رؤية شرق أوسطية: هدنة أمريكية - إيرانية مؤقتة وسط شكوك بشأن صمودها

رؤية شرق أوسطية: هدنة أمريكية - إيرانية مؤقتة وسط شكوك بشأن صمودها

2026-04-09 06:41:15|xhnews

القاهرة 8 أبريل 2026 (شينخوا) دخل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ لمدة أسبوعين، تمهيداً لانطلاق مفاوضات مباشرة بين الجانبين في باكستان، في خطوة تعكس إعادة تموضع في موازين القوى الإقليمية وتوجهاً نحو احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وتأتي الهدنة وسط تقييمات متباينة بشأن قدرتها على الصمود، في ظل اتساع فجوة الخلافات بين الطرفين، واستمرار التوترات في المنطقة، لا سيما مع تواصل الضربات الإسرائيلية في لبنان، ما يعزز من التحذيرات من هشاشة الاتفاق وغياب ضمانات كافية للالتزام به خلال الفترة المقبلة.

وأكد المراقبون، الذين تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن هذه الهدنة مجرد "توقف مؤقت للتصعيد" و"استراحة تكتيكية أكثر منها تحولا استراتيجيا".

وبينما شكك بعض هؤلاء المراقبين في إمكانية صمود الهدنة في ظل التباعد الكبير جدا في المواقف بين الجانبين الأمريكي والإيراني، رأى آخرون أن "السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الهدنة، مع بقاء احتمالات الانهيار قائمة في أي لحظة".

وأشاروا إلى أن المفاوضات المرتقبة في باكستان "اختبار مهم" لجدية أمريكا وإيران في الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى اتفاق دائم، لكنهم أكدوا أن الوصول إلى وقف نهائي لإطلاق النار صعب لأن جذور الأزمة لم تحل بعد.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ساعة مبكرة من صباح اليوم (الأربعاء) موافقته على "تعليق القصف وشن الهجمات على إيران لمدة أسبوعين"، وأوضح أن هذا القرار "مرهون" بموافقة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري وآمن".

وأكدت باكستان، التي توسطت في الهدنة، هذا التطور الأخير، وكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على منصة ((إكس)) "يسعدني أن أعلن أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية والجهات المتحالفة معهما اتفقت على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى".

-- هدنة هشة

وقال أحمد الجنابي أستاذ العلاقات الدولية والإعلام بجامعة (الإمارات) إن الهدنة تمثل في جوهرها "مرحلة اختبار سياسي أكثر منها اتفاقا نهائيا، إذ جاءت نتيجة توازن حذر فرضته التطورات الميدانية وليس تحولا استراتيجيا كاملا في مواقف الأطراف".

وأوضح الجنابي أن استمرار الهدنة سيعتمد على قدرة كل طرف على تحقيق مكاسب تفاوضية دون العودة إلى التصعيد العسكري، وإذا نجحت القنوات الدبلوماسية خلال الأيام المقبلة في إنتاج تقدم ملموس، فقد تتحول الهدنة إلى مسار أطول، أما في حال غياب نتائج سياسية فستبقى قابلة للانهيار بسرعة.

بدوره، اعتبر خالد الحروب أستاذ النزاعات الدولية بجامعة (نورث وسترن) في قطر أن الهدنة "استراحة تكتيكية أكثر منها تحولا استراتيجيا"، مشيرا إلى أن استمرارها مرتبط بمدى قدرة الأطراف على تحويل التهدئة العسكرية إلى مسار سياسي واضح.

ورأى أن "الهدنة الحالية هشة بطبيعتها لأنها جاءت تحت ضغط ميداني واقتصادي كبير، وليس نتيجة اتفاق شامل أو تفاهمات نهائية بين الأطراف".

وذهب السفير عزت سعد مدير (المجلس المصري للشؤون الخارجية) إلى الرأي ذاته، بتأكيده أن "الهدنة ستظل هشة للغاية لاعتبارات تتعلق بالسلوك الأمريكي والإسرائيلي، ولا توجد ضمانات بأن اتفاق الهدنة سيتم احترامه على مدى الأسبوعين القادمين، فدولة لبنان جزء من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل لم تتوقف عن ضرب الجنوب اللبناني حتى الآن".

بينما قال معاذ أبو دلو أستاذ القانون العام بالأردن إن "وقف إطلاق النار لا يعني تحقيق سلام حقيقي أو دائم، بل هو في جوهره تجميد مؤقت للصراع، فالسلام يتطلب معالجة جذور الأزمة بشكل كامل من خلال مفاوضات شاملة تفضي إلى اتفاقات واضحة ومستدامة، وهو ما يبدو صعبا في المرحلة الحالية".

وعزا أسباب الوصول لهذه الهدنة إلى أن "ترامب مارس أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري على إيران، لكنه في الوقت نفسه حرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد الأمن والسلم العالميين، خاصة لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن الطاقة وإغلاق مضيق هرمز".

وأضاف أن "ما جرى يعكس إعادة تموضع ورسما جديدا لموازين القوى، مع توجه واضح نحو تأجيل المواجهة بدلا من تفجيرها لتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تمتد آثارها إلى العالم بأسره".

وشاطره الرأي المحلل الفلسطيني أكرم عطا الله بقوله إن "الهدنة الحالية ليست نهاية الصراع بل توقف مؤقت للتصعيد".

وأشار عطا الله إلى أن الطرفين الأمريكي والإيراني يدركان أن الانزلاق لمواجهة مفتوحة قد يفتح أبوابا يصعب السيطرة عليها، لذلك من المرجح أن تستمر الهدنة طوال المدة المحددة لها، ما لم يحدث تصعيد مفاجئ في المنطقة، لكن استمرارها بعد ذلك يعتمد على نتائج المفاوضات والتوازنات الإقليمية والدولية.

-- فرصة للتفرغ للملف اللبناني

ورغم بدء الهدنة، إلا أن الجيش الإسرائيلي أعلن اليوم أنه شن أكبر هجوم له ضد حزب الله في لبنان منذ بداية الحرب، مستهدفا نحو 100 مقر ومنشأة عسكرية في بيروت والبقاع وجنوب لبنان.

وبينما أكد ترامب ونتنياهو أن اتفاق الهدنة لا يشمل لبنان، بالمخالفة للإعلان الباكستاني، وجه الحرس الثوري الإيراني تحذيرا لأمريكا وإسرائيل بوقف الاعتداءات على لبنان فورا.

وقال الباحث العراقي المتخصص في العلاقات الدولية ناظم علي عبد الله إن "إسرائيل تعتبر هذه الهدنة فرصة للتفرغ للملف اللبناني، وتهيئة الظروف للعودة إلى الاقتتال إذا تطلب الأمر ذلك، أي أنها لن تلتزم بوقف إطلاق النار".

وأضاف أن "إسرائيل لم تكن جزءا من اتفاق الهدنة لذلك هي تراقب وعندما ترى أن الأمور لا تجري في مصلحتها فإنها قادرة على إفشال المفاوضات وفتح جبهة تؤدي إلى العودة للحرب".

بدورها، رأت الباحثة اللبنانية سيمون الأشقر أن "أغلب الظن أن إسرائيل ستلتزم بالهدنة تفاديا لإغضاب ترامب، ولأن قرارها بشأن الحرب مع إيران لا يتم بمعزل عن الموقف الأمريكي، إلا أنه لا يستبعد وفق مصالح إسرائيل وما تعتبره تهديدا لأمنها أن تقوم بخروق محدودة للهدنة".

لكن السفير عزت سعد عبر عن شكوكه في أن تكون هناك سيطرة فعلية لترامب على سلوك نتنياهو، الذي ما يزال مقنعا بأن إنقاذ مستقبله السياسي مرهون باستمرار الحرب.

بينما أشار أحمد الجنابي إلى أن "التزام إسرائيل بالهدنة سيبقى مرتبطا بتقييمها للتهديدات الأمنية المباشرة، فإذا رأت أن الهدنة تمنحها مكاسب استراتيجية أو تخفف المخاطر، فمن المرجح أن تلتزم بها مرحليا، لكن أي تطور ميداني تعتبره تهديدا قد يدفعها إلى استئناف العمليات، ما يجعل الهدنة الحالية بطبيعتها هشة وتعتمد على سلوك جميع الأطراف".

في حين قال خالد الحروب إن "إسرائيل ستلتزم بالهدنة ظاهريا لكنها ستبقي على هامش للمناورة ولن تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية".

وتابع أن "الالتزام الإسرائيلي سيكون مرتبطاً بالتنسيق مع واشنطن، وبالتالي فإن أي تحول في الموقف الأمريكي سينعكس مباشرة على سلوك إسرائيل".

-- ترجيحات بالتزام إيران بفتح "هرمز"

وتوقع الخبراء أن تلتزم إيران بفتح مضيق هرمز، الذي تعتبره "ورقة ضغط تفاوضية" لتحسين موقعها السياسي.

وقال أحمد الجنابي إن "إيران تدرك أن أي تصعيد في مضيق هرمز سينقل الصراع مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، وهو ما قد يوسع دائرة الضغوط الدولية عليها، لذلك من المرجح أن تحافظ طهران على مستوى محسوب من ضبط النفس في المضيق خلال فترة الهدنة، مع إبقاء هذا الملف ورقة ضغط تفاوضية تستخدمها لتحسين موقعها السياسي وليس لإغلاق الممر فعلياً إلا في حال انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل".

بينما رأى الباحث السعودي في مركز "الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية" عبد العزيز الشعباني أن التزام إيران بفتح مضيق هرمز سيظل مرتبطا بمسار التهدئة والمفاوضات خلال الأيام المقبلة، حيث تدرك إيران إن حرية الملاحة في المضيق قضية دولية شديدة الحساسية، وأي تعطيل مباشر سيؤدي إلى ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية إضافية عليها، لذلك من المرجح في هذه المرحلة أن تحافظ طهران على مستوى من الانضباط الظاهري تجاه هذا الملف لكنها قد تبقيه ورقة ضغط سياسية وأمنية تستخدمها إذا شعرت بأن التفاهمات لا تخدم مصالحها أو أن الضغوط عليها تتزايد.

أما خالد الحروب، فقال إن طهران ستتعامل مع ملف مضيق هرمز بشكل براغماتي، فهي تدرك أن إغلاق المضيق ورقة ضغط قوية، لكنها أيضاً تدرك أن استخدامها لفترة طويلة قد يؤدي إلى تصعيد دولي أوسع.

وأضاف أن إيران قد تلتزم بفتح المضيق جزئياً أو مشروطاً، بحيث تبقي على عنصر الضغط دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن التحركات الإيرانية خلال الهدنة ستكون محسوبة بدقة، لأن المضيق يمثل ورقة تفاوضية رئيسة.

بينما قال ناظم علي عبد الله إن إيران تحاول المناورة في قضية مضيق هرمز لأنها الورقة الوحيدة التي أدت لوقف إطلاق النار وشكلت ضغطا هائلا على الإدارة الأمريكية.

وأوضح أن شرط ترامب الوحيد للقبول بتعليق العمليات العسكرية كان فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، لذلك ستسعى إيران لتعزيز قوتها من خلال هذه الورقة لمنع ترامب من العودة للحرب.

-- فرص صمود الهدنة

ورأى عزت سعد أن "الخلافات الجوهرية بين الجانبين الأمريكي والإيراني تدعونا للشك كثيرا في إمكانية صمود اتفاق وقف إطلاق النار، فهناك تباعد كبير جدا في المواقف بين الجانبين بشأن الملف النووي وبرنامج الصواريخ الإيرانية، وهذا يدعونا إلى بعض التشاؤم بشأن مستقبل الهدنة وما بعدها".

لكن خالد الحروب، قال إن "السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الهدنة في المدى القصير، مع بقاء احتمالات الانهيار قائمة في أي لحظة".

وأوضح أن "المعادلة الحالية تقوم على ردع متبادل، حيث يدرك الجميع أن العودة الفورية للتصعيد ستكلفهم أثمانا أكبر مما تحقق خلال الأسابيع الماضية"، وأشار إلى أن واشنطن وطهران تسعيان إلى اختبار النوايا خلال فترة التهدئة خصوصاً مع وجود وساطات إقليمية ودولية متعددة.

ولفت إلى أن العودة للحرب بعد انتهاء الهدنة "احتمال قائم لكنه ليس حتميا"، إذ تعتمد على نتائج المفاوضات، فإذا لم يتم تحقيق تقدم ملموس، فقد نشهد تصعيدا تدريجيا وليس انفجارا فوريا.

بدوره، قال عبد العزيز الشعباني إنه "من المبكر الجزم بأن الهدنة ستستمر بصورة مستقرة لأن ما جرى حتى الآن يبدو أقرب إلى وقف مؤقت لإطلاق النار منه إلى اتفاق نهائي يعالج جذور الأزمة".

وأضاف أن "استمرار الهدنة سيعتمد على مدى التزام الأطراف بضبط النفس، وعلى قدرة الوسطاء على منع أي تطور ميداني من شأنه إعادة التصعيد، لذلك يمكن القول إن فرص استمرارها قائمة لكنها تظل هشة وقابلة للتعثر في أي لحظة".

وأشار إلى أن احتمال عودة الحرب بعد انتهاء الهدنة يبقى قائما، لأن الخلافات الأساسية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأمريكية على طهران، ومضيق هرمز، وتوازنات النقوذ بالمنطقة، لم تحل بل جرى تجميدها مؤقتا.

لكن أحمد الجنابي حذر من أنه "إذا انتهت الهدنة دون تقدم سياسي واضح، فقد نشهد عودة التصعيد وربما بوتيرة أعلى، لأن كل طرف سيحاول تحسين موقعه بالقوة".

بدوره، رأى عطا الله أن احتمال عودة الحرب بعد الهدنة قائم، لكنه ليس حتميا، ولفت إلى أن استمرار الحرب أو توقفها يعتمد على نجاح المفاوضات في إدارة التوتر، وعلى القدرة على بناء الثقة بين الطرفين.

وحذر من أنه "إذا فشلت المفاوضات أو حدث تصعيد في أي من ساحات المنطقة، فقد نعود بسرعة إلى مواجهة مفتوحة".

إلا أن ناظم علي عبد الله أكد أن صمود الهدنة أمر بالغ الصعوبة بسبب الفجوة الكبيرة بين المطالب الأمريكية والشروط الإيرانية، وفي ظل انعدام الثقة بين الطرفين.

وقال إنه "يمكن لهذه الحرب أن تعود في أية لحظة، لقناعة إسرائيل والولايات المتحدة أن أهداف الحرب، المتمثلة في إسقاط النظام الإيراني وتدمير المشروع النووي وبرنامج الصواريخ البالستية، لم تتحقق".

-- اختبار حقيقي

ومن المقرر أن تستضيف إسلام آباد وفدين من إيران والولايات المتحدة لمواصلة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي لتسوية جميع الخلافات، حسب ما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اليوم.

وقال عزت سعد إنه "مع الرئيس ترامب، لا استطيع أن اتوقع من خلال مفاوضات باكستان أن تكون هناك ترتيبات ذات مصداقية وديمومة، لأن ترامب يقول الشئ ونقيضه، ومن الصعب القول إن هذه المفاوضات يمكن أن ينتج عنها ترتيبات دائمة لإقرار السلام".

لكن أحمد الجنابي اعتبر أن هذه المفاوضات "فرصة واقعية" لاحتواء الأزمة خاصة إذا نجحت الوساطات الإقليمية في توفير مخرج سياسي يسمح للأطراف بالانتقال من المواجهة إلى التفاوض دون الظهور بمظهر المتراجع.

وأكد أن الوصول إلى وقف نهائي لإطلاق النار لن يكون سريعا لكنه ممكن إذا تم الاتفاق أولا على إجراءات بناء ثقة وخفض تدريجي للتصعيد. 

الصور