مقالة خاصة: طفل سوداني يدفع ثمن "حقنة مفقودة"...الحرب تهدد مكتسبات التطعيم للأطفال
الخرطوم أول يونيو 2026 (شينخوا) كان وائل صلاح، الطفل السوداني البالغ من العمر ثمانية أعوام، يراقب بصمت مجموعة من الأطفال يركضون ويلعبون في ساحة ترابية مجاورة لأحد المراكز الصحية المؤقتة بمدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض، بينما يعجز هو عن مشاركتهم اللعب بعد أن أثقلت مضاعفات المرض جسده وأفقدته القدرة على الحركة كما كان في سنوات طفولته الأولى، في مشهد يجسد جانبا من الأزمة الصحية التي يعيشها أطفال السودان مع تراجع معدلات التطعيم جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
في الغرفة الصغيرة المزدحمة بأصوات المرضى وحركة المراجعين، بدا وائل أصغر من عمره الحقيقي، كانت يداه النحيلتان تحتضنان لعبة بلاستيكية قديمة فقدت جزءا من ألوانها، فيما تمددت ساقاه بلا حراك تقريبا، وبعد إصابته بمضاعفات مرض الحصبة، أصبح يعاني من ضعف جسدي متكرر ونوبات مرضية تستدعي مراجعة المرافق الصحية بين الحين والآخر، بينما كان صوت مولد كهربائي قديم يرتفع ويخفت في الخلفية في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الطاقة للمركز الصحي.
وقالت والدته لوكالة أنباء ((شينخوا)) عبر الهاتف "لو كانت الظروف طبيعية لحصل على كل التطعيمات في موعدها، لم نكن نتخيل يوما أن تصبح حقنة صغيرة بعيدة المنال إلى هذا الحد، لكن الحرب غيرت كل شيء في حياتنا".
وأضافت أن الأسرة كانت تعيش حياة مستقرة نسبيا في الخرطوم قبل اندلاع الحرب، وكانت تتابع مواعيد التطعيم والفحوصات الدورية للأطفال بشكل منتظم، غير أن القتال أجبرها على مغادرة منزلها على عجل، تاركة وراءها معظم ممتلكاتها ووثائقها، بما في ذلك السجل الصحي الخاص بالأطفال.
وتابعت "تنقلنا بين أكثر من ولاية بحثا عن مكان آمن، كنا ننام أحيانا عند أقارب وأحيانا في مراكز إيواء أو مبان عامة، خلال تلك الرحلة الطويلة لم يعد أحد يفكر في بطاقات التطعيم أو مواعيد الجرعات".
وأشارت إلى أن الوصول إلى الخدمات الصحية أصبح مهمة شاقة، إذ أغلقت بعض المراكز الصحية أبوابها بسبب الحرب، فيما تضررت مراكز أخرى أو توقفت خدماتها نتيجة نقص الإمدادات والكوادر الطبية.
وروت أن ابنها فقد عددا من الجرعات الأساسية المقررة للأطفال خلال سنوات النزوح قبل أن يصاب لاحقا بمرض كان من الممكن الوقاية منه بالتطعيم، مضيفة "عندما مرض وائل لم أكن أفكر إلا في شيء واحد: ماذا لو حصل على التطعيم في موعده؟ ربما كان الآن يلعب مع بقية الأطفال في الخارج بدلا من التنقل بين المراكز الصحية".
وأضافت "الحرب لم تأخذ منا البيت فقط، ولم تحرم الأطفال من مدارسهم وأصدقائهم فقط، بل سرقت منهم أشياء لا يراها الناس بسهولة، مثل حقهم في الرعاية الصحية والحماية من الأمراض".
وفي اليوم الدولي للطفل، لا تبدو قصة وائل حالة استثنائية في السودان اليوم، بل تمثل جزءا من أزمة صحية أوسع فرضتها الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فمع تعطل النظام الصحي في مناطق واسعة من البلاد، وتضرر المستشفيات والمراكز الصحية، وتوقف حملات التحصين في بعض المناطق، تراجعت معدلات التطعيم بين الأطفال بصورة مقلقة، بحسب عاملين في القطاع الصحي.
وفي أحد مراكز الرعاية الصحية للأطفال بجنوبي الخرطوم، لاحظ مراسل ((شينخوا)) ازدحام قاعة الانتظار بأمهات يحملن أطفالا صغارا، فيما اختلطت أصوات البكاء بنداءات العاملين الصحيين وأصوات المراوح القديمة التي تكافح حرارة الطقس.
وقال طبيب الأطفال أحمد حسن، بالمركز الصحي في حي الأزهري، لـ((شينخوا)) إن فقدان جرعة تطعيم واحدة قد يبدو أمرا بسيطا للبعض، لكنه في الواقع قد يكون بداية لسلسلة من المخاطر الصحية التي تهدد حياة الطفل لسنوات طويلة.
وأضاف "التطعيمات ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي درع وقائي يحمي الأطفال من أمراض خطيرة قد تؤدي إلى مضاعفات دائمة أو الوفاة، عندما تتعطل برامج التحصين بسبب الحرب فإننا لا نفقد خدمة صحية فقط، بل نفقد أحد أهم الإنجازات التي حققتها الصحة العامة خلال العقود الماضية".
وتابع "نشهد حاليا جيلا كاملا من الأطفال الذين ولدوا أو كبروا خلال سنوات النزاع، وبعضهم لم يتلق الجرعات الأساسية في مواعيدها أو لم يتلقها إطلاقا، ما يرفع احتمالات عودة أمراض كنا نعتقد أنها أصبحت تحت السيطرة، مثل الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا والسعال الديكي".
من جانبه، قال المتطوع الصحي عبد الله محمد، الذي يشارك في حملات التحصين المتنقلة بأحياء جنوب الخرطوم، إن الفرق الصحية تعمل في ظروف بالغة الصعوبة للوصول إلى الأطفال الذين انقطعت عنهم خدمات التطعيم.
وأضاف "في بعض الأحيان نضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى تجمعات سكانية ظل أطفالها بعيدين عن خدمات التحصين لأشهر وربما لسنوات بسبب الأوضاع الأمنية أو تدهور البنية التحتية".
وأوضح أن النزوح المستمر يمثل أحد أكبر التحديات أمام فرق التحصين، قائلا "كثير من الأسر تنتقل من مكان إلى آخر بحثا عن الأمان أو سبل العيش، ما يجعل متابعة الأطفال واستكمال الجرعات المقررة أمرا معقدا".
وفي مدينة بورتسودان، قال عمر إبراهيم، وهو أب لثلاثة أطفال نازحين يقيم في مدرسة تحولت إلى مركز للإيواء، إن الحرب أجبرت أسرته على تغيير أولوياتها بالكامل بعدما كانت تتابع بصورة منتظمة التطعيمات والفحوصات الصحية لأطفالها.
وأضاف لـ((شينخوا)) عبر الهاتف "قبل الحرب كنا نعيش حياة مستقرة نسبيا، وكانت مواعيد التطعيم معروفة وميسرة، لكن بعد النزوح أصبح همنا الأول العثور على مكان آمن ومصدر للمياه والطعام، ولم تعد الخدمات الصحية متاحة كما كانت".
وتابع "خلال تنقلنا بين عدة مناطق فقدنا الوثائق الصحية الخاصة بالأطفال، وفي كثير من الأحيان لم نكن نعرف أين توجد مراكز التطعيم أو ما إذا كانت تعمل أصلا، مرت شهور طويلة دون أن يتمكن أطفالي من تلقي الجرعات التي يحتاجون إليها".
وقال إن أكثر ما يقلقه هو أن يدفع الأطفال ثمن ظروف لا يد لهم فيها، مضيفا "عندما يمرض الطفل تشعر بالعجز، لأنك تدرك أن ما يحدث له كان من الممكن تجنبه لو توفرت الظروف الطبيعية والخدمات الصحية الأساسية".
وأشار إلى أن حملات التطعيم الأخيرة أعادت بعض الأمل للأسر النازحة، لكنه شدد على ضرورة توسيع نطاقها لتشمل جميع الأطفال الذين انقطعت عنهم الخدمات الصحية خلال سنوات الحرب.
وتشير أحدث بيانات وزارة الصحة السودانية إلى أن البلاد تواجه واحدة من أكبر أزمات التحصين في العالم نتيجة تداعيات الحرب المستمرة، إذ تجاوز عدد الأطفال الذين فاتتهم التطعيمات الروتينية 1.2 مليون طفل.
وبحسب الوزارة، يجري حاليا تنفيذ برنامج لاستدراك التطعيمات بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمة إنقاذ الطفولة، بهدف الوصول إلى الأطفال الذين انقطعت عنهم خدمات التحصين خلال سنوات النزاع.
وأوضحت الوزارة أنه حتى مايو 2026 تم تطعيم نحو 450 ألف طفل من إجمالي الأطفال الذين فاتتهم التطعيمات، في مؤشر على إحراز تقدم تدريجي رغم التحديات اللوجستية والأمنية الكبيرة التي ما تزال تواجه جهود الوصول إلى جميع الأطفال المستهدفين.
ويشهد السودان منذ منتصف أبريل 2023 حربا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها.








