رئاسة قوات الشرطة السودانية اليوم (السبت)، فإن الانفجار نجم عن اشتعال حريق في نفايات قام بإشعاله بعض المواطنين، ما أدى إلى تفجير لغم أرضي من مخلفات الحرب، دون أن يسفر الحادث عن خسائر بشرية أو مادية.

وأوضحت الشرطة أن قواتها تحركت فورا إلى موقع الحادث، حيث طوقت المنطقة واحتوت الحريق وأمنت الموقع، مطمئنةً المواطنين بأن دوي الانفجار الذي سُمع في محيط المنطقة كان نتيجة لهذا الحادث العرضي، وداعيةً إلى الإبلاغ الفوري عن أي أجسام مشبوهة أو مخلفات حربية حفاظاً على الأرواح والممتلكات.

ويأتي هذا الحادث في ظل مرحلة تعاف هش تشهدها العاصمة، بعد أن أعلنت الحكومة السودانية في يناير 2026 استئناف عمل مؤسساتها من الخرطوم، عقب فترة من نقلها إلى بورتسودان، وذلك إثر إعلان الجيش في مايو 2025 استعادة السيطرة على الولاية بعد أكثر من عامين من القتال.

وتقع منطقة (بري) في نطاق جغرافي قريب من عدد من المواقع الاستراتيجية، من بينها مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ومطار الخرطوم الدولي، ما يضفي حساسية خاصة على أي حوادث أمنية تقع في محيطها.

ورغم التحسن النسبي في الأوضاع، لا تزال الخرطوم تعاني من انتشار واسع لمخلفات الحرب، نتيجة النزاع الذي اندلع في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وخلف خسائر بشرية كبيرة وأزمة نزوح واسعة.

وفي هذا السياق، قال مدير المركز القومي لمكافحة الألغام بالسودان، خالد حمدان، في تصريح لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن "العاصمة تشهد تلوثا واسعا بمخلفات الحرب، ورغم التقدم الذي أحرزته الفرق الميدانية، لا زال حجم التحدي كبيرا".

وأضاف أن الفرق، البالغ عددها 15 فريقا، تمكنت خلال مراحل متتالية من العمل من تدمير 30 ألف قذيفة في المرحلة الأولى، و50 ألفا في الثانية، و70 ألفا في الثالثة، مشيرا إلى استمرار الجهود بوتيرة متصاعدة.

وأوضح أن الانفجار الأخير في منطقة بري يُرجح أنه ناجم عن صاروخ من عيار 130 ملم، انفجر نتيجة إشعال النيران، محدثا حفرة كبيرة ودويّاً سُمع في مناطق واسعة، مجددا تحذيراته من حرق النفايات لاحتمال احتوائها على أجسام غير منفجرة.

وأشار إلى أن ولاية الخرطوم تُعد من أكثر المناطق تلوثا بالألغام، حيث تواصل فرق "سلاح المهندسين" عمليات الإزالة في عدة مواقع، من بينها محيط مصفاة الجيلي ومنطقة صالحة جنوب أم درمان، إلى جانب ولايات أخرى.

وفي موازاة ذلك، تتزايد أهمية تسريع جهود إزالة المخلفات الخطرة مع عودة السكان تدريجيا، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة بعودة نحو 3.6 مليون شخص إلى مناطقهم، ما ساهم في خفض عدد النازحين إلى نحو 9.1 مليون، مقارنة بذروته التي تجاوزت 11.5 مليون مطلع عام 2025.

-- تحذيرات أممية متزايدة

وتشير تقديرات دولية إلى وجود نحو 38 مليون طن من مخلفات الحرب في العاصمة الخرطوم، التي تمتد على مساحة تقارب 22 ألف كيلومتر مربع، فيما تفيد بيانات المرصد الدولي للصراعات والبيئة بأن كل 57 كيلومترا مربعا تحتوي في المتوسط على نحو 100 ألف طن من الحطام.

وفي هذا الإطار، حذرت الأمم المتحدة من أن قرابة 14 مليون شخص في السودان يواجهون مخاطر المتفجرات، بمن فيهم المدنيون والعاملون في المجال الإنساني، مع اعتبار الأطفال الفئة الأكثر عرضة للخطر.

وأكدت المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، في بيان اليوم بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بالألغام، أن "مكافحة الألغام لا تقتصر على إزالة التهديدات، بل تمثل ركيزة أساسية لحماية الأرواح ودعم التعافي وإرساء السلام".

وأضافت أن انتشار الذخائر غير المنفجرة في المنازل والطرق والبنية التحتية يعيق وصول المساعدات الإنسانية ويضاعف المخاطر اليومية.

ووفقا لتقارير أممية، فإن طبيعة الحرب داخل المدن جعلت التلوث بالمتفجرات "مقلقاً للغاية"، خاصة في الخرطوم، حيث تختلط هذه الذخائر بالأنقاض داخل الأحياء السكنية والمرافق الحيوية.

كما تم رصد عدة حقول ألغام داخل العاصمة، في مؤشر على تعقيد التهديدات، لا سيما مع عودة السكان دون وعي كاف بالمخاطر.

ولا يقتصر هذا الوضع على الخرطوم، إذ تمتد المخاطر إلى إقليمي دارفور وكردفان، ما يعيق عودة السكان ويؤخر استعادة الخدمات الأساسية وجهود إعادة الإعمار.

-- خبير: الخطر سيستمر لسنوات

وفي إفادة خاصة لـ((شينخوا))، قال الخبير في شؤون الألغام والمتفجرات اللواء المتقاعد محمد عبد الرحمن، إن "إزالة مخلفات الحرب في السودان تتطلب جهداً طويل الأمد، نظراً لتعقد البيئة الحضرية وانتشار الذخائر بشكل عشوائي".

وأوضح أن "العديد من الأجسام غير المنفجرة قد تبقى كامنة لسنوات قبل أن تنفجر عند أدنى مؤثر، كما حدث في حادثة بري"، مشددا على أن رفع الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول.

وأشار إلى أن نقص التمويل والمعدات لا زال يمثل تحديا رئيسيا، مؤكدا أن الاستجابة الحالية، رغم أهميتها، لا زالت دون مستوى حجم المشكلة.

وفي ظل هذه التحديات، تؤكد الأمم المتحدة أن برامج إزالة الألغام في السودان تأثرت بشكل كبير جراء النزاع، بما في ذلك فقدان معدات حيوية وتراجع التمويل، ما أدى إلى إبطاء وتيرة الاستجابة، رغم تحسنها نسبياً في الآونة الأخيرة.

وتشمل الجهود الحالية التوعية بالمخاطر، وعمليات المسح والتطهير، ودعم الضحايا، مع تركيز خاص على الخرطوم، في وقت لا تزال فيه مناطق أخرى، خاصة في دارفور، تعاني من نقص التغطية.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن خطر الألغام ومخلفات الحرب يظل أحد أبرز التحديات التي تعيق عودة الحياة الطبيعية في السودان، حيث يبقى تحقيق الاستقرار مرهونا بإزالة هذه التهديدات الصامتة التي تختبئ تحت الركام.

ويخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ منتصف أبريل 2023، حرباً أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت في نزوح ملايين الأشخاص داخل السودان وخارجه.

الصور