مقالة خاصة: تحت جنح الظلام .. عائلات فلسطينية تغادر منازلها مع بدء عملية عسكرية إسرائيلية في الخليل

مقالة خاصة: تحت جنح الظلام .. عائلات فلسطينية تغادر منازلها مع بدء عملية عسكرية إسرائيلية في الخليل

2026-10-24 23:03:45|xhnews

رام الله 24 أكتوبر 2026 (شينخوا) لم ينتظر إبراهيم النتشة حلول الصباح، إذ أيقظ الرجل أبناءه الثلاثة على عجل، وجمع ما استطاع حمله من أمتعتهم القليلة قبل أن يغادر "مكرها" منزله في حي الجلدة بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية تحت جنح الظلام.

وجاء نزوح النتشة بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي بدء عملية عسكرية في الخليل عقب هجوم أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، قائلا إن منفذي الهجوم قدموا من المنطقة المستهدفة.

وقال الجيش في بيان ليل الجمعة السبت إن قواته "بدأت عملية لإحباط الإرهاب في منطقة مدينة الخليل، التي خرج منها الإرهابيان اللذان تم القضاء عليهما خلال الاشتباك الذي سقط فيه جنديان ... وأُصيب آخرون الجمعة".

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب الهجوم، اعتزام الجيش إخلاء سكان حي في مدينة الخليل وتفتيش منازله، دون أن يحدده.

وقال نتنياهو، في بيان مصور من موقع الهجوم، "سنخلي السكان، وسنفتش منزلًا تلو الآخر، وسنصادر الأسلحة، وسيتم التعامل مع جميع البنى التحتية للإرهاب وتدميرها"، مضيفا أن الإجراءات ستشمل "تدمير هذا المكان وتغييره بالكامل".

ووفق مصادر أمنية ومحلية فلسطينية، أجبر الجيش الإسرائيلي فجر اليوم عائلات فلسطينية على إخلاء منازلها في منطقتي الجلدة ودير بحة بمدينة الخليل.

وقالت المصادر ل((شينخوا)) إن قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي اقتحمت المنطقتين وحاصرتهما وأجبرت عشرات العائلات على إخلاء منازلها.

وأضافت أن القوات الإسرائيلية طلبت عبر مكبرات الصوت من السكان مغادرة منازلهم، وحددت ثلاثة منافذ للخروج بعد إخضاع الأهالي للتفتيش والاستجواب الأمني.

وفي ظل ضيق الوقت، اصطحب النتشة البالغ من العمر (47 عاما) عائلته إلى منزل شقيقه في حي مجاور.

ويقول النتشة لوكالة أنباء ((شينخوا)) "اضطررت إلى إيقاظ أطفالي في منتصف الليل وإخبارهم بأن علينا مغادرة منزلنا. لم يكن هناك وقت للاستعداد أو أخذ كل ما نحتاج إليه".

ويضيف "أكثر ما آلمني هو رؤية أطفالي يغادرون دون أن يدركوا سبب رحيلهم أو متى يمكنهم العودة ؟. كأب، ترغب في حماية أطفالك ومنحهم شعوراً بالأمان، لكنني لم أستطع إخبارهم بما سيحدث بعد ذلك".

ولم تقتصر معاناة النتشة على مغادرة منزله في منتصف الليل، بل امتدت إلى القلق بشأن موعد عودة عائلته إليه.

وتابع "منزلنا هو محور حياتنا، ففيه يشعر أطفالنا بالراحة، ونحتفظ فيه بمقتنياتنا وذكرياتنا. لا نعرف كم سنبقى بعيدين عنه، وهذا الغموض يشكل عبئاً ثقيلاً علينا جميعا"، آملا أن تنتهي العملية العسكرية قريبا وأن تتمكن عائلته من العودة إلى منزلها.

وتتشابه تجربة النتشة مع تجارب مئات العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت وطأة أصوات الرصاص والانفجارات الناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ومن بين هؤلاء سهيلة الهشلمون، التي غادرت منزلها برفقة طفليها.

وتقول الهشلمون البالغة من العمر (30 عاما) إن السكان خضعوا لعمليات تفتيش أمني واستجواب قبل السماح لهم بالمغادرة، الأمر الذي زاد من حدة القلق والتوتر خلال تلك الليلة.

وتضيف "غادرت منزلي وأنا أذرف الدموع، واصطحبت طفليّ معي. حدث كل شيء فجأة، واضطررنا إلى المغادرة دون أن نعرف ما سيحل بمنزلنا أو متى سيُسمح لنا بالعودة إليه".

وبالنسبة إلى الهشلمون، كان التعامل مع أسئلة طفليها بشأن موعد العودة من أصعب جوانب التجربة، خصوصا أنها لا تعرف ما يخبئه المستقبل.

وتضيف "كانا يسألاني باستمرار: متى سنعود إلى المنزل؟ كيف يمكنني الإجابة عنهما وأنا لا أعرف ماذا سيحدث غدا؟".

وتتابع "كأم... إن أصعب ما يمكن أن أواجهه هو رؤية الخوف في عيون أطفالي والعجز عن طمأنتهم. إنهم يريدون الشعور بالأمان، وكل ما بوسعي فعله هو البقاء إلى جانبهم، على أمل أن نتمكن من العودة إلى منزلنا قريبا".

ولم تخف الهشلمون قلقها بشأن منزل عائلتها وممتلكاتها التي تركتها خلفها.

وتقول "عندما تغادر منزلك، فإنك تترك خلفك ذكرياتك والمكان الذي يشعر فيه أطفالك بالانتماء. وتظل تتساءل عما قد يحل بمنزلك وأنت بعيد عنه. لا نريد شيئاً سوى العودة والعيش دون خوف".

ووفق الجيش الإسرائيلي، تتركّز عمليته العسكرية في نطاق محدّد، يشمل المنطقة التي انطلق منها منفذا هجوم الجمعة، ومن المتوقع أن تستمر عدة أيام.

وكانت عائلتا النتشة والهشلمون من بين نحو 500 عائلة فلسطينية نزحت من منطقة الجلدة عقب بدء العملية العسكرية الإسرائيلية، وفقاً لرئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة.

وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي إيلا واوية، في بيان إن الجيش وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) وحرس الحدود ينفذون عمليات تفتيش في المنطقة.

وأوضحت أن قوات الجيش تبحث عما وصفته بـ"بنية تحتية إرهابية" ومعدات قتالية، وتستجوب عشرات المشتبه بهم.

وفيما تتواصل العملية العسكرية، تبرز المخاوف بشأن تداعياتها على السكان وممتلكاتهم.

ويقول أبو سنينة لـ((شينخوا)) إن منطقة الجلدة، التي تمتد على مساحة تقارب 35 هكتارا، تقع ضمن "المنطقة أ" وفقا لاتفاقيات أوسلو، وهي منطقة تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية.

ويشير إلى أن الحي يضم منازل سكنية ومباني تضم شققاً سكنية، واصفا إجبار السكان على مغادرة منازلهم بأنه "عقاب جماعي".

وفي إطار العملية العسكرية، هدمت القوات منشآت تجارية وصناعية ومنزلا مكونا من ثلاثة طوابق في منطقة مجاورة مصنفة ضمن "المنطقة ج"، كما تعرضت شبكات المياه والطرق والأرصفة للتخريب أو التدمير، بحسب أبو سنينة.

وأفادت مصادر أمنية وشهود عيان بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت 13 فلسطينيا خلال العملية، وأغلقت مداخل مدينة الخليل والقرى والبلدات ومخيمات اللاجئين المحيطة بها.

وفي حادثة منفصلة يوم الجمعة، هدمت القوات الإسرائيلية مبنى سكنيا في منطقة فرش الهوى غرب الخليل، وفرضت طوقا على المنطقة المحيطة به، بما في ذلك مدخلها الرئيسي، ما منع السكان والمركبات من الدخول إليها أو الخروج منها، وفق مصادر فلسطينية محلية.

وفي مواجهة تداعيات النزوح، أنشأت السلطات المحلية مركز عمليات طوارئ لمتابعة أوضاع العائلات المتضررة وتقييم احتياجاتها.

ويقول محافظ الخليل خالد دودين، لـ((شينخوا)) إن التطورات الأخيرة تندرج، بحسب وصفه، ضمن سياسة أوسع للعقاب الجماعي.

كما وضعت بلدية الخليل فرق المياه والكهرباء والصرف الصحي والصيانة التابعة لها في حالة تأهب قصوى، وفعّلت غرفة عمليات تعمل على مدار الساعة.

وأعلنت أيضاً عن خطط لإنشاء مراكز إيواء وتوفير الاحتياجات الأساسية، بالتنسيق مع المنظمات الصحية والإنسانية، بحسب دودين.

وعلى الصعيد السياسي، حذرت الحكومة الفلسطينية من تصاعد الإجراءات الإسرائيلية في أنحاء الضفة الغربية، مشيرة إلى أن أكثر من 40 ألف فلسطيني أُجبروا على مغادرة منازلهم في مخيمات اللاجئين والمدن منذ بداية عام 2025، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل.

بدورها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عمليات المداهمة والاعتقال والهدم والإخلاء القسري، مطالبة بتحرك دولي.

ويرى المحلل السياسي ومدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية أحمد رفيق عوض، أن العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل تعكس مسعى الحكومة الإسرائيلية اليمينية إلى إعادة تشكيل الأوضاع على الأرض وتوسيع سيطرتها على الضفة الغربية، في إطار سياسة تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة للعملية.

ويقول عوض لـ((شينخوا)) إن تهجير السكان وهدم المنازل عقب مقتل الجنديين الإسرائيليين لا يمكن فصلهما عن السياسات الإسرائيلية الأوسع في الضفة الغربية.

واعتبر أن استغلال الهجمات الأمنية لتوسيع العمليات العسكرية وفرض واقع جديد على الأرض يثير مخاوف بشأن مستقبل الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.

ويضيف أن إجبار مئات العائلات على مغادرة منازلها لا يمثل مجرد تداعيات جانبية للعملية العسكرية، بل يطرح تساؤلات جدية بشأن أهدافها الحقيقية وانعكاساتها على السكان الفلسطينيين.

ويحذر عوض من أن استمرار هذه الإجراءات، بالتزامن مع هدم المنازل والمنشآت وتشديد القيود على الحركة، قد يؤدي إلى تعميق معاناة السكان وتغيير طبيعة الحياة في المناطق المستهدفة، في ظل غياب ضمانات واضحة تسمح للعائلات بالعودة إلى منازلها بعد انتهاء العملية العسكرية.

الصور