(أهم الموضوعات الدولية) مقالة خاصة: هل تتحول كابلات الألياف الضوئية في مضيق هرمز إلى "ورقة رابحة" أخرى لإيران؟

(أهم الموضوعات الدولية) مقالة خاصة: هل تتحول كابلات الألياف الضوئية في مضيق هرمز إلى "ورقة رابحة" أخرى لإيران؟

2026-05-20 16:07:30|xhnews

بكين 20 مايو 2026 (شينخوا) تصدر مضيق هرمز، المعروف تقليديا بـ"ممر الطاقة العالمي"، واجهة الأحداث مجددا، ولكن هذه المرة بوصفه "ممرا رقميا" حيويا. فقد أعلنت طهران قبل أيام عن أحقيتها في إخضاع كابلات الألياف الضوئية الممدودة تحت مياه المضيق لـ"نظام تصاريح ورسوم تنظيمية"، ما أثار موجة واسعة من الاهتمام الدولي.

فما الذي يجعل الكابلات البحرية في هرمز بهذه الأهمية؟ وما الدوافع وراء إرسال طهران هذه الإشارات في ظل الجمود الذي يخيم على مفاوضاتها مع واشنطن؟ وفي سياق مساعيها لفرض تصاريح ورسوم على هذه الكابلات، ما "ورقة الضغط الإستراتيجية" التي تسعى إيران فعليا إلى استخدامها؟.

 

-- "ممر رقمي" بطابع إستراتيجي

أوضح الحرس الثوري الإيراني، في بيان صدر في 18 مايو، أن المياه التابعة للسيادة الإيرانية في مضيق هرمز تخضع لإدارة صارمة، مضيفا أن أي كابل ألياف ضوئية يمر عبر هذه المنطقة يجب أن يحصل على التصاريح اللازمة، وأن يخضع لرقابة وإشراف سيادي، مع إمكانية دفع رسوم تنظيمية.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين تأكيدهم على ضرورة التزام شركات التكنولوجيا الغربية بالقوانين الإيرانية. كما اشترطت طهران حصول شركات الكابلات على تراخيص عبور مقابل رسوم مالية، مع تمسكها بمنح الجانب الإيراني حقوق الصيانة والتدخل الحصري في حالات الأعطال.

وتُعد الكابلات البحرية في مضيق هرمز شريانا رقميا حيويا للاتصالات العالمية. ويرى محللون أن القيمة الاستراتيجية لهذه الكابلات لا تقل شأنا عن أهمية المضيق كممر ملاحي عالمي، وأي محاولة للسيطرة عليها أو استهدافها قد تؤدي إلى تعطيل واسع في الاتصالات والاقتصاد الرقمي، ليس فقط إقليميا، بل عالميا أيضا.

وتزداد خطورة الأمر في ظل الاعتماد الكبير لدول الخليج على هذه البنية التحتية، خاصة مع استثماراتها الضخمة والمتنامية في القطاع المالي الرقمي ومراكز البيانات العملاقة. وفي حال تعرض هذه الكابلات لأي ضرر، فقد يتسبب ذلك في شلل أنظمة الدفع الرقمي والقطاع المصرفي وخدمات الحوسبة السحابية، وحتى اتصالات المؤسسات الحكومية في هذه الدول.

وفي السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن مضيق هرمز يمثل ممرا رقميا محوريا يربط مراكز البيانات الآسيوية (كمبادرة سنغافورة) بمواقع الكابلات البحرية في أوروبا، وأي انقطاع مفاجئ في هذا المسار قد يؤدي إلى تأخير كبير في إتمام المعاملات المالية والصفقات العابرة للحدود بين آسيا وأوروبا.

 

-- ما هي الدوافع وراء مطالبات "رسوم العبور"؟

يشهد الصراع بين إيران والولايات المتحدة حالة من الجمود السياسي والأمني (حالة لا سلم ولا حرب)، وسط استمرار التجاذبات والمناورات حول مضيق هرمز. ويرى المحللون أن طهران، من خلال طرح مسألة فرض "نظام التصاريح والرسوم" على الكابلات البحرية، تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية:

أولا، خلق "أداة ضغط" جديدة ضد واشنطن. لطالما شكل التحكم في مضيق هرمز "ورقة رابحة" بيد طهران في مواجهتها مع الولايات المتحدة. ومع وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، تحاول إيران توسيع نطاق أدوات الضغط لتشمل البنية التحتية الرقمية، بما يعزز فاعلية "ورقة المضيق". ويرى باو تشنغ تشانغ، الباحث المشارك في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، أن إيران تسعى من خلال فرض سيطرتها التنظيمية على المسارات التي تمر فيها هذه البنية التحتية الرقمية إلى ممارسة ضغط مستمر على واشنطن، في تحول واضح في نمط المواجهة الإيرانية الأمريكية.

ثانيا، إبراز القدرات "الردعية غير المتماثلة". يؤكد المحللون أن هذه التحركات تهدف إلى إظهار قدرة إيران على التأثير في الحركة عبر المضيق، مع الإيحاء بإمكانية إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي بتكلفة منخفضة نسبيا. وذكرت قناة ((الجزيرة)) أن طهران لا تحتاج بالضرورة إلى سيطرة فعلية على الكابلات، بل يكفيها مجرد رفع مستوى الإجراءات التنظيمية أو التلويح بها لإحداث اضطرابات في اقتصادات دول الخليج وحلفائها، بما يمنحها تفوقا تفاوضيا غير متماثل.

ثالثا، البحث عن مصادر دخل مالية بديلة. يرى باو تشنغ تشانغ أن مطالبة طهران بدفع رسوم سيادية على الكابلات العابرة تهدف إلى فتح قنوات تمويل جديدة للتخفيف من الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات الدولية المفروضة عليها. غير أن هذه الخطوة قد تنطوي على مخاطر كبرى؛ إذ قد تدفع الدول المعنية إلى إعادة هيكلة مساراتها الرقمية أو البحث عن بدائل، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص ارتباط إيران بالمنظومة الرقمية العالمية، بدل تعزيز موقعها.

 

-- تهديد أم إستراتيجية قابلة للتنفيذ؟

يرى المحللون أن فرض رسوم على الكابلات البحرية يواجه عقبات قانونية ولوجستية كبيرة، ما يجعل الطرح برمته وسيلة ضغط وتهديد أكثر منه سياسة قابلة للتنفيذ على أرض الواقع في المدى المنظور.

فمن جهة، ونظرا للعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، فإن أي تحويلات مالية عبر شركات دولية تبدو أمرا شبه مستحيل، ما يجعل إنشاء "آلية تحصيل رسوم" مجرد حبر على ورق. ومن جهة أخرى، قد يصطدم هذا التوجه بإطار قانوني دولي قائم؛ إذ يشير خبراء إلى أن الكابلات البحرية تخضع لاتفاقيات وعقود دولية مبرمة مسبقا، ولا يحق لطرف واحد تعديل شروطها أو فرض التزامات جديدة بشكل منفرد.

ومع ذلك، حتى في حال تعثر التنفيذ المباشر، يرى محللون أن طهران ما تزال تملك ما يمكن وصفه بـ"قدرة إحداث إرباك". إذ يمكنها الاستفادة من حالة عدم اليقين المحيطة بهذا النوع من البنى التحتية، أو من صعوبة تحديد المسؤولية في حال وقوع أعطال أو أضرار. كما يمكنها استخدام أدوات تنظيمية لتعطيل أو تأخير منح تراخيص الصيانة والإصلاح، مما يسهم في إضافة عامل عدم استقرار جديد للمشهد العام في المنطقة، وفقا لما أفادت قناة ((العربية)) السعودية.

كما تشير تقارير إعلامية إماراتية إلى أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك وحدات عمليات خاصة قادرة على العمل تحت الماء، ما يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بأي تصعيد محتمل، حتى وإن بقي في نطاق التهديد غير المباشر.

ويخلص المحللون إلى أن التطورات المرتبطة بالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الكابلات البحرية أصبحت جزءا من أي صراع جيوسياسي حديث، حيث يكفي التلويح بتهديدها لتحويلها إلى "ورقة ضغط إستراتيجية" بامتياز.

الصور