تحقيق إخباري: من رفوف المتاجر إلى مراكز التكنولوجيا.. كيف يتغير الحضور الصيني في الإمارات؟
دبي 22 أغسطس 2026 (شينخوا) عندما يتجول الزائر في أروقة ((سوق التنين)) في دبي، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى كما كان عليه قبل سنوات: متاجر تعرض منتجات صينية متنوعة، وتجار يتفاوضون مع الزبائن، وشحنات تصل تباعاً إلى المحال. لكن نظرة أكثر دقة تكشف أن الحضور الصيني في الإمارات تجاوز منذ فترة طويلة حدود هذا السوق.
وخلال جولة لمراسل وكالة أنباء ((شينخوا))، ظهر جلياً أن المنتجات الصينية باتت جزءاً مألوفاً من خيارات المستهلك اليومية، مع تحول لافت في طبيعة الطلب نحو الأجهزة الإلكترونية والتقنيات الذكية.
ويرى التاجر الإماراتي محمد سالم، الذي يتعامل مع موردين صينيين منذ سنوات، أن "الزبون اليوم لا يسأل فقط عن السعر، بل يبحث عن المواصفات والعلامة التجارية"، مؤكداً أن التعامل مع الموردين الصينيين أصبح "أكثر سهولة وسرعة مقارنة بالسابق".
ومنذ افتتاحه في عام 2004، تحول ((سوق التنين)) إلى أحد أبرز مراكز التجارة الصينية خارج الصين. ويضم السوق أكثر من 6 آلاف متجر، ويستقبل أكثر من 15 مليون زائر سنويا، وفقا للمكتب الإعلامي لحكومة دبي.
لكن الصورة التي رصدها مراسل ((شينخوا)) في دبي لا تتوقف عند المتاجر. ففي شوارع المدينة ومواقف مراكز التسوق، تظهر السيارات الصينية بصورة متزايدة، فيما أصبحت المركبات الكهربائية والهجينة من أبرز المجالات التي تتنافس فيها العلامات الصينية على جذب المستهلك الإماراتي.
وقال المواطن الإماراتي خالد أحمد، الذي اشترى سيارة صينية، إن تجربته غيرت انطباعه السابق عن السيارات المصنوعة في الصين. وأضاف أن "التكنولوجيا والتصميم والمواصفات أصبحت اليوم عوامل أساسية في الاختيار، وليس السعر وحده".
وخلال حديثه مع عدد من المتسوقين، لاحظ المراسل، أن السيارات الصينية لم تعد تصنف باعتبارها خيارا منخفض التكلفة فقط، بل باعتبارها منافسا في مجالات التصميم والتقنيات الرقمية وأنظمة القيادة والمواصفات التي تقدمها للمستهلك.
ولا تقتصر هذه التحولات على المنتجات التي تصل إلى المستهلك النهائي. ففي مناطق الأعمال في دبي، يتزايد حضور الشركات الصينية التي لا تستخدم الإمارة كسوق للبيع فحسب، وإنما كقاعدة للتوسع في أسواق أخرى في الشرق الأوسط وإفريقيا ومناطق مختلفة من العالم.
وتشير بيانات مركز دبي للسلع المتعددة إلى أن عدد الشركات الصينية المسجلة لديه وصل إلى أكثر من ألف شركة حتى اليوم، فيما كان المركز يستضيف نحو 15% من إجمالي الشركات الصينية الموجودة في الإمارات، والمقدر عددها بنحو 6 آلاف شركة.
وقال رجل الأعمال الصيني ليو تشن، الذي يدير شركة تكنولوجية في دبي، إن اختيار الإمارة "لا يرتبط بالسوق الإماراتية وحدها"، موضحا أن موقعها وشبكات النقل والخدمات المالية والتجارية تجعل منها "نقطة مناسبة للانطلاق نحو أسواق المنطقة".
وأضاف أن الشركة تستطيع من دبي "التواصل مع عملاء من دول مختلفة، وفهم احتياجاتهم، ثم تطوير خدماتها بما يناسب هذه الأسواق".
وخلال جولة لمراسل ((شينخوا)) في عدد من مناطق الأعمال بدبي، بدا هذا التحول أكثر وضوحا، فالمكاتب والشركات التي تحمل أسماء صينية لا تعمل كلها في التجارة التقليدية، بل تشمل مجالات التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة والخدمات المالية.
ويقول سعيد منصور، وهو مستورد يتعامل مع شركات صينية، إن طبيعة العلاقة تغيرت أيضا من جانب الشركات الصينية.
وأضاف أن الشركات الصينية "لم تعد تأتي إلى الإمارات فقط لتبيع منتجا، وإنما تبحث عن شريك وموزع ومركز إقليمي وخدمات تساعدها على النمو".
وتوفر الإمارات لهذا التوسع شبكة من الموانئ والمطارات والمناطق الحرة، إلى جانب بنية تحتية رقمية وتجارية تساعد الشركات على إدارة عملياتها الإقليمية من الدولة.
ويظهر انتقال التعاون إلى قطاعات أكثر تعقيدا في مشروع المجمع الهندسي الجديد لطيران الإمارات في دبي الجنوب، الذي تبلغ قيمة استثماره 5.1 مليار دولار، وتتولى شركة بناء السكك الحديدية الصينية تنفيذ أعماله. ويمتد المشروع على مساحة 1.1 مليون متر مربع، ومن المقرر إنجازه بحلول منتصف عام 2030.
وخلال حديثه مع عاملين في قطاع الأعمال في دبي، لمس مراسل ((شينخوا)) أن هذا النوع من المشروعات يعكس مرحلة مختلفة من التعاون، إذ لم تعد الشركات الصينية حاضرة فقط في سلاسل التوريد والتجارة، وإنما أصبحت شريكا في تنفيذ مشروعات بنية تحتية متقدمة.
وقال أحد العاملين في قطاع الخدمات اللوجستية، عمر راشد، إن "الصورة تغيرت كثيرا خلال السنوات الماضية"، مشيرا إلى أن الشركات الصينية التي يتعامل معها أصبحت تقدم "حلولا متكاملة وليس مجرد منتجات".
ولا يقتصر التغير على الشركات والتجارة، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمستهلكين. وقالت المواطنة نورة علي لـ ((شينخوا)) إن المنتجات الصينية أصبحت "موجودة في تفاصيل كثيرة من حياتنا"، من الأجهزة المنزلية إلى السيارات والتقنيات الحديثة.
وأضافت أن التعامل مع المنتجات الصينية "لم يعد مرتبطا بكونها صينية"، موضحة أن المستهلك ينظر أولا إلى الجودة والسعر والمواصفات وما إذا كان المنتج يلبي احتياجاته.
وهذه النقطة تكشف جانبا مهما من التحول؛ فالصين في الإمارات لم تعد تُرى فقط من خلال المنتجات التي تصل إلى الأسواق، بل من خلال الشركات التي تستثمر، والتقنيات التي تستخدم، والمشروعات التي تنفذ، والخدمات التي تتوسع من دبي إلى أسواق أخرى.
وفي ((سوق التنين))، تبدو أبعاد الحضور الصيني بالإمارات أكثر وضوحاً، فما بدأ قبل عقدين كمركز تجاري للمنتجات الصينية، تحول اليوم إلى شراكة اقتصادية أوسع تشمل التكنولوجيا والاستثمار والخدمات.
ومن رفوف المتاجر إلى السيارات الذكية، ومن الشركات التجارية إلى مشروعات الطيران والبنية التحتية، يتغير حضور الصين في الإمارات تدريجيا.
وبينما كان السؤال في السابق عن المنتج الصيني الذي يمكن شراؤه، أصبح السؤال اليوم عن الشركة الصينية التي يمكن أن تستثمر، والتكنولوجيا التي يمكن أن تطور، والمشروع الذي يمكن أن تنفذه من الإمارات إلى العالم.








