رأي ضيف: من أجل تجنب "وضع الخسارة للجميع"... يحتاج الغرب إلى قدر أعمق من التفكير
بقلم: تسوي هونغ جيان
يؤكد تقرير ميونيخ للأمن لعام 2024 الذي صدر حديثا أن العالم ينحدر إلى "وضع الخسارة للجميع". فهل هذا التقييم دقيق؟ وأي نوع من عقلية الغرب، وأوروبا على وجه الخصوص، يعكسها هذا التقرير؟
إذا قمنا بإلقاء نظرة على مؤتمرات ميونيخ للأمن في السنوات الأخيرة، فسنجد أنها تقاسمت مسألة التفكير هذه. وينطبق الشيء نفسه على العام الجاري. ومن الإنصاف القول إن التقييم الدال على وضع "الخسارة للجميع" دقيق إلى حد ما.
لقد دخل العالم اليوم فترة من الاضطراب والتحول. ويميل المراقبون الغربيون إلى الاعتقاد بأن الوضع الدولي الحالي فوضوي أو حتى معطل.
ولهذا السبب استخدم التقرير عددا من المفاهيم المتعارضة لوصف ملاحظاتهم، مثل "متفائل" و"متشائم" و"فوائد مطلقة" و"مكاسب نسبية"، وليقول إنه "في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية وتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي، لم تعد العديد من الحكومات تركز على الفوائد المطلقة للتعاون العالمي، وإنما أصبحت قلقة بشكل متزايد من أن تكسب أقل من غيرها".
فالعلاقات الدولية، في نظرهم، يُنظر إليها بصورة متزايدة من منظور المنافسة والمواجهة، وليس من منظور التعاون المتفائل نسبيا والمربح للجميع، في سياق مضي العولمة قدما.
والسبب الذي يجعلني أرى أن هذا التقييم صحيح جزئيا هو أن التفكير في الغرب يقوم على المركزية الغربية.
فمن ناحية، يبدو أنهم يدركون أن النظام العالمي، الذي يتمحور حول الغرب ويهمش البقية، أصبح من الصعب بشكل متزايد الإبقاء عليه. واستنادا إلى هذا الحكم العقلاني، يجب أن يقبلوا بعالم متعدد الأقطاب لا مركزي أو ناشئ، وعليهم أن يتعاملوا بجدية مع صعود دول وقوى غير غربية على قدم المساواة.
ولكن من ناحية أخرى، لا يمكنهم قبول فكرة التخلي عن مركز الصدارة في العالم. لذلك، يعاني الغرب من شعور قوي بالخسارة والإحباط، بينما لا يزال يحاول أن يظل على ثقته في نفسه.
وبالتالي، يقترح التقرير ضرورة أن تسعى "الدول ذات التفكير المتماثل" إلى القيام بـ"عمل متوازن"، "يجعل السعي إلى تحقيق منافع متبادلة مقتصرا بشكل انتقائي على الدول ذات التفكير المتماثل سياسيا". وهذا في جوهره ليس سوى استمرارية للحفاظ على هيمنتهم باسم ما يسمى بالنظام العالمي القائم على القواعد.
إذا كان الغرب يهدف حقا إلى التغلب على التحديات التي تواجه التنمية العالمية، فعليه أن يتخذ خطوة أخرى في مسألة تفكيره.
الأمر الأول يتلخص في إعادة التفكير في العلاقات بين القوى الكبرى في العالم، وهو ما قد يحدد ما إذا كان العالم سيواصل الخوض في وحل "وضع الخسارة للجميع"، أو ما إذا كان بوسعه أن يجد مخرجا.
إن إعادة هيكلة العلاقات الدولية بين الغرب وبقية بلدان العالم توفر لنا مثل هذا المخرج. بعبارة أخرى، تحتاج القوى الكبرى إلى إقامة علاقة صحية أو صحيحة مع الدول الأخرى، وخاصة الجنوب العالمي.
وتؤكد بكين دائما، من منظورها، أن العلاقات بين القوى الكبرى يجب أن تضع المسؤولية والمساءلة في المقدمة والمركز، بدلا من السعي وراء الهيمنة أو الثروة العالمية.
وثمة نقطة أخرى تتمثل في أنه بينما تشترك القوى الكبرى في العالم في قواسم مشتركة، فإنها تختلف أيضا في العديد من الجوانب. لذا، ينبغي أن تحاول إيجاد توازن بين القواسم المشتركة والاختلافات خلال تفاعلاتهما.
في الوقت الحاضر، يميل الغرب إلى المبالغة في التأكيد على اختلافاته مع بقية العالم، مثل الاختلافات السياسية-المؤسسية والاختلافات الإيديولوجية. وهذا يقوض إقامة علاقات صحية.
ولكي تعمل الدول الكبرى معا، يتعين عليها أن تحترم بعضها بعضا وتعتبر اختلافاتها مقبولة لدى بعضها البعض.
وأخيرا، ينبغي على القوى الكبرى في العالم ألا تضع طاقتها فقط في السعي إلى تحقيق مصالحها الخاصة؛ بل ينبغي عليها أن تعطي الأولوية للجهود الرامية إلى مساعدة العالم على التغلب على مختلف المشكلات.
وإذا ما سمحوا لأنفسهم بالانزلاق إلى فخ المواجهة بين القوى الكبرى، فإن هذا من شأنه أن يجعل العالم مكانا أشد خطورة.
إن تعزيز التعاون بين القوى الكبرى ليس بالأمر السهل، ولكنه ضروري حقا. وينبغي أن تشكل استعادة الثقة وبناء الاحترام المتبادل الخطوتين الأوليين في هذا الصدد.
ملحوظة المحرر: تسوي هونغ جيان، أستاذ في أكاديمية الحوكمة الإقليمية والعالمية بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين ونائب رئيس الرابطة الصينية للدراسات الأوروبية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة مواقف وكالة أنباء ((شينخوا)).








