مقالة خاصة: حر الصيف يحول خيام النازحين في غزة إلى "أفران" وسط تفاقم الأزمة الإنسانية
غزة 14 مايو 2026 (شينخوا) داخل خيمة مهترئة في أحد مخيمات النزوح بمدينة غزة، تحاول الفلسطينية مرام حسين جاهدة تخفيف حرارة الجو عن طفلها الرضيع باستخدام قطعة من الكرتون، بينما يلفح الهواء الساخن المكان الضيق الذي تعيش فيه عائلتها منذ أكثر من عام ونصف.
وتقول مرام (35 عاما) لوكالة أنباء ((شينخوا)) وهي تحتضن طفلها البالغ من العمر ستة أشهر "الخيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، أصبحت مثل فرن بشري لا يمكن احتماله".
ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في قطاع غزة، تتفاقم معاناة مئات آلاف النازحين الذين يقيمون داخل خيام مصنوعة في غالبيتها من النايلون والقماش الرقيق، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية واستمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع.
وتتكون معظم الخيام المنتشرة في مناطق النزوح من مواد بلاستيكية تمتص الحرارة بشكل كبير وتفتقر إلى التهوية، ما يجعلها شديدة السخونة خلال ساعات النهار، في حين تحتفظ بدرجات حرارة مرتفعة حتى أثناء الليل.
وتضيف مرام "منذ نزوحنا مع بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023 ونحن نعيش في هذه الخيمة، نقلناها أكثر من مرة من مكان إلى آخر، ومع مرور الصيف والشتاء أصبحت ممزقة ومتهالكة".
وتوضح وهي تلوح بقطعة الكرتون فوق وجه طفلها "حتى لو حصلنا على خيمة جديدة، فهي لن تحمينا من الحر أو الأمطار، الوضع يزداد صعوبة يوما بعد يوم".
وتشير إلى أن أفراد عائلتها يقضون معظم ساعات النهار خارج الخيمة هربا من الحرارة المرتفعة، بينما يضطر زوجها وطفلاها الصغيران إلى النوم في العراء ليلا بسبب ارتفاع الحرارة داخل الخيمة.
وتقول "النوم خارج الخيمة يعرضهم لقرصات البعوض والحشرات وحتى الزواحف والقوارض، لكن البقاء داخلها أصعب بكثير".
وفي منطقة المواصي الساحلية غرب مدينة خان يونس جنوب القطاع، حيث تنتشر آلاف الخيام المتلاصقة على امتداد شريط ساحلي ضيق، يجلس إبراهيم الحاج وزوجته المريضة بالربو تحت قطعة قماش صغيرة نصبها خارج خيمتهما لتوفير قدر محدود من الظل.
ويقول الحاج (67 عاما) لـ ((شينخوا)) "مع اقتراب الظهيرة تصبح الخيمة غير قابلة للبقاء، الحرارة داخلها خانقة وكأنها نار مشتعلة".
ويضيف أن زوجته تعرضت عدة مرات لحالات إغماء بسبب الحر الشديد، ما اضطرهما إلى تمضية معظم ساعات النهار في الخارج رغم الظروف القاسية.
وأوضح أن غياب الكهرباء والمراوح يزيد من معاناة النازحين، خاصة كبار السن والمرضى، في ظل عدم توفر وسائل تبريد أو خدمات صحية كافية.
وفي شمال قطاع غزة، وتحديدا في منطقة جباليا التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، يلجأ الأطفال إلى اللعب بالمياه وسكبها على أجسادهم للتخفيف من حرارة الطقس.
وتقول ربا الزبدة، وهي أم لثلاثة أطفال، إن النساء داخل مخيمات النزوح يضطررن إلى تبريد أجساد أطفالهن بالمياه عدة مرات يوميا خوفا من ضربات الشمس أو حالات الإعياء.
وأضافت ربا لوكالة أنباء ((شينخوا)) "مع دخول الصيف أصبحنا نحتاج إلى كميات أكبر من المياه للاستحمام وغسل الملابس وتبريد الأطفال، لكن المياه نفسها شحيحة".
وأشارت إلى أن الحرارة المرتفعة تدفع السكان إلى مغادرة الخيام منذ ساعات الصباح الأولى وعدم العودة إليها إلا بعد غروب الشمس.
وتقول "في الشتاء كنا نغرق بمياه الأمطار داخل الخيام، واليوم نحترق من شدة الحر، حياتنا تحولت إلى معاناة مستمرة".
وبحسب سكان محليين، فإن الظروف المعيشية داخل المخيمات تزداد صعوبة مع تزايد أعداد النازحين واستمرار نقص الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي والرعاية الصحية.
ويحذر أطباء وعاملون في المجال الصحي من تزايد المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة داخل مخيمات النزوح، خاصة بين الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين.
وفي هذا السياق، يقول إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن موجة الحر الحالية تزيد من حدة الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون في القطاع.
وأوضح الثوابتة لـ (( شينخوا)) أن "معظم الخيام غير مؤهلة للسكن الآدمي، ولا توفر الحد الأدنى من الحماية الصحية أو البيئية، ما يجعل السكان عرضة لمخاطر كبيرة مع ارتفاع درجات الحرارة".
وأضاف أن الحرارة الشديدة تسهم في انتشار الأمراض الجلدية وحالات الجفاف والإجهاد الحراري، خاصة في ظل نقص المياه وتدهور النظام الصحي ونقص الأدوية.
وأشار إلى أن الاكتظاظ داخل مخيمات النزوح وغياب التهوية المناسبة وتراجع خدمات الصرف الصحي تجعل البيئة المعيشية "غير صالحة للحياة الإنسانية".
ووفقا للثوابتة، تشير التقديرات الميدانية إلى وجود نحو 135 ألف خيمة منتشرة في مختلف مناطق قطاع غزة تؤوي أكثر من مليون نازح فقدوا منازلهم خلال الحرب، موضحا أن أقل من خمسة بالمائة من هذه الخيام يمكن اعتبارها صالحة نسبيا للسكن.
وأضاف أن نقص مواد الإيواء والمنازل المؤقتة يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية، في وقت لا يزال فيه آلاف السكان يعيشون داخل خيام متهالكة منذ شهور طويلة.
وتسببت الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 في دمار واسع للبنية التحتية والمنازل، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مراكز الإيواء والخيام المنتشرة في أنحاء القطاع.
ومع استمرار الأزمة الإنسانية وغياب حلول سريعة لإعادة الإعمار أو توفير مساكن بديلة، يواجه النازحون في غزة صيفا جديدا داخل خيام لا تحميهم من الحر، بينما تتزايد المخاوف من تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية خلال الأشهر المقبلة.








