مقالة خاصة: التنقيب الأثري الصيني-العربي المشترك يفتح آفاقا جديدة للحوار بين الحضارتين الصينية والعربية
بكين 13 يونيو 2026 (شينخوا) عمل علماء الآثار من الصين والدول العربية جنبا إلى جنب في عدد من المواقع الأثرية خلال السنوات الأخيرة، حيث نفذوا مشروعات تنقيب مشتركة وبرامج لحماية التراث الثقافي، ما أسهم في الكشف عن تاريخ التبادلات الحضارية بين الصين والعالم العربي وقدم إسهامات جديدة في استكشاف مسارات تطور الحضارات الإنسانية.
-- تعميق التعاون في التنقيب الأثري المشترك
على أرض مصر العريقة، واصل التعاون الأثري الصيني-المصري توسعه. ففي شهر أغسطس عام 2025، وقّع مركز البحوث الأثرية التابع للهيئة الوطنية الصينية للتراث الثقافي والمجلس الأعلى للآثار بوزارة السياحة والآثار المصرية مذكرة تفاهم بمدينة الإسكندرية المصرية حول التعاون في علم الآثار البحرية وحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، حيث اتفق الجانبان على إنشاء المركز الصيني-المصري للآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه في الإسكندرية، ليُمثّل هذا المركز خطوة مهمة نحو توسيع التعاون الأثري من البر إلى البحر.
وفي شهر أكتوبر من العام نفسه، حصل فريق الآثار التابع لمتحف شانغهاي على ترخيص رسمي من الجانب المصري لإطلاق مشروع مشترك للتنقيب والبحث في معبد الإلهة سخمت بمنف، العاصمة المصرية القديمة. وتعد هذه المرة الأولى التي يحصل فيها فريق آثار صيني على حق التنقيب في قلب موقع منف الأثري.
-- إحياء التراث الثقافي بفضل التكنولوجيا الرقمية
لم تعد الحفريات الأثرية تقتصر على أدوات التنقيب التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية شريكا أساسيا في حماية التراث.
ففي منطقة سقارة الأثري بمصر، استخدم الفريق الصيني-المصري المشترك تكنولوجيات المسح المجهري والتصوير متعدد الأطياف وإعادة البناء ثلاثي الأبعاد لإجراء عمليات توثيق رقمية عالية الدقة لأكثر من ألف تابوت خشبي على هيئة المومياء. وبلغت دقة المسح 0.04 مليمتر، ما أتاح تسجيل أدق تفاصيل الزخارف الملونة وملامح الخشب.
وفي هذا السياق، قال شيويه جيانغ مسؤول الجانب الصيني في مشروع سقارة، إن الجانب الصيني لا يتبنى مفهوم "البحث عن الكنوز"، بل يعتمد على الوسائل العلمية والتكنولوجيات المتقدمة لرقمنة وتوثيق المواقع واللقى والنصوص الأثرية بصورة شاملة، ثم إجراء الدراسات المنهجية وإنشاء قواعد بيانات مفتوحة تُنشر نتائجها باللغات الصينية والعربية والإنجليزية.
وفي موقع غابة بن عروس التونسي، أصبحت أجهزة القياس الديناميكي الفوري التي جلبها الخبراء الصينيون أداة رئيسية في أعمال التنقيب، إذ توفر دقة تموضع تصل إلى مستوى السنتيمتر، ما يهيئ بيانات مكانية عالية الجودة لبناء نماذج رقمية متكاملة للموقع الأثري. وقالت عالمة الآثار التونسية أمينة الفجاني إن المعدات الصينية تتميز بدقة أعلى وسهولة أكبر في التشغيل، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة الأعمال الأثرية وتحسين دقتها، مضيفة أن التعاون مع الخبراء الصينيين يوفر فرصة مهمة للاطلاع على أحدث التكنولوجيات الأثرية.
ولم تقتصر ثمار الرقمنة على الأوساط الأكاديمية، بل وصلت أيضا إلى العامة حيث أصبح بإمكان الزوار في إحدى المدن الصينية اليوم أن يعيشوا تجربة فريدة تتيح لهم "الانتقال" مباشرة إلى الجيزة في مصر، لزيارة الأهرامات واستكشافها من الداخل، دون مغادرة مكانهم. لا تقوم هذه التجربة على الخيال، بل تعتمد على تكنولوجيا الواقع الافتراضي التي تتيح عرض نموذج رقمي للأهرامات بمقياس مطابق للحجم الحقيقي بنسبة واحد إلى واحد، وذلك خلال معرض آثار مصر القديمة وتجربة الفن الرقمي تحت عنوان "هدية نهر النيل"، الذي يقام حاليا في مدينة قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ في جنوبي الصين ويستمر حتى يوم 11 أكتوبر المقبل.
-- تعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك الصيني-العربي من خلال حوار الحضارات
يتجاوز التعاون الأثري حدود البحث العلمي ليصبح جسرا للحوار بين الحضارات. وفي يوم 10 يونيو الجاري، استضافت مدينة هانغتشو حاضرة مقاطعة تشجيانغ بشرقي الصين منتدى للتبادل الثقافي الصيني-المصري بعنوان "الحوار بين حضارات المدن القديمة (هانغتشو-القاهرة) بمشاركة نحو عشرين باحثا من الصين ومصر. واستعرض الباحثون تجاربهم العملية في حماية التراث الثقافي وتحقيق التنمية الحضرية المستدامة، مع تسليط الضوء على دور التكنولوجيات الرقمية في إعادة صياغة آليات الحفاظ على التراث الثقافي وعرضه ودراسته وتعزيز التبادل والتواصل بين مختلف الثقافات.
كما لعبت المعارض المتبادلة دورا بارزا في تقريب الشعوب من تراثها المشترك. فخلال الفترة ما بين يوليو عام 2024 وأغسطس عام 2025، واصل معرض "على قمة الهرم: حضارة مصر القديمة" في متحف شانغهاي جذب أعداد كبيرة من الزوار، فيما عرض جناح "أسرار سقارة" أكثر من 400 قطعة أثرية وبعضها مرتبطة بأعمال التنقيب الصينية-المصرية.
من ضفاف النيل إلى شواطئ المتوسط، يواصل علماء الآثار الصينيون والعرب كتابة فصل جديد من التبادل الحضاري. فالتنقيب المشترك لا يقتصر على استكشاف الماضي، بل يربط بين الماضي والمستقبل، ويجسد روح التعلم المتبادل بين الحضارات، ليسهم في إضاءة الطريق أمام مسيرة الحضارة الإنسانية المشتركة.








