مقالة خاصة: أزمة وقود حادة في الخرطوم تفاقم المعاناة المعيشية وتضغط على الاقتصاد

مقالة خاصة: أزمة وقود حادة في الخرطوم تفاقم المعاناة المعيشية وتضغط على الاقتصاد

2026-04-07 03:19:45|xhnews

الخرطوم 6 أبريل 2026 (شينخوا) تتصاعد أزمة الوقود في العاصمة السودانية الخرطوم بشكل لافت يوماً بعد آخر، حيث شهدت الشوارع اصطفاف مئات السيارات في طوابير طويلة أمام عدد محدود من محطات الخدمة العاملة، في مشهد يجسد عمق الأزمة الميدانية.

وتحولت الشوارع المحيطة بالمحطات إلى ساحات لصفوف متشابكة من المركبات، يضطر معها السائقون لإطفاء محركاتهم وانتظار ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، وسط حالة من الإرهاق الشديد التي بدت واضحة على الكثير منهم.

ويقضي المواطنون يوماً كاملاً في الانتظار أملاً في الحصول على حصصهم من البنزين أو الديزل، وهي رحلة محفوفة بالمعاناة الشاقة، خاصة في ظل النقص الحاد في الإمدادات وتزايد الطلب، ما يجعل الحصول على الوقود أمراً غير مضمون رغم طول الانتظار.

وقال رضوان أحمد الناير، وهو صاحب سيارة أجرة، كان يصطف أمام محطة بنزين لمدة يوم كامل في انتظار دوره لملء سيارته "أنتظر في هذا المكان ليوم كامل، دون ضمان الحصول على الوقود".

وأضاف الناير، في تصريح خاص لوكالة أنباء ((شينخوا))، "التعب لم يعد جسديا فقط، بل نفسيا أيضا، أعمالنا توقفت تقريبا، وكل يوم يمر نخسر فيه أكثر".

ومن جانبه، يقول صالح عوض، وهو أحد أصحاب السيارات المنتظرين في طابور طويل أمام إحدى محطات الوقود في الخرطوم "نأتي منذ ساعات الصباح الأولى، ومع ذلك يتقدم الطابور ببطء شديد، أحيانا نقضي يوما كاملا في الانتظار، وقد لا نحصل على الوقود في النهاية، الطوابير أصبحت أطول من أي وقت مضى بسبب النقص الحاد".

وأضاف بنبرة ملؤها الاستياء "حتى عندما يتوفر الوقود، نجد أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير بعد قرار الحكومة، لم نعد قادرين على تحمل هذه التكاليف، خاصة مع تراجع الدخل، ندفع أكثر ونحصل على أقل".

وتابع قائلا "الأزمة تجاوزت مجرد نقص الوقود، وأصبحت عبئا يوميا يرهقنا نفسيا وماديا، ويؤثر على حياتنا بأكملها".

-- قفزات سعرية وضغط معيشي

وتفاقمت الأزمة في غالب مدن السودان مع ارتفاع أسعار الوقود بشكل لافت، حيث بلغ سعر جالون البنزين في السوق السوداء نحو 30 ألف جنيه سوداني (حوالي 8.69 دولار)، مقارنة بـ18 ألف جنيه قبل أقل من أسبوع، ويبلغ سعر الدولار مقابل الجنيه 3450 جنيها وفقا للسعر الرسمي الذي يحدده بنك السودان المركزي، بينما يبلغ في السوق الموازي نحو 4 آلاف جنيه.

كما بلغ سعر أسطوانة غاز الطهي نحو 78 ألف جنيه (حوالي 22.60 دولار)، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، خاصة الخبز، حيث يُباع بواقع 4 قطع بألف جنيه بدلا من 6.

وقالت المواطنة آسيا موسى "حتى الخبز أصبح عبئا يوميا، كل شيء يرتفع سعره بسبب الوقود".

وأضافت آسيا، وهي أم لثلاثة أطفال، أن ارتفاع أسعار الوقود انعكس بسرعة على احتياجات الأسرة اليومية، وقالت "الرحلات إلى السوق أصبحت مكلفة، وشراء المواد الغذائية الأساسية تحول إلى عبء كبير، حتى التوفير أصبح صعبا، وكل يوم نضطر لإعادة حساب مصروفاتنا".

وتابعت قائلة "الأمر لا يقتصر على الغذاء فقط، فكل شيء من المواصلات إلى الخدمات اليومية ارتفع سعره، الحياة أصبحت أصعب، والناس يشعرون بالضغط النفسي المستمر بسبب عدم اليقين في الأسعار وإمدادات الوقود".

ووفقا لخبراء ومحللين، فإن السودان يعاني حاليا من أزمة وقود حادة نتيجة تدمير واسع للبنية التحتية النفطية خلال الحرب، حيث توقفت مصفاة الخرطوم، التي كانت تغطي نحو 70% من احتياجات البلاد، بعد تعرضها للتخريب وفقدان نحو 210 آلاف برميل من الخام، إضافة إلى تدمير مستودعات البنزين والغاز.

كما خرجت العديد من الحقول النفطية عن الخدمة، ما دفع السودان إلى الاعتماد شبه الكامل على استيراد الوقود.

ويشير الخبير الاقتصادي السوداني عبد الخالق محجوب إلى أن "الاعتماد على الاستيراد وحده يجعل السوق المحلي شديد التأثر بأي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من هشاشة الإمدادات".

وأضاف محجوب "مع استمرار الحرب وتراجع القدرة على الإنتاج المحلي، تواجه البلاد تحديات مزدوجة: أولها محدودية المخزون الاستراتيجي، والثاني ارتفاع تكلفة الاستيراد بسبب تذبذب الأسعار العالمية، مما ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية ويزيد معاناة المواطنين".

وفي أحدث منشور لوزارة الطاقة والنفط صدر أمس الأحد، أوضحت الوزارة أن مخزون الوقود في السودان حاليا يتضمن إمدادات كافية من البنزين، إذ تبلغ الكميات المتوافرة نحو 191 ألفا و883 طنا متريا، أي ما يعادل قرابة 1.36 مليون برميل، مع معدل استهلاك يومي يقارب 15 ألفا و443 برميلا.

وبهذه المعدلات، يكفي المخزون الحالي من البنزين لمدة تصل إلى 88 يوما تقريبا، دون احتساب الشحنات البحرية المتعاقد عليها، التي ستصل تباعا خلال الأسابيع المقبلة لتعزيز الاستقرار في السوق المحلية.

كما تشمل مخزونات الوقود في السودان كميات الجازولين التي تبلغ 175 ألفا و82 طنا متريا بعد إضافة الشحنات قيد التفريغ، أي ما يعادل نحو 1.24 مليون برميل من وقود الديزل المستخدم في النقل والكهرباء والزراعة.

ويبلغ معدل استهلاك الجازولين اليومي نحو 3235 طنا متريا، أي ما يعادل قرابة 22 ألفا و969 برميلا يوميا، ما يعني أن الكميات المتوافرة تكفي لتغطية الطلب لمدة تقارب 54 يوما دون احتساب الشحنات الجديدة.

ويمتلك السودان 6 مصاف بطاقة إجمالية تبلغ 144 ألف برميل يوميا، غير أن الطاقة التشغيلية الفعلية تراجعت بشدة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بسبب الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت نتيجة الحرب.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن إنتاج الوقود في السودان من المصافي المحلية لا يتجاوز حاليا 15 إلى 20% من الطاقة السابقة، ما يزيد اعتماد البلاد على الواردات لتغطية احتياجات البنزين والديزل وغاز النفط المسال.

كما توقفت مصفاة الخرطوم التي كانت توفر نحو 70% من احتياجات البلاد، بعد تعرضها للتخريب وفقدان ما يقارب 210 آلاف برميل من الخام، إضافة إلى تدمير مستودعات البنزين والغاز.

كما خرجت بعض الحقول النفطية عن الخدمة، ما أدى إلى اعتماد السودان بشكل كامل تقريبا على استيراد الوقود.

وأشار عبد اللطيف إبراهيم، وهو صاحب إحدى محطات الوقود بمدينة أم درمان، إلى وجود فجوة بين العرض والطلب، وقال "الكميات التي تصلنا محدودة وغير منتظمة، وفي كثير من الأحيان لا تكفي لتغطية الطلب، الأسعار ارتفعت بسبب تكاليف الاستيراد والنقل، إضافة إلى مخاطر الطريق".

وأضاف أن "الاعتماد على شركات خاصة في الاستيراد زاد من تعقيد المشهد، خاصة مع ضعف الرقابة وارتفاع التكاليف".

وأعلنت الحكومة السودانية في أبريل الجاري زيادات جديدة في أسعار الوقود، حيث تجاوز سعر جالون البنزين في بعض المناطق 25 ألف جنيه، والجازولين أكثر من 36 ألف جنيه.

وفي ولاية الخرطوم، يبلغ سعر لتر البنزين نحو 5089 جنيها، والجازولين 6870 جنيها، وفق التعرفة الجديدة التي أقرتها الحكومة.

وانعكست هذه الزيادات مباشرة على تعريفة المواصلات، التي شهدت ارتفاعا ملحوظا، ما أدى بدوره إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، في ظل اعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على النقل.

ويقول المواطن السماني البصري، أحد سكان الخرطوم، معبرا عن معاناته اليومية "ارتفاع أسعار المواصلات جعل التنقل صعبا جدا، حتى الرحلات القصيرة أصبحت مكلفة، أصبحنا نحسب كل مشوار قبل أن نخرجه، خاصة للعائلات التي تعتمد على النقل العام بشكل يومي".

وأضاف أحمد "لا يقتصر الأمر على المواصلات فقط، فالزيادة انعكست على كل شيء، من الطعام إلى الخدمات الأساسية، كل شيء أصبح أغلى، والحياة اليومية باتت مرهقة أكثر من أي وقت مضى".

-- تأثيرات إقليمية وعالمية

وتواجه الإمدادات النفطية بالسودان ضغوطا متزايدة، إذ ترتبط بشكل مباشر باستقرار الممرات البحرية الممتدة من الخليج عبر البحر الأحمر، ما يجعل وصول الوقود إلى البلاد هشا ومعرضا لأي اضطرابات إقليمية، ويضاعف من صعوبة التحكم في الأسعار وضمان توفر الإمدادات بشكل مستمر.

ويرى خبراء اقتصاديون أن التوترات في منطقة الخليج والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تلعب دورا محوريا في تعقيد أزمة الوقود بالسودان، خاصة مع تأثر الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد ممرا حيويا لإمدادات النفط العالمية.

وفي السياق ذاته، يقول الخبير الاقتصادي السوداني محمد الطيب "أي توتر عسكري في الخليج ينعكس فورا على أسعار النفط عالميا، لأن الأسواق تتفاعل بسرعة مع أي تهديد لحركة الإمدادات، خاصة عبر مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط".

وأضاف "بالنسبة للسودان، فإن التأثير يكون مضاعفا، لأنه يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، وبالتالي فإن أي ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الشحن ينعكس مباشرة على تكلفة الوقود محليا، ويؤدي إلى زيادات متتالية في أسعار النقل والسلع، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية".

وأشار إلى أن غياب السياسات الاستراتيجية، مثل تكوين مخزون استراتيجي أو تدخل الدولة المباشر في الاستيراد، ساهم في تفاقم الأزمة، لافتا إلى أن الأسعار الحالية كان يمكن خفضها بنسبة تصل إلى 25 % في حال إدارة الملف بشكل مختلف.

وأضاف أن "الزيادات الأخيرة مرشحة لإحداث موجة تضخم جديدة، مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تميل فيه الأسواق إلى الترقب وتقليص النشاط التجاري".

يذكر أن نحو 150 ألف برميل يوميا من نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية مستمر في التدفق من أجل التصدير، غير أن هذه العمليات تأثرت بشكل ملحوظ بعد اندلاع النزاع المسلح في البلاد في منتصف أبريل 2023، ما زاد من تعقيدات قطاع النفط.

الصور