القاهرة 5 نوفمبر 2016 (شينخوا) تعتبر مهنة "النحاسين" من أقدم الحرف في مصر، لكنها تقاوم لمواجهة الانقراض، بسبب تضاؤل عدد الصنايعية، واختلاف نمط حياة المصريين الذين باتوا يعتبرون المصنوعات النحاسية مجرد قطع فنية للزينة، إلى جانب ارتفاع أسعار الخامات.
ويتواجد "حي النحاسين" في نهاية شارع المعز لدين الله بالقاهرة الفاطمية، حيث يزخر بعدد من الورش والمعارض المتخصصة فى المشغولات النحاسية.
ويحكى هذا الحي تاريخ المهنة في مصر، حيث كان تجار النحاس يتمركزون فيه منذ العصر الفاطمي، لبيع وتصنيع المشغولات النحاسية.
ويرجع تاريخ هذا الشارع إلى العام 969، أي منذ إنشاء القاهرة الفاطمية.
ويقوم النحاسون بتشكيل خام النحاس لاستخدامه فى صناعة الأوانى النحاسية والتحف، عبر عدة مراحل هي الخراطة والسمكرة ثم اللحام فالتلميع والتشطيب.
"شغل النحاس كل ما يمر عليه سنوات سعره وقيمته تزيد، لكن الحصول على صنايعي ماهر عمله نادرة، ولو ظلت الأسعار ترتفع بهذا الشكل الجنوني سوف أغلق بكل تأكيد"، قال مدحت إبراهيم العسكرى صاحب شركة (العسكرى للمشغولات النحاسية).
وأنشئت شركة العسكري للمشغولات النحاسية في عام 1957 بحي النحاسين، وتملك أشهر الورش هناك.
وورث مدحت المهنة أبا عن جد.
وأضاف العسكري لوكالة أنباء (شينخوا)، إن أسعار الخامات النحاسية تزيد بشكل جنوني، وكذلك أجور العاملين، الذين نعاني من قلة عددهم، لأن الصنايعية الكبار لم يعلموا أولادهم المهنة.
وتابع " نادر جدا أن تجد صنايعى ماهر يعلم ابنه الحرفة، لأن الأجيال الحالية تحب أعمال المكاتب والكمبيوتر".
ووصف الإقبال على شراء المنتجات النحاسية في الوقت الراهن بـ" الضعيف"، مضيفا " إن هذه المرحلة من أصعب الفترات التى مرت علينا بسبب ارتفاع اسعار الخامات خلال الثلاثة أشهر الماضية بنسبة 100 %"، كما أن بعض الخامات اختفت من الأسواق.
وأردف إن " المبيعات تراجعت بنسبة 85 %، بينما متوسط أجر العامل يتراوح بين 100 و 200 جنيه يوميا".
وحول طبيعة زبائنه في الوقت الحالي، قال إن كل فترة لها زبونها، فالمهنة في الماضي لم تكن بالتطور الذى تشهده الآن، لأن الامكانيات في الماضي كانت محدودة، أما حاليا فتوجد تصميمات جديدة وامكانيات مختلفة مثل شغل البلازما والليزر.
وأضاف إن أغلب زبائني مهندسو ديكور، يطلبون تصميمات معينة، بينما توقفت الفنادق تماما عن طلب المشغولات النحاسية.
وأوضح مدحت العسكري إن دخله يعتمد حاليا على التصدير إلى بعض الدول العربية.
وواصل " شغلنا مميز، ونقوم بالتصدير رغم المنافسة مع بعض الدول مثل المغرب والهند وباكستان، لنا باع أكبر فى تنوع المشغولات النحاسية ".
غير أنه عاد مشيرا إلى أن طلبيات التصدير انخفضت حاليا بنسبة 70 %.
وبين أن أعمال النحاس اليدوى هي المطلوبة حاليا فى السوق المصري وحتى الأجنبى، لأن قيمته تزيد كلما مر عليه سنوات.
ووجه رسالة للحكومة، بقوله " نعاني من قلة العمالة، وليس هناك دور للحكومة التى لا تستطيع توفير الخامات بسعر مناسب، فكيف ننافس ونصدر؟ ".
وانتقد إهمال الحكومة للتعليم الفني، ونقص المدارس الفنية في مصر، التي تعاني في جميع المهن اليدوية، حسب قوله.
الحال لم يختلف كثيرا بالنسبة لأحمد سراج (45 عاما) مالك ورشة للمشغولات النحاسية، قائلا " اعمل في هذا المجال منذ 22 عاما، لأني أحب المهنة، لكن للأسف الوضع سيئ ".
وينتقد سراج الذي يعمل فى ورشته ثلاثة عمال، مشكلة نقص العمالة، وارتفاع أسعار خامات النحاس بنسبة 90 % بسبب أزمة الدولار.
وأضاف " اتفق مع الزبون على سعر، وفي اليوم التالي أجد نفسي خسران بسبب زيادة الأسعار شبه يوميا ".
وواصل إن " الإقبال على الشراء كان جيدا، لكنه الآن ضعيف بسبب الأسعار، فمثلا القطعة التى كانت بمائة جنيه حاليا أصبحت بـ 180 جنيها".
وقال " صديقي حرفي ممتاز، لكنه أغلق ورشته منذ شهرين بسبب ارتفاع الأسعار وأجر العامل الماهر، وأنا أحاول المقاومة على قدر ما استطيع".
وأردف " أكيد لو ظل الوضع على هذا الحال المهنة فى طريقها للانقراض"، وطالب الحكومة بالتدخل لحماية المهن الحرفية من خلال دعم التعليم الفنى وضبط أسعار السوق.
أما خيرى عبد العليم (52 عاما)، مالك مطعم فى محافظة المنيا جنوب القاهرة، فيقول إنه يأتي إلى حى النحاسين كل ثلاثة أشهر تقريبا، من أجل شراء مستلزمات المطعم من الأشغال النحاسية.
لكن عبدالعليم تفاجأ هذه المرة بالأسعار التي ارتفعت بنسبة أكبر من 90 %.
وختم " اشتريت 50 % فقط من مستلزماتى بسبب ارتفاع الأسعار ".





