رسالة من الشرق الأوسط: من كمبالا إلى جبرة: معلم سوداني يكتب درس الصبر والوطن من جديد

رسالة من الشرق الأوسط: من كمبالا إلى جبرة: معلم سوداني يكتب درس الصبر والوطن من جديد

2026-04-10 17:17:30|xhnews

بقلم: حمودة إبراهيم

الخرطوم 10 أبريل 2026 (شينخوا) اسمي حمودة إبراهيم، أبلغ من العمر اثنين وخمسين عاما، كنت معلما للغة العربية في إحدى مدارس الخرطوم، أبدأ صباحي بصوت الجرس المدرسي، وأختمه بدفاتر مصحّحة وأحلام صغيرة لطلابي.

كنت أؤمن أن مهمتي في الحياة هي أن أشرح لتلاميذي معنى الوطن في نصوص القراءة. لم أكن أعلم أنني سأختبر معنى فقدانه، ولم أكن أتخيل أن يأتي يوم أعلم فيه أطفالي درسا لم أدرسه في حياتي: كيف يتركون بيتهم خلفهم ويمضون.

في حي جبرة جنوب الخرطوم، كان بيتنا بسيطا، لكنه دافئ، تحيط به شجيرات صغيرة زرعتها بيدي، ونافذة تطل على شارع اعتدنا سماع ضجيجه، وجدار علق عليه أطفالي رسوماتهم المدرسية.

ثم اندلعت الحرب، وتحول كل شيء إلى صوت واحد: الانفجارات.

بعد نحو خمسة وعشرين يوما من بدايتها، لم يعد البقاء خيارا. كانت السماء تمتلئ بالدخان، والليل ينقطع بضوء القذائف، وفي صباح ثقيل، وضعت بعض الملابس في حقائب صغيرة، نظرت إلى زوجتي وأطفالي الأربعة، ولم أجد كلمات أشرح بها لماذا نغادر.

خرجنا عبر سيارة خاصة أقلتنا من جبرة إلى ولاية النيل الأبيض، ثم إلى حدود جنوب السودان، إلى ولاية أعالي النيل، ومنها جوا إلى جوبا، في كل محطة كنت أشعر أنني أترك جزءا مني خلفي، كأنني أخلع طبقة من روحي، كانت الرحلة أشبه باقتلاع شجرة من تربتها، دون أن تعرف إن كانت ستزرع من جديد.

في جوبا مكثنا نحو ثلاثة أشهر. كنت أراقب أطفالي وهم يسألونني كل مساء: "متى نعود يا أبي؟ ولماذا تركنا بيتنا؟"، لم أملك جوابا مقنعا، كنت أتهرب بالصمت، أو أقول إن العودة قريبة، بينما قلبي لا يعرف متى تكون.

في سبتمبر 2023 سافرنا إلى أوغندا، إلى مطار عنتبي، ومن هناك توجهنا فورا إلى مفوضية الأمم المتحدة لتسجيل أنفسنا كلاجئين، وحين سلمت أوراقي، شعرت أنني أضع ختما على فصل موجع من حياتي.

تلك اللحظة كانت ثقيلة أن تكتب اسمك تحت بند "لاجئ"، كأنك تعترف أن الأرض التي أنجبتك لم تعد قادرة على احتضانك.

استقر بنا الحال في مخيم للاجئين على أطراف كمبالا، خيام متلاصقة، وأصوات أطفال بلغات مختلفة، ووجوه تشبه وجهي: خليط من القلق والصبر، هناك تعلمت درسا جديدا في الحياة، أن العيش في مخيم ليس مجرد فقر في المكان، بل اختبار يومي للكرامة.

الخيمة التي سكناها كانت من قماش سميك رمادي اللون، أرضها ترابية، تشتد حرارتها ظهرا وتبرد حد القسوة ليلا، وفي موسم الأمطار، كانت المياه تتسرب من أطرافها، فنضع الأوعية في الزوايا لنلتقط القطرات، بينما يحاول أطفالي النوم على أصوات المطر المتواصل.

الطابور كان أول درس يومي نتعلمه هناك، طابور الماء، طابور الغذاء، طابور التسجيل، طابور الانتظار الطويل لأي مساعدة، كنت أستيقظ قبل الفجر لأقف في صف طويل تحت سماء باهتة، أحمل جالونا بلاستيكيا، وأتساءل كيف تحول معلم الأمس إلى رجل يقيس يومه بعدد اللترات التي يحصل عليها.

الماء لم يكن دائما نقيا، وكثيرا ما مرض الأطفال بسبب اضطرابات المعدة.

كنت أجلس إلى جوارهم ليلا أضع يدي على جباههم، وأشعر بوخز العجز.

في تلك اللحظات، لم يكن أكثر ما يؤلمني الفقر، بل فقدان القدرة على حماية أبنائي من الخوف والمرض.

في المخيم، تختلط اللغات كما تختلط القصص، كنت أسمع لغات لا أفهمها، وأحاول أن ألتقط كلمات إنجليزية متكسرة لأشرح حاجتنا، أو لأستفسر عن مدرسة تقبل أطفالي.

أصعب ما واجهته لم يكن ضيق الحال فقط، بل شعوري بالعجز. بقيت بلا عمل، أستيقظ كل صباح بلا مهمة، بلا طلاب ينتظرونني. كنت أخشى على أطفالي من الضياع في بيئة جديدة، بلغة لا يتقنونها.

إلحاقهم بالتعليم كان معركة أخرى، المدارس تعتمد الإنجليزية، والرسوم مرتفعة مقارنة بما نملك، كنت أرى في أعينهم شوقا إلى الفصل الدراسي، إلى المقاعد الخشبية والسبورة، وأشعر بوخزة لأنني، أنا المعلم، عاجز عن تأمين ذلك لهم بسهولة، وكل خطوة نحو تعليمهم كانت معركة صغيرة مع المال والخوف.

في المجتمع الخارجي، كانت اللغة حاجزا صامتا. أحيانا أشعر أنني أتكلم ولا يسمعني أحد، أو أسمع ولا أفهم.

كنت معلما في بلادي، وهنا أصبحت أبا يحاول فقط أن يحمي أسرته من الشعور بالضياع، أن الرجل الذي كان يقف أمام سبورة يشرح قصيدة، أصبح يجلس أمام خيمة يعد الأيام.

من سبتمبر 2023 حتى فبراير 2026، عشت صراعا داخليا لا ينتهي، الحنين إلى الخرطوم كان يطاردني في المنام، ورائحة ترابها بعد المطر تعود فجأة في ذاكرتي، ثم أستيقظ على صوت الريح تضرب قماش الخيمة، أحيانا كنت ألوم نفسي على قرار الرحيل، وأحيانا أقول إن النجاة كانت واجبا تجاه أطفالي.

لكن أمنية العودة كانت تغلب دائما، مثل نداء داخلي لا يخفت.

حين سمعت عن لجنة غير حكومية تسجل الراغبين في العودة، لم أتردد، خاصة بعد إعلان الجيش في مايو 2025 السيطرة الكاملة على الخرطوم.

كانت إجراءات التسجيل والسفر بلا مقابل، وهذا منحني دفعة أمل لم أشعر بها منذ زمن.

لحظة وصولي إلى مطار بورتسودان كانت أكبر من الكلمات، حين نزلت من الطائرة، انحنيت قليلا ولمست الأرض بيدي، وبكيت بصمت، لم أبك لأن كل شيء انتهى، بل لأن شيئا ما قد بدأ من جديد. شعرت أن قلبي يعود إلى مكانه الطبيعي.

ومن هناك، تحركنا برا نحو الخرطوم في رحلة استمرت نحو ست عشرة ساعة. كانت طويلة ومرهقة، لكنني لم أشعر بالتعب، لأن الطريق كان يقودني إلى بيتي، وكنت أراقب الطريق كما يراقب طفل نافذة الحافلة في أول رحلة مدرسية.

حين دخلت حي جبرة، خيم الصمت، الشوارع التي كانت تضج بالحياة بدت خالية إلا من بيوت قليلة يسكنها العائدون، آثار الدمار في كل زاوية، وجدران تحمل ندوب الحرب.

وصلت إلى منزلي أو ما تبقى منه. كان الباب مكسورا، والحديقة الصغيرة تحولت إلى أرض برية، نمت فيها الحشائش والأعشاب حتى غطّت الممر.

دخلت بخطوات مترددة، لا أثاث، لا صور على الجدران، لا دفاتر مدرسية، لا شيء. وتعرض المنزل للنهب الكامل، حتى المصابيح اقتلعت من أماكنها.

وقفت في منتصف الغرفة الفارغة، وشعرت أن الفراغ يصرخ، زوجتي كانت تمسح دموعها بصمت، وأطفالي ينظرون حولهم بذهول، كأنهم يحاولون مطابقة المكان بصورة قديمة في ذاكرتهم، لكن رغم كل شيء، شعرت أنني استعدت روحي.

ووسط الخراب، وجدت شيئا صغيرا: كتابا مدرسيا قديما كان عالقا خلف نافذة مكسورة، حملته، ونفضت عنه الغبار، وشعرت أن البيت ما زال يتنفس.

البيت خال، والحيّ شبه مهجور، هذا صحيح، لكن الأرض هنا ما زالت تعرف أسماءنا جيدا، والجدران، رغم ما أصابها من تصدّع، لا تزال تحتفظ بأصواتنا القديمة، كأنها ترفض أن تنسى من مرّوا بها يوما.

أعلم أن الطريق طويل، وأن الخدمات لم تعد كما كانت، وأن الأمن يحتاج وقتا ليترسخ، لكنني أؤمن أن العودة بداية شفاء، وأحلم أن يعود السودانيون إلى منازلهم، أن تمتلئ الشوارع مجددا بصوت الباعة وضحكات الأطفال، وأن تنتهي الحرب إلى غير رجعة.

أنا حمودة إبراهيم، معلم فقد بيته، وعاش اللجوء بكل ما فيه من ضيق وانتظار، وعاد ليبدأ من الصفر، أو ليبدأ من جديد، ربما لم يبق من منزلي سوى الجدران، لكن الإيمان بأن السودان يمكن أن ينهض ما زال قائما.

أؤمن أن السودان، مهما طال جرحه، سيجد طريقه إلى الشفاء، وأن الدرس الأصعب الذي تعلمته في حياتي هو أن الوطن، حتى وإن تهدم، يظل الفصل الذي لا يمكن حذفه من كتاب العمر.

وكان حمودة واحدا من نحو 150 لاجئا سودانيا عادوا جوا إلى مطار بورتسودان في 20 فبراير الماضي، ضمن أولى رحلات العودة الطوعية للاجئين القادمين من أوغندا، في إطار برنامج تدعمه الحكومة السودانية لتسهيل عودة المواطنين الراغبين في الرجوع إلى البلاد بعد تحسن الأوضاع الأمنية في العاصمة، وشملت الرحلة أسرا ظلت تقيم في مخيمات اللجوء لما يقارب ثلاثة أعوام.

ووفقا للجنة العليا للعودة الطوعية للاجئين السودانيين من أوغندا، وهي لجنة غير حكومية، فإن عدد السودانيين المسجلين رسميا كلاجئين في أوغندا يبلغ نحو 93 ألف لاجئ.

وفي أحدث إحصائية لمنظمة الهجرة الدولية صدر في 31 مارس الماضي، فقد عاد نحو 3.8 مليون سوداني من النازحين داخليا واللاجئين في دول الجوار السوداني، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمساكن والخدمات والبنية التحتية، داعيةً إلى تمويل مستدام لتلبية الاحتياجات المتزايدة في مناطق العودة.

الصور