مقالة خاصة: شي جين بينغ.. رائد الإصلاح
بكين 15 مارس 2024 (شينخوا) أطلق الزعيم الصيني شي جين بينغ النفير مدويا بالدعوة للإصلاح خلال الموسم السياسي السنوي الرئيسي في البلاد، مبددا المخاوف بشأن ما إذا كان الإصلاح في الصين "يشهد ركودا"، أو أن اقتصاد البلاد "يفقد زخمه".
وقال الرئيس شي في الدورة السنوية لأعلى هيئة تشريعية والدورة السنوية لأعلى هيئة استشارية سياسية في الصين، فيما يطلق عليهما اسم "الدورتين"، واللتين اختتمتا يوم الاثنين الماضي، "يجب أن نخطط لتحركات كبيرة لتعميق الإصلاح وضخ قوة دافعة قوية نحو تعزيز التنمية عالية الجودة ودفع التحديث الصيني النمط".
ومنذ تولي شي مقاليد السلطة قبل أكثر من عقد من الزمان، ولجت الصين إلى "عصر جديد"، حيث نمت القوة الاقتصادية للبلاد، واستمر نفوذها الدولي في الصعود، فيما يعد الإصلاح السمة المميزة لهذا العصر.
وفي مواجهة عدد لا يحصى من التحديات، تمر الصين الآن بفترة حرجة لتسريع الإصلاح.
-- الإصلاح لن يتوقف، والانفتاح لن ينتهي
يعتبر شي رائدا بارزا آخر للإصلاح في الصين بعد سلفه الراحل دنغ شياو بينغ.
واجه القائدان نفس المهمة -- تحديث الصين، لكن في ضوء خلفيات متباينة على نحو هائل.
عندما أطلق دنغ عملية الإصلاح والانفتاح في أواخر السبعينات من القرن العشرين، كان معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين 200 دولار أمريكي فقط. وبدأت جهوده الإصلاحية من الصفر تقريبا.
وفي عام 2012، عندما انتخب شي لشغل منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، كانت الصين قد أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع تجاوز معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 6000 دولار أمريكي. غير أن نموها كان يغير محركاته، فضلا عن أن العديد من المزايا، بما في ذلك تكاليف العمالة التي كانت منخفضة، كانت قد بدأت في التضاؤل.
وبدلا من الاعتماد على أمجاد أسلافه، ظل شي ملتزما بمواصلة الإصلاح، وكان يدرك مدى صعوبة المهمة.
وقال: "لقد تم إنجاز الجزء السهل من المهمة إلى الحد الذي يرضي الجميع. وما تبقى هي عظام صلبة يصعب مضغها".
على مدى العقد الماضي، تم تنفيذ أكثر من 2000 إجراء للإصلاح، مما مكن البلاد من القضاء على الفقر المدقع وتعزيز التنمية الحضرية والريفية المتكاملة ومكافحة الفساد ودعم الأعمال وتعزيز الابتكار ودفع "الثورة الخضراء" إلى الأمام.
وبفضل هذه الإجراءات، لم يحافظ الاقتصاد الصيني على نمو قوي فحسب، بل زاد أيضا بأكثر من الضعف منذ عام 2012، مما عزز مكانة الصين العالمية كمساهم رئيسي في النمو.
تمر الصين حاليا بمنعطف حاسم، حيث يقود شي البلاد لتحقيق المطمح المتمثل بـ"التحديث الصيني النمط"، بينما يواجه تحديات كبيرة بما فيها الضغط النزولي للاقتصاد في أعقاب جائحة كوفيد-19، وتزايد الحمائية والكبح من جانب الدول الغربية، والمخاطر المرتبطة بقطاع العقارات وديون الحكومات المحلية وبعض المؤسسات المالية الصغيرة والمتوسطة الحجم.
وأكد شي مجددا على أهمية الإصلاح في جلسة دراسة جماعية للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في وقت سابق من هذا العام. وبعد أسابيع، شدد شي في "الدورتين" على تعميق الإصلاح في مختلف القطاعات "لإزالة الحواجز التي تعيق تطوير القوى الإنتاجية الحديثة النوعية".
كما تم إبراز الدور الحاسم للإصلاح في تقرير عمل الحكومة للعام الجاري.
وخصص التقرير قسما لتعميق الإصلاح، مع التركيز على تحقيق تحسينات بالنظم التي يقوم عليها اقتصاد السوق الاشتراكي، مثل حماية حقوق الملكية والوصول إلى الأسواق والمنافسة العادلة والائتمان الاجتماعي. وذكر "في نهاية المطاف، تعتمد التنمية عالية الجودة على الإصلاح".
وعند استعراض السنوات الماضية، نجد أن التزام شي بالإصلاح ظل نهجا ثابتا.
فعندما لم يبلغ حتى الـ16 عاما من العمر، تم إرساله إلى قرية ليانغجياخه في مقاطعة شنشي بشمال غربي البلاد للقيام بأعمال زراعية. عانى من الجوع هناك. كان دنغ حينما أطلق عملية الإصلاح، قد قال إن الصين لا يمكن أن تظل فقيرة. وكان هدف شي في ذلك الوقت هو ضمان حصول زملائه القرويين على ما يكفي من الطعام.
ومثل دنغ، تنبع إرادة شي للإصلاح أيضا من تطلع الشعب إلى حياة أفضل. وهدفت تدابير الإصلاح التي نفذها في ليانغجياخه، بما في ذلك إدخال الغاز الحيوي، وإنشاء متجر للحدادة وفتح متجر لبيع الضروريات اليومية، إلى تحسين معيشة القرويين.
ويأتي التزام شي بالإصلاح تأثرا بوالده، شي تشونغ شيون، أحد رواد الإصلاح والانفتاح. ففي عام 1978، تم إرسال شي الأب إلى مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين كمسؤول رئيسي، وساعد لاحقا في بناء الدفعة الأولى من المناطق الاقتصادية الخاصة في البلاد بما في ذلك شنتشن.
وفي عام 1978 أيضا، كلف شي تشونغ شيون ولده شي، الذي كان يدرس في جامعة تسينغهوا، بإجراء بحث ميداني حول نظام المسؤولية التعاقدية الأسرية في مقاطعة آنهوي، حيث ملأ دفترا كاملا بالملاحظات، واحتفظ به لسنوات عديدة.
وتعززت سمعة شي كرائد للإصلاح مع تقدم حياته السياسية.
وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، أطلق شي تجارب للإصلاح في محافظة تشنغدينغ الفقيرة بمقاطعة خبي في شمالي الصين، والتي بدأها بتجربة عقود الأراضي الريفية، وهو ما جعل تشنغدينغ أول مكان في تلك المقاطعة يتبنى هذه الممارسة، التي تم اختبارها بالفعل في المقاطعات الجنوبية.
ووصف مقال نشر في مجلة "شباب الصين" في عام 1985 ذلك التحول في المحافظة، لافتا إلى قول أمين للجنة الحزب بمحافظة في مقاطعة مجاورة، كان قد زار تشنغدينغ: "هنا، لا تسمع الناس يتغنون بـ "الإصلاح، لكنك ترى الإصلاح يتحقق في كل مكان".
وعند تأمله الإصلاحات التي جرت في تشنغدينغ، قال شي "بالنظر إلى تلك السنوات، فإن أحد الإنجازات التي حققناها هو تحرير فكرنا".
وبعد عمله في تشنغدينغ، تم تكليف شي بالعمل في شيامن، وهي منطقة اقتصادية خاصة في مقاطعة فوجيان، حيث قاد شي جهود تأسيس أول بنك بتمويل مشترك في الصين، بنك شيامن الدولي. وبعد توليه منصب حاكم فوجيان، قاد شي مبادرة إصلاح الحيازة الجماعية للغابات، والتي تم تعميمها لاحقا على مستوى البلاد. وتُعرف هذه المبادرة بأنها خطوة ثورية أخرى للمناطق الريفية في الصين بعد نظام المسؤولية التعاقدية الأسرية.
وخلال الفترة التي قضاها في مقاطعة تشجيانغ، اقترح شي مبادرة مبتكرة لتعزيز التنمية من خلال التحديث الصناعي. ودعم بنشاط الشركات الخاصة، وشجع رجال الأعمال على "القدوم مباشرة" إلى مكتبه من أجل الأمور المهمة. كما وسع نطاق الإصلاحات في تشجيانغ إلى ما وراء المجال الاقتصادي، لتشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية والإيكولوجية.
وتركت صورة شي الإصلاحية انطباعا عميقا لدى الشخصيات الدولية. وفي سبتمبر 2006، قام هنري بولسون، وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، بزيارة إلى الصين واختار هانغتشو، حاضرة مقاطعة تشجيانغ، كمحطة أولى لزيارته. واعتبر شي "الخيار الأمثل" لاجتماعه الأول في الصين، واصفا إياه بأنه "من النوع الذي يعرف كيف يحقق الأهداف".
وروى بولسون في وقت لاحق أنه خلال الاجتماع مع شي في عام 2014، صرح الزعيم الصيني قائلا: "ينصب اهتمامي بشكل أساسي على الإصلاح والقضايا ذات الصلة".
وبعد توليه أعلى منصب في الحزب في عام 2012، ذهب شي في أول جولة تفقدية داخلية له إلى شنتشن، مقتفيا بذلك خطى والده. وهناك، وضع أكليلا من الزهور أمام التمثال البرونزي لدنغ شياو بينغ في حديقة ليانهواشان، معلنا التزامه الراسخ بالإصلاح، وقال "الإصلاح لن يتوقف، والانفتاح لن ينتهي!"
وتعتبر الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الـ18 للحزب الشيوعي الصيني، التي عقدت في عام 2013 تحت قيادة شي، علامة فارقة، على غرار الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الـ11 للحزب الشيوعي الصيني في عام 1978 تحت قيادة دنغ، والتي استهلت عصر الإصلاح. ومثل حدث عام 2013 فجر عصر جديد من الإصلاح.
وخلال الجلسة المذكورة، عدد شي سلسلة من التحديات التي تواجه تنمية الصين، بما في ذلك الفساد والتنمية غير المستدامة والقضايا البيئية. وشدد على أن "مفتاح معالجة هذه المشاكل يكمن في تعميق الإصلاح".
ووافقت الجلسة على قرار بشأن "القضايا الرئيسية المتعلقة بتعميق الإصلاحات بشكل شامل". وعلقت صحيفة إسبانية بأن شي بدأ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية الأكثر عمقا في الصين على مدى 30 عاما.
وبعد أكثر من شهر، أعلنت الصين قرار إنشاء المجموعة القيادية المركزية لتعميق الإصلاح الشامل، التي ترأسها شي. وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ الحزب التي يتم فيها إنشاء هيئة قيادية مكرسة حصريا للإصلاح على المستوى المركزي. وفي وقت لاحق، تطورت هذه المجموعة إلى اللجنة المركزية لتعميق الإصلاح الشامل، والتي يترأسها شي.
-- المغامرة في الجبل على الرغم من معرفة وجود نمور
استندت الإصلاحات التي قادها شي إلى اعتبارات مدروسة مستمدة من ممارسته على مدار سنوات عديدة، وكذلك مجموعة كاملة من التصاميم رفيعة المستوى.
لقد استحضر شي المثل الصيني القديم القائل: "نبذ ما عفا عليه الزمن لصالح الجديد" للدعوة إلى العمل"، مؤمنا بأن الإصلاح والابتكار من الجينات الثقافية المتأصلة لدى الأمة الصينية.
وكان لدى شي رؤية واضحة فيما يتعلق باتجاه الإصلاح. وقد حذر من استنساخ الأنظمة السياسية لبلدان أخرى، وقال ذات مرة إن الإصلاح الذي ينكر التوجه الاشتراكي لن يؤدي إلا إلى "طريق مسدود".
وقال: "ما لا يمكن تغييره يجب أن يبقى دون تغيير بحزم".
وبالنسبة إلى ما يجب تغييره، طالب شي باتخاذ إجراءات حازمة، وحث على تهيئة الظروف للإصلاح حتى وإن لم تكن موجودة بعد. وتضمنت المهام التي يجب القيام بها، القضاء على جميع العراقيل التي تقيد حيوية كيانات الأعمال وتعيق تأدية السوق لدوره الكامل.
وعلى نحو غير مسبوق من النطاق والحجم والكثافة، غطت إصلاحات شي المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والإيكولوجية ومجال بناء الحزب.
وطور شي منهجية للإصلاح في العصر الجديد: "التعامل بشكل صحيح مع العلاقات بين تحرير العقل والبحث عن الحقيقة من الوقائع؛ والتقدم الشامل وتحقيق اختراقات في المجالات الرئيسية؛ والتصميم عالي المستوى وعبور النهر من خلال تحسس الحجارة؛ والجرأة والحفاظ على وتيرة ثابتة؛ وكذلك الموازنة بين الإصلاح والتنمية والاستقرار".
وشدد على متابعة الإصلاح بطريقة منهجية وشاملة ومنسقة واحترام الروح الرائدة للشعب. كما طلب من المسؤولين "إنشاء الجديد قبل التخلص من القديم" وضمان التوقيت المناسب للإصلاح ووتيرته لتحقيق نتائج جيدة.
وقال مسؤول من شنشي "لقد صحح شي عقلية قياس نجاح التنمية ببساطة من خلال نمو الناتج المحلي الإجمالي ومكن الإصلاح من تقليص المصالح الخاصة لبعض الناس".
وأشار المسؤول إلى أن شي أصدر ستة تعليمات باتخاذ إجراءات صارمة ضد البناء غير القانوني للفيلات من قبل مسؤولين بالتواطؤ مع الشركات في المحميات الطبيعية لجبال تشينلينغ. ما عكس المقاومة المحلية التي واجهها الإصلاح في المجال الإيكولوجي في ذلك الوقت.
وظل شي يدفع بالإصلاح وسط الظروف المعاكسة وكان عليه تحطيم أسوار المصالح الذاتية. وقال: "نحن بحاجة إلى الشجاعة للمغامرة في الجبل على الرغم من معرفتنا الجيدة بوجود نمور والمضي قدما في الإصلاح باستمرار".
وعلى مدار العام الذي أصبح فيه شي الأمين العام، حدث فساد شراء الأصوات في انتخاب المشرعين أو مسؤولي الحزب في مقاطعات لياونينغ وهونان وسيتشوان.
وقال مسؤول محلي إن "المسؤولين الفاسدين سمحوا للشركات التي تدفع رشاوى بالحصول على مشروعات بشكل غير قانوني أو التلاعب بالسوق"، مشيرا إلى مخاوف بشأن بيئة الأعمال في المناطق الصناعية القديمة بالمقاطعات الواقعة بشمال شرقي البلاد في ذلك الوقت.
وأطلق شي "عاصفة" غير مسبوقة لمكافحة الفساد. وتفيد مكافحة الفساد في تنقية "البيئة السياسية" وكذلك "البيئة الاقتصادية" وتفضي إلى تقويم نظام السوق وإعادة السوق إلى ما ينبغي أن يكون عليه، حسبما قال المسؤول المحلي.
وتتواصل حملة "عدم التسامح مطلقا" لمكافحة الفساد. وفي عام 2023، امتدت إلى قطاعات، بما فيها المالية والحبوب الغذائية والرعاية الصحية وأشباه الموصلات وحتى الرياضة.
وتم التحقيق مع أو توجيه الاتهام إلى المئات من كبار المسؤولين الحكوميين والمسؤولين التنفيذيين للبنوك ومديري المستشفيات، وحتى شخصيات مثل رئيس الاتحاد الصيني لكرة القدم والمدرب السابق للفريق الوطني لكرة القدم للرجال.
وكانت هذه الاكتشافات، خاصة في قطاع كرة القدم، صادمة، فيمكن للرشوة أن تحدد نتيجة المباريات، مما يقوض المنافسة العادلة القائمة على السوق.
وركز شي على إعادة تشكيل "آلية المنافسة" من خلال الإصلاح. ودعا إلى ضرورة إصلاح الحزب القائم لأكثر من قرن، داعيا إلى "الثورة الذاتية الأكثر شمولا".
وتحت قيادته، تم بناء نظام حوكمة ذاتية كامل وصارم للحزب، وتبلور نظام سليم للوائح الحزب. وقام شي بتحسين نظام التفتيش وإنشاء نظام الرقابة الوطنية، لـ"حصر السلطة في القفص المؤسسي".
كما أطلق إصلاحا غير مسبوق لمؤسسات الحزب والدولة "لمعالجة القضايا الرئيسية والصعبة التي تحظى بالاهتمام على نطاق واسع".
وأدى هذا الإصلاح إلى تفكيك المصالح الذاتية بشكل أكبر. ودعا شي إلى "إغضاب بضعة آلاف بدلا من خذلان 1.4 مليار صيني".
ودفع شي الثورة الذاتية للحزب لتوجيه التغيير الاجتماعي. وأخذ الحزب زمام المبادرة للقضاء على أوجه القصور المؤسسي في التنمية الاجتماعية لإطلاق العنان للقوى الإنتاجية، كما أوضح ليو بينغ شيانغ، الأستاذ في مدرسة الحزب التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.
وفي هذا الصدد، دعا شي إلى المضي قدما بشكل كامل في الحوكمة القائمة على القانون، بغية السعي إلى حل المشاكل التي طال أمدها وتتمثل في أن تفوق السلطة القانون وتفوق العلاقات الشخصية المبادئ القانونية.
وانتقد ذات مرة ظاهرة أنه "يمكن للمال أن يشتري الإعفاء من العقوبة بل ويشتري الحياة". وفي مناسبة أخرى، قال: "اقتصاد السوق الاشتراكي هو اقتصاد قائم على الائتمان وسيادة القانون".
وأصدر تعليمات بصياغة وتنقيح سلسلة من القوانين، بما فيها قانون مكافحة الاحتكار الذي وفر الأساس القانوني لنظام مراجعة المنافسة العادلة.
كما تم تحسين النظام القانوني لحقوق الملكية الفكرية. وفي قضية نموذجية خلال عام 2020، فاز أسطورة كرة السلة الأمريكية مايكل جوردان بدعوى قضائية في شانغهاي، حيث أمرت محكمة صينية شركة صينية بالتوقف عن استخدام "تشياو دان"، الترجمة الصينية لـ"جوردان"، باسمها وعلاماتها التجارية للمنتجات.
لذلك، لم تؤد إصلاحات شي إلى التحول الاقتصادي فقط، حيث أكد أن جوهر التحديث يكمن في تحديث الناس. وأصبح تعزيز "الثقة الذاتية بالثقافة والفخر الوطني" بين الشعب الصيني هدفا رئيسيا للإصلاح.
وفي عام 2012، أدرج شي "الثقة الذاتية بالثقافة" في التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني الـ18 للحزب الشيوعي الصيني. ودمج لاحقا هذا المفهوم في "الثقة الذاتية في أربعة جوانب" للاشتراكية ذات الخصائص الصينية، واصفا الثقة الذاتية بالثقافة بأنها "قوة أكثر جوهرية وأعمق وأكثر ديمومة".
وتمثل إصلاحات شي أيضا إعادة صياغة للماركسية للتكيف مع العصر الجديد، ودمج مبادئها الأساسية مع الحقائق الخاصة والثقافة التقليدية الرائعة للصين. ونتيجة لهذا، اكتسبت الإصلاحات في الصين أهمية فلسفية جديدة.
وفي رسالته بمناسبة العام الجديد لعام 2017، ذكر شي أن "الإطار الرئيسي للإصلاحات الذي يشبه العوارض الأربعة والأعمدة الثمانية للمنزل، قد تأسس بشكل أساسي في مختلف المجالات". وبالنسبة لأولئك المطلعين على العمارة الصينية التقليدية، فإن هذا يدل على أن المنزل قد تشكل ويمكن تحسينه بشكل أكبر.
ووجه شي الإصلاحات نحو هدف شامل: التمسك بنظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وتحسينه وتحديث نظام الصين وقدرتها على الحوكمة.
وبلا شك، يتطلب تحقيق هذا عملية طويلة الأجل ومليئة بالتحديات.
-- فقط الإصلاحيون قادرون على التقدم، وفقط المبتكرون قادرون على الازدهار
وفي العام الذي تولى فيه شي أعلى منصب، انخفض معدل النمو الاقتصادي السنوي في الصين إلى أقل من 8 بالمائة للمرة الأولى منذ عام 1999.
وألحقت أزمة الديون في أوروبا أضرارا بالغة بالتجارة الخارجية للصين وأدى التنظيم العقاري إلى انخفاض الطلب المحلي. وادعى محلل مصرفي أجنبي أن "الاقتصاد الصيني يواجه أكثر لحظاته حرجا منذ ما يقرب من 30 عاما".
وأشار شي إلى أن الاقتصاد الصيني دخل مرحلة تنمية جديدة واقترح الفكر التنموي الجديد الذي يتميز بنمو مبتكر ومنسق وأخضر ومفتوح ومشترك. وأطلق الإصلاح الهيكلي لجانب العرض، ما دفع الاقتصاد نحو التنمية العالية الجودة، وانتقل إلى بناء النمط التنموي الجديد.
وفي حديثه للمسؤولين حول أهمية الإصلاح لتحسين هيكل العرض، استشهد شي بقصة السائحين الصينيين الذين يشترون مقاعد المراحيض الذكية وأجهزة طهي الأرز من الخارج كمثال. وفي ذلك الوقت، كان الشعب الصيني متحمسا لشراء العديد من السلع الأجنبية، من السلع الفاخرة إلى الضروريات اليومية. وفي الوقت نفسه، كان عدد كبير من المنتجات المحلية يسعى إلى العثور على مشترين.
وبعد سنوات من الإصلاح الهيكلي لجانب العرض تحت إشراف شي، تحسنت جودة المنتجات الصينية وقدرتها التنافسية ونال العديد منها شهرة دولية امتدت من بطاريات الليثيوم-أيون والمنتجات الكهروضوئية إلى الطائرات بدون طيار. وقد لاحظت وسائل الإعلام أن عددا متزايدا من المستهلكين الصينيين الشباب يتحولون من الحرص على استخدام مستحضرات التجميل المستوردة إلى تفضيل المنتجات المحلية.
كما عالج الإصلاح التحدي المتمثل في القدرات الإنتاجية المفرطة في بعض القطاعات. وحتى نهاية عام 2022، كانت صناعة الصلب قد تخلصت من القدرات الإنتاجية القديمة والمفرطة بنحو 300 مليون طن، وهو ما يتجاوز ضعفي حجم إنتاج الصلب الخام بأكمله في الهند في ذلك العام.
وسعيا لدفع الإصلاح الهيكلي لجانب العرض، يهتم شي بالممارسة مع التمسك بنظرة ثاقبة. وقبل عقد من الزمن، كانت أغلب السيارات التي تسير على طرق الصين مركبات ذات علامات تجارية أجنبية وعاملة بالبنزين. وفي عام 2014، وأثناء جولة تفقدية في شركة "سايك موتور"، إحدى كبرى شركات صناعة السيارات الصينية، أكد شي على أهمية تطوير المنتجات التي تلبي الاحتياجات المتنوعة وسلط الضوء على أهمية مركبات الطاقة الجديدة في تعزيز مكانة الصين في قطاع المركبات.
وفي العقد التالي، أصبح شي شديد الإعجاب بالسيارات الكهربائية، وقام بزيارة شركات السيارات والمختبرات، وأظهر اهتمامًا كبيرًا بتجربة السيارات الكهربائية.
وعند زيارته إحدى شركات سيارات الطاقة الجديدة في عام 2023، كانت البلاد قد أصبحت بالفعل رائدا عالميا في تكنولوجيا سيارات الطاقة الجديدة. حيث كان بين كل ثلاث مركبات صدّرتها الصين هناك سيارة ركاب كهربائية، فيما بات إنتاج ومبيعات سيارات الطاقة الجديدة في الصين يشكل ثلثي الإجمالي العالمي.
وفي الحقيقة، تشكل صناعة الطاقة الجديدة جزءا من رؤية شي جين بينغ للقوى الإنتاجية الحديثة النوعية. وأصبحت عبارة "القوى الإنتاجية الحديثة النوعية" كلمة جديدة متكررة بعد أن تحدث عنها شي خلال جولاته التفقدية الأخيرة، لكنه كان قد دفع بالفعل بهذه الرؤية قبل ذلك بكثير.
في السبعينيات من القرن الماضي، في قرية ليانغجياخه، بادر شي بإدخال مرافق توليد الغاز الحيوي إلى شنشي، مما سمح للقرويين باستخدام الغاز الحيوي للإضاءة والطهي، ليحل محل الطريقة التقليدية لحرق الأخشاب. ويمكن اعتبار هذه المبادرة المبكرة مثالاً على الاستفادة من القوى الإنتاجية الحديثة النوعية خلال تلك الفترة.
وفي عام 2024، تم إدراج تطوير القوى الإنتاجية الحديثة النوعية في تقرير عمل الحكومة لأول مرة. ويُعتقد على نطاق واسع أن نموذج النمو الاقتصادي المدفوع بشكل رئيسي بالعمالة منخفضة التكلفة، والاستثمارات واسعة النطاق ولكن غير الفعالة، والطلب الخارجي، والاستهلاك المفرط للموارد لم يعد من الممكن أن يستمر، ويجب على الصين أن تعمل بنشاط على تطوير تقنيات جديدة ونماذج أعمال جديدة وصناعات مستقبلية لتعزيز جودة وكفاءة التنمية.
وجاء في مقال نشرته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" أن "هذا المفهوم قدم أملا جديدا وقوة دافعة للصين لتسريع تحولها الاقتصادي".
ويعتقد شي أنه من أجل تطوير القوى الإنتاجية الحديثة النوعية، من الضروري مواصلة تعميق الإصلاحات لتعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي.
وشبه شي افتقار الصين إلى القدرة الابتكارية القوية بـ "كعب أخيل" للعملاق الاقتصادي. وتتوافق القوى الإنتاجية الحديثة النوعية مع رؤية شي السابقة لاستراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار.
وشدد شي على أن "الإصلاحيون وحدهم من يستطيعون التقدم، والمبتكرون وحدهم من يستطيعون الازدهار، ولن ينتصر إلا من يصلح ويبتكر".
وتحت توجيهاته، تم تنفيذ عدد كبير من التدابير الداعمة للابتكار لتشجيع الشركات على تكثيف البحث والتطوير، وتطبيق إنجازات أبحاث علمية وتكنولوجية على أرض الواقع، وتحسين إدارة مشاريع العلوم والتكنولوجيا الكبرى. كما دفع باتجاه إنشاء نظام جديد لتعبئة الموارد الوطنية لتحقيق اختراقات تكنولوجية رئيسية.
وكانت التأثيرات واضحة، حيث قفز ترتيب الصين في مؤشر الابتكار العالمي، الذي تنشره المنظمة العالمية للملكية الفكرية، من المركز الـ34 في عام 2012 إلى المركز الـ12 في العام الماضي.
وأظهرت البيانات الصادرة في عام 2023 أن الصين تفوقت في عام 2022 على الولايات المتحدة لأول مرة باعتبارها الدولة أو الإقليم المصنف رقم واحد من حيث المساهمات في المقالات البحثية المنشورة في مجموعة مؤشر نيتشر لمجلات العلوم الطبيعية عالية الجودة.
وأطلقت شركة الاتصالات العملاقة هواوي بنجاح هواتفها الذكية الجديدة المتطورة العام الماضي، ما أظهر التأثيرات المحدودة لـ"الضغوط القصوى" من جانب الولايات المتحدة على شركات التكنولوجيا الفائقة الصينية.
ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. وقد حذر شي من أن "البحوث الأساسية هي مصدر الابتكار العلمي والتكنولوجي. وعلى الرغم من أن الصين حققت تقدما كبيرا في البحوث الأساسية، إلا أن المسافة بينها وبين المستوى الدولي المتقدم لا تزال واضحة".
ودعا إلى مزيد من الدعم للبحوث الأساسية والابتكار الأصلي، مع التركيز على التقنيات الرائدة والإحلالية.
-- إطلاق العنان لقوة السوق
وعند بدء تولي شي أعلى منصب في الحزب، كان قد مر عقدان من الزمان منذ طرح مفهوم بناء اقتصاد السوق الاشتراكي.
ولكن ممارسة الأعمال التجارية ظلت أمرا صعبا. وفي عام 2014، كشف أحد المشرعين الذين حضروا "الدورتين السنويتين" المحليتين، أنه بدءا من الحصول على الأرض وحتى استكمال جميع إجراءات الموافقة الإدارية لمشروع استثماري واحد، يتطلب الأمر أكثر من 30 موافقة حكومية وأكثر من مائة طابع. وتستغرق العملية برمتها ما لا يقل عن 272 يوم عمل.
ويعارض شي بشدة الموافقات الحكومية المرهقة. وأثناء عمله في مدينة فوتشو بمقاطعة فوجيان، بادر بطرح آلية مكنت من استكمال جميع إجراءات الموافقة على المشروع الاستثماري في مبنى واحد.
وباعتباره القائد الأعلى للبلاد، دعا شي إلى أن "تلعب السوق الدور الحاسم في تخصيص الموارد وأن تضطلع الحكومة بدورها بشكل أفضل".
وعلى مر السنين، ألغى مجلس الدولة أو فوض إلى جهات ذات مستوى أدنى سلطة الموافقة الإدارية على أكثر من 1000 بند وخفض عدد البنود الاستثمارية الخاضعة لموافقة الحكومة المركزية بأكثر من 90 في المائة.
وقال شي: "فلتتفجر الحيوية التي تخلق الثروة، ولنطلق العنان لقوة السوق بالكامل".
وكانت نتائج الإصلاحات بارزة، حيث تم تصنيف الصين من قبل البنك الدولي كواحدة من أفضل 10 اقتصادات حققت أبرز تحسن في بيئة الأعمال لعامين متتاليين.
وفي يناير 2019، بدأ بناء مصنع تسلا "جيجافاكتوري" في شانغهاي، وبدأ صانع السيارات في تسليم الدفعة الأولى من السيارات الكهربائية صينية الصنع من طراز "موديل 3" التي تم إنتاجها في المصنع، في ديسمبر 2019، وهو ما مثل وتيرة تطور أشاد بها الرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك.
ويدرك شي جيدا الوضع الصعب الذي تواجهه شركات القطاع الخاص. ووجه بإنشاء إدارة لتنمية الاقتصاد الخاص تابعة للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، أعلى هيئة للتخطيط الاقتصادي في البلاد، لتقديم المساعدة لشركات القطاع الخاص التي تواجه صعوبات.
وشدد شي أيضا على ضرورة تعزيز الإصلاحات المالية لتسهيل تمويل شركات القطاع الخاص. كما أكد على أهمية تشجيع رأس المال الخاص على الدخول إلى الصناعات والقطاعات التي لا تحظر القوانين واللوائح الدخول إليها صراحة.
وبموجب توجيهات شي، تم بشكل شامل تنفيذ نظام القائمة السلبية للوصول إلى الأسواق، مما سمح بالدخول إلى المجالات التي لم تحظرها القائمة صراحة. وحتى نهاية عام 2023، وصل عدد الكيانات التجارية المسجلة في جميع أنحاء البلاد إلى 184 مليونا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2012.
ومن عام 2012 إلى عام 2023، تضاعف عدد شركات القطاع الخاص في الصين أكثر من أربعة أضعاف، وزادت نسبة شركات القطاع الخاص إلى إجمالي عدد الشركات من أقل من 80 في المائة إلى أكثر من 92 في المائة.
وخلال تلك الفترة، تمت الموافقة على إنشاء البنوك المملوكة للقطاع الخاص، وبدأ تشغيل خط سكة حديد فائق السرعة يسيطر عليه رأس المال الخاص، وتم السماح للاستثمار الخاص بدخول قطاع التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، وحققت شركة صواريخ خاصة النجاح في إطلاق صاروخ من البحر.
وخلال قيام شي بتعزيز قيادة الحزب، بدأت إصلاحات موجهة نحو السوق للشركات المملوكة للدولة. وفي عام 2017، جذبت شركة تشاينا يونيكوم، باعتبارها أول شركة مملوكة للدولة مدارة مركزيا في صناعة الاتصالات تنفتح أمام رأس المال الخاص، 14 مستثمرا إستراتيجيا، بما في ذلك عمالقة الإنترنت تينسنت وبايدو وجي دي.كوم وعلي بابا في إطار "إصلاح الملكية المختلطة".
وأدت خطة عمل مدتها ثلاث سنوات لإصلاح الشركات المملوكة للدولة إلى تحويل تلك الشركات إلى شركات ذات مسؤولية محدودة أو شركات محدودة بالأسهم. وأنشأت حوالي 38 ألف شركة مملوكة للدولة مجالس إدارة.
ولاحظت وسائل الإعلام الدولية أن الإصلاح في الصين يتقدم بما يتماشى مع التغيرات في الوضع. لقد أدت الحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة والجائحة العالمية والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، إلى اختبار مرونة الاقتصاد الصيني. وتقوم البلاد أيضا بتحويل نمط التنمية الاقتصادية الخاص بها.
وقاد شي الصين إلى تسريع بناء نمط التنمية الجديد، الذي يتخذ من السوق المحلية دعامة أساسية ويشجع السوقين المحلية والأجنبية على تكملة ودعم بعضهما البعض.
والدعم الرئيسي لهذه الإستراتيجية هو إنشاء سوق وطنية موحدة. ومن أجل تحقيق ذلك، يجري تنفيذ سلسلة من الإصلاحات للقضاء على الحمائية المحلية وإزالة الحواجز الإقليمية.
وجعل شي "الانفتاح المؤسسي" أولوية. وفي إحدى هذه الخطوات، رفعت الصين القيود على حدود الملكية الأجنبية لشركات الأوراق المالية وشركات إدارة صناديق الاستثمار في الأوراق المالية وشركات العقود الآجلة وشركات التأمين على الحياة.
وفي الوقت نفسه، حذر شي من التوسع غير المنظم لرأس المال والتلاعب بالسوق والسعي لتحقيق أرباح باهظة في مجالات معينة. وقال إن ذلك يضر بمصالح الشعب.
واقترح شي وضع "إشارات مرور" لتدفقات رأس المال، للتأكد من أن "أقطاب المال" لا يتصرفون دون وازع من ضمير، مع السماح لرأس المال بالعمل بشكل صحيح كعامل إنتاج.
ويشير هذا إلى أن الإصلاح في الصين لم يعد يركز على النمو فحسب، بل ينظر إلى نهج أكثر توازنا.
وتحت قيادة شي، تمكنت الصين بفعالية من معالجة المخاطر في بنوك الظل والتمويل عبر الإنترنت. وقد تم بذل جهود لحل مخاطر الديون المرتبطة بالحكومات المحلية والشركات الكبرى مثل مجموعة "إيفرغراند" الصينية. وقد حافظت هذه الخطوات على مصالح الشعب وضمنت التشغيل السلس للسوق.
-- اعتبار أولويات الشعب كأولويات خاصة به
شدد شي على أن الهدف النهائي للإصلاح هو رفاهية الشعب. وتعهد باعتبار أولويات الشعب كأولويات خاصة به والعمل وفقا لرغبات الشعب. وهذا يختلف عن موقف "رأس المال أولا".
وأدرك شي أنه بعد أكثر من 30 عاما من الإصلاح والانفتاح، شهدت التناقضات الرئيسية التي يواجهها المجتمع الصيني تغيرات كبيرة. وقال شي في عام 2017: "ما نواجهه الآن هو التناقض بين التنمية غير المتوازنة وغير الكافية واحتياجات الشعب المتزايدة باستمرار من أجل حياة أفضل".
وللاستجابة لهذا التغيير، يدعو شي إلى التنمية المنسقة والمشتركة، ويلتزم بتحقيق رؤية دنغ شياو بينغ المتمثلة في "الرخاء المشترك".
وعند بدء تولي شي أعلى منصب في الحزب، كانت هناك فوارق كبيرة بين المناطق الشرقية والغربية في الصين، وكان التفاوت في الثروة شديدا.
حوّل شي إستراتيجية تخفيف الفقر، ونفذ "التخفيف المستهدف من حدة الفقر". وخلال أقل من 10 سنوات، قضت الصين على الفقر المدقع في المناطق الريفية، وهي المشكلة التي استمرت لآلاف السنين في البلاد.
وفي أبريل 2012، قبل أشهر قليلة من تولي شي مقاليد السلطة، وقع حادث مأساوي في مقاطعة خبي المجاورة لبكين، حيث قام مزارع بقطع ساقه بنفسه بسبب المرض والمخاوف بشأن العلاج الطبي الذي لا يمكنه تحمل تكاليفه. لم يكن لدى العديد من المزارعين الفقراء سوى طرق قليلة للتعامل مع الأمراض الخطيرة في ذلك الوقت.
أطلق شي إصلاحات في نظام الرعاية الصحية في المناطق الريفية لضمان تمكن الناس في تلك المناطق من الوصول إلى العلاج الطبي. وقللت هذه الحملات بشكل ملحوظ من حالات الفقر الناتج عن الأمراض. وبات كل محدودي الدخل تقريبا الذين تم انتشالهم من براثن الفقر في المناطق الريفية يتمتعون الآن بالتأمين الطبي.
بدأت إصلاحات الصين في المناطق الريفية في سبعينات القرن الماضي، وشملت إصلاحات شي على صعيد الزراعة والمناطق الريفية والفلاحين نطاقا أوسع من التغييرات.
وأسس شي آلية سليمة لإنتاج الحبوب المستقر لضمان أن "الصين تمسك بثبات بإمداداتها الغذائية في أيديها"، كما طوّر البيئة التجارية الريفية ودفع عملية النهوض الريفي في أنحاء البلاد.
وفي أوائل القرن الجاري، طرح شي في ورقة أكاديمية إصلاحات جريئة في نظام التسجيل الأسري للقضاء على الفوارق الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، والفجوة في أسواق العمل بين المناطق الحضرية والريفية الناتجة عن ذلك النظام.
وفي ذلك الوقت، كان هناك جدل كبير حول ما إذا كان يجب التخلي عن نظام التسجيل الأسري.
وفي عام 2016، أصدرت الحكومة المركزية خطة لمنح الإقامة الحضرية لنحو 100 مليون شخص من المناطق الريفية ولغيرهم من المقيمين الدائمين دون التسجيل الأسري المحلي، وأُنجزت هذه الخطة قبل الموعد المحدد لها.
وخلال زيارته التفقدية لشانغهاي في عام 2023، زار شي الشقق السكنية التي يعيش فيها العمال المهاجرون. وأسعدته معرفة أن المهاجرين استقروا في المدينة.
وقال شي "عظيم! ابقَ، استقر، واِسْعَ جاهدا من أجل حياة أفضل".
وتحت قيادة شي، ألغت الصين نظام إعادة التعليم من خلال العمل، والذي ظل قائما لأكثر من نصف قرن من الزمان.
واستجابة للتغيرات الديموغرافية، عدلت الصين سياساتها المتعلقة بالسكان وتنظيم الأسرة. ونُفذت إصلاحات لضمان تعليم أفضل وأكثر إنصافاً. وبالإضافة إلى ذلك، قاد شي جهود إنشاء أكبر نظام للضمان الاجتماعي في العالم وأدخل إصلاحات على خدمات رعاية المسنين الأساسية.
وإيمانا منه بأن "صحة الشعب هي المؤشر الأساسي للتحديث"، دعا شي إلى دراسة وتعزيز الممارسة في مدينة سانمينغ بفوجيان لمواجهة تحدي إصلاح الرعاية الصحية.
ودعا شي إلى القضاء الشامل على هوامش الربح على الأدوية والمواد الطبية الاستهلاكية، والتي ظلت موجودة منذ أكثر من 60 عاما، مما خفض تكاليف الرعاية الصحية للمرضى. وقد تصرفت الإدارات الحكومية بناء على طلبه وشكلت فريق عمل للتفاوض مع شركات الأدوية بشأن أسعار الأدوية والمواد الاستهلاكية.
وفي مقطع فيديو واسع الانتشار على الإنترنت للتفاوض حول الأسعار في عام 2021، أصر ممثلون عن الهيئة الوطنية لضمان الرعاية الصحية على أنه "لا ينبغي التخلي عن أي مرضى من المجموعات الإثنية"، وتمكنوا من خفض سعر دواء منقذ للحياة من مرض نادر من حوالي 700 ألف يوان لكل جرعة إلى 33 ألف يوان لكل جرعة بعد ثماني جولات من المفاوضات المكثفة.
وتم إدراج هذا الدواء في قائمة التأمين الطبي في الصين، مما أشعل جذوة الأمل في نفوس أكثر من 30 ألف مريض في جميع أنحاء البلاد. وأدى خفض أسعار مئات الأدوية على نحو مماثل إلى توفير نحو 500 مليار يوان من النفقات الطبية لعامة الشعب.
ونظرا لافتتانه بالتاريخ والثقافة، يعد شي زائرا دائما للمتاحف، حيث زار جميع المتاحف في بكين تقريبا خلال طفولته.
وخلال العقد الماضي، زادت الصين بشكل كبير من التمويل المخصص لحفظ الآثار الثقافية، مما أدى إلى ازدهار قطاعي الثقافة والمتاحف على الصعيد الوطني. ويوجد في الصين أكثر من 3300 مكتبة عامة وأكثر من 10 آلاف مركز ثقافي ومتحف. وغالبا ما يكون الطلب كبيرا على تذاكر المتاحف، ولا سيما خلال العطلات.
ويؤكد إصلاح شي في القطاع الثقافي على إثراء "العالم الروحي" للشعب كمطلب أساسي للتحديث الصيني النمط. وينطوي ذلك على صقل تخطيط الصناعة الثقافية وسياساتها، ورعاية أشكال تجارية ثقافية جديدة وأنماط مستحدثة للاستهلاك الثقافي.
ونتيجة لذلك، شهدت صناعة السينما تطورا سريعا في السنوات الأخيرة، إذ تضاعف عدد شاشات السينما في البلاد من حوالي 13 ألفا في عام 2012 إلى أكثر من 86 ألفا الآن، وهو أعلى مستوى مسجل على كوكب الأرض.
وكان ثمة إصلاح آخر غير مسبوق بقيادة شي في المجال الإيكولوجي.
عندما تولى شي منصب الأمين العام في عام 2012، كان التلوث البيئي واحدا من أكثر الشكاوى انتشارا بين الجمهور. وفي بداية ذلك العام، تم الإبلاغ عن تلوث بعنصر الكادميوم في نهر بمنطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ، مما عرّض سلامة مياه الشرب لأكثر من مليون شخص للخطر. ووقعت في نفس العام عدة حوادث بارزة في العديد من أنحاء البلاد عارض خلالها الناس بدء مشاريع صناعية خوفا من تدمير البيئة.
وأنشأ شي، المعروف بإطلاق مبادرات بيئية في شيامن لتنظيف بحيرة يوندانغ وفي هانغتشو لحماية البحيرة الغربية، وزارة الإيكولوجيا والبيئة، وحدد الحماية الإيكولوجية والبيئية كـ"خط أحمر" لا يمكن تجاوزه، واستحدث عمليات التفتيش على الحماية الإيكولوجية والبيئية من قبل السلطات المركزية، وطلب من المسؤولين المحليين أن يكونوا مسؤولين عن حماية الأنهار والبحيرات والغابات بوصفهم "رؤساءها".
وتحت قيادة شي، أصبحت الصين الدولة التي شهدت أسرع تحسن في جودة الهواء، وأكبر زيادة في موارد الغابات، وأكبر مساحة للتشجير على مستوى العالم. وتتمتع البلاد أيضاً بمكانة ثابتة كدولة رائدة عالمياً في القدرات المركبة لتوليد الطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة الكتلة الحيوية وسط حملة شي لإحداث ثورة في مجال الطاقة.
كما طورت الصين أكبر سوق للكربون في العالم وتعهدت بالوصول إلى ذروة انبعاثاتها من الكربون وتحقيق الحياد الكربوني في وقت أقصر بكثير من الدول المتقدمة. وقال شي "إن التنمية الخضراء والمنخفضة الكربون هي اتجاه العصر، وأولئك الذين يتبعونها سوف ينعمون بالازدهار".
ويعتقد شي أن حماية البيئة والإيكولوجيا هي أمر جوهري للحفاظ على تنمية الأمة الصينية وأمر حاسم لحماية الأرض، التي يعتبرها "وطننا الوحيد والأوحد".
-- المضي قدماً بشجاعة
وقال تقرير أوردته صحيفة ((ليانخه تساوباو)) السنغافورية: "لا يمكن لأي دولة أخرى في جميع أنحاء العالم أن تدفع الإصلاح بشكل شامل بنفس الطريقة كما تفعل الصين الحالية، مع الالتزام بتعهداتها والشعور بإلحاح الأمر".
ووفقا لمقياس إيدلمان للثقة لعام 2023، وهو استطلاع رأي أجرته شركة إيدلمان الاستشارية، بلغ مستوى الثقة الإجمالي بالصين 83، لتحتل البلاد المرتبة الأولى بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع.
وكانت الصين الدولة الوحيدة، من بين الدول التي شملها الاستطلاع، التي أعربت عن تفاؤلها بشأن الآفاق الاقتصادية، وفقاً لنتائج الاستطلاع.
وعزا المراقبون الاستمرار في اقتصاد السوق الاشتراكي الذي استهله دنغ، إلى أن شي نفسه هو قائد الإصلاح في العصر الجديد.
وقد أدار شي المحرك الذي دفع الصين في رحلة لا رجعة فيها نحو التحديث.
ومما لا شك فيه أن هذا هو أحد الإصلاحات ذات الآثار البعيدة المدى في تاريخ البشرية. وفي أوائل التسعينيات، أدى إعلان دنغ بأن "التنمية هي المبدأ المطلق" إلى تحرير وتطوير القوى الإنتاجية الاجتماعية في الصين، وتعزيز القوة الوطنية الشاملة للصين.
ومع تأكيده على أن التنمية العالية الجودة هي المبدأ الثابت للعصر الجديد، أطلق شي تحولا شاملا ومنهجيا في الصين، مما ساهم في إعادة توازن الاقتصاد العالمي.
وقد دعا إلى بناء اقتصاد عالمي مبتكر ونشط ومترابط وشامل، مما ضخ زخما جديدا في التنمية العالمية.
وفي العام الماضي، نما الاقتصاد الصيني بنسبة 5.2 في المائة، وهو ما ساهم بثلث النمو العالمي. ولا يزال المحرك الاقتصادي للبلاد قويا. و"الصين التالية"، بحسب العديد من المحللين، لا تزال هي الصين، عند البحث عن وجهات استثمارية.
ماهية الإصلاح بالصين في المستقبل وكيف سيكون؟ يستقطب هذا السؤال اهتمام العالم أجمع.
إن الإصلاحات الهادفة إلى تعزيز القوى الإنتاجية الحديثة النوعية ستؤدي إلى تحرير جديد للعقل. وقال تشاو تشن هوا، مدير قسم الاقتصاد في مدرسة الحزب التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، إن استحداث علاقات ذات صلة بالنوعية الحديثة للإنتاج ولها القدرة على التكيف مع القوى الإنتاجية الحديثة النوعية يمثل ثورة عميقة بالفعل، حيث ينطوي على عناصر مثل ملكية وسائل الإنتاج والتوزيع وموقف الناس في الإنتاج.
وقد أرسلت "الدورتان" هذا العام إشارة مفادها أن الصين تخطط لإنشاء "مناطق إصلاحية تجريبية لبناء نظام اقتصاد سوق اشتراكي رفيع المستوى"، وذلك بهدف إقامة "بيئة تجارية عالمية المستوى تقوم على مبادئ السوق وتخضع لحكم القانون وتتماشى مع المعايير الدولية"، حيث تلعب الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة والشركات ذات التمويل الأجنبي بأكملها دوراً مهماً في عملية التحديث في الصين.
علاوة على ذلك، سيتم تطبيق تدابير إصلاحية جديدة لتعزيز محركات النمو الصناعي الجديدة، وتعزيز نمو الاستهلاك، وتوسيع حجم الطبقة المتوسطة الدخل، وضمان المساواة في التمتع بالخدمات الأساسية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه المبادرات إلى إتاحة المزيد من الفرص التجارية الهائلة في سوق يضم أكثر من 1.4 مليار شخص.
وتعمل الصين على الانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ.
وقال متحدث باسم وزارة التجارة إن الصين مستعدة لتعميق الإصلاحات بشكل مستمر، والسعي للوفاء بالمعايير العالية التي تتطلبها الاتفاقية، وتقديم التزامات للانفتاح الرفيع المستوى تتجاوز إجراءاتها الحالية في مجال النفاذ إلى السوق.
وهناك أسباب للتحلي بالتفاؤل بشأن آفاق الإصلاحات تحت قيادة شي.
ولا يعتمد هذا التفاؤل على الحجم الاقتصادي والسوقي الهائل للصين فحسب، بل يقوم أيضاً على القيادة الموحدة للحزب، ونواتها شي. ويتحلى الحزب الشيوعي الصيني بالشجاعة اللازمة للإصلاح الذاتي، وهو قادر على تحويل الخطط إلى إجراءات ملموسة.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال الصين دولة نامية تتمتع بمجالات وإمكانات كبيرة للنمو.
ويرى بعض المراقبين الغربيين، أن القوة الاقتصادية المتنامية للصين تشكل تهديداً، وأن السوق الصينية الكبيرة تشكل "أداة للإكراه الاقتصادي"، الأمر الذي يغزي محاولة فك الارتباط مع الصين أو فرض حصار عليها. ويجب تغيير وجهات النظر هذه.
إن إصلاحات الصين لا تهدف إلى تغيير النظام العالمي أو تحديه. بل بدلا من ذلك، تنخرط البلاد بنشاط في الحوكمة الاقتصادية العالمية وتؤثر فيها، وتدعم الإنصاف والعدالة على المسرح العالمي.
لقد ورث شي إرث دنغ ومضى به قدما من خلال تعميق الإصلاح بشكل شامل. ولم يخلق هذا معجزات اقتصادية فحسب، بل أظهر أيضاً سحر الثقافة الصينية، وساهم في خلق شكل جديد من الحضارة الإنسانية.
وقال شي "إن تحديثنا هو الأكثر تحديا والأعظم في نفس الوقت"، مضيفا: "هذا طريق غير مسبوق، لكننا سنواصل استكشافه والمضي فيه قدماً بشجاعة".
