تعليق: عزم أمريكا الاستيلاء على نفط فنزويلا يكشف وجهها الحقيقي ويرسخ شريعة الغاب

تعليق: عزم أمريكا الاستيلاء على نفط فنزويلا يكشف وجهها الحقيقي ويرسخ شريعة الغاب

2026-01-08 04:38:30|xhnews

بقلم: عبد الفتاح السنوطي

القاهرة 7 يناير 2026 (شينخوا) ضربت الولايات المتحدة الأمريكية بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة عرض الحائط، في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تكون قدوة كدولة كبرى للدول الأخرى، ولكنها للأسف صممت على امتهان نفسها بانتهاك سيادة الدول وتدخلها بشكل سافر وفج في الشؤون الداخلية للدول ما يكشف وجهها الحقيقي ويرسخ شريعة الغاب ويرفع القناع عن أهدافها الاستعمارية التي تنطوي على نهب ثروات وموارد الدول وتدمير مستقبل الشعوب.

لا يخفى على أحد أن العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة السبت الماضي في فنزويلا، واختطفت خلالها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما جوا خارج فنزويلا، قد أحدثت صدمة على المستوى العالمي، إذ تعرضت الإدارة الأمريكية لانتقادات واحتجاجات واسعة النطاق عقب هذا العمل العسكري المتهور والجبان، الذي رآه العديد من المراقبين عملا غير قانوني بدافع الرغبة في السيطرة على احتياطيات فنزويلا الهائلة من النفط.

وقد مثل الرئيس الفنزويلي وزوجته الاثنين الماضي أمام محكمة أمريكية في نيويورك، ورفض التهم الموجهة إليه وقال "أنا بريء، ولست مذنبا"، مضيفا أنه اعتُقل في منزله بكاراكاس وأنه ما يزال رئيسا لفنزويلا.

لطالما تغنت الولايات المتحدة بالحريات وحقوق الإنسان، ودعت الدول إليها، وانتقدت أيضا البعض بانتهاك القانون وحقوق الإنسان، وهي في الوقت نفسه ترتكب أكبر الجرائم التي سجلها ويسجلها التاريخ للأجيال السابقة والحالية والقادمة، بحق حقوق الإنسان والقانون الدولي ومواثيق وأعراف الأمم المتحدة، وتقدم على اختطاف رئيس دولة وزوجته بالقوة العسكرية الغاشمة وتقتادهما إلى محاكمة باطلة من الأساس تتذرع بحجج بالية وتتغلف بقناع زائف من العدالة الواهية، فيما ادعت واشنطن في الوقت ذاته أنها سوف تدير فنزويلا ولم تستبعد حتى شن جولة ثانية من العمليات العسكرية على نطاق أوسع.

الإدارة الأمريكية الحالية تدفع العالم إلى شريعة الغاب، حيث البقاء للأقوى، في ظل الغياب التام للأعراف والقوانين والمواثيق الدولية والأممية.. تقوم واشنطن بهجوم وحشي وضد رئيس دولة بهدف تأمين ما تحتاجه أمريكا من موارد الطاقة، وبهدف إخضاع بعض دول العالم الرافضة للإمبريالية والغطرسة الأمريكية المتكبرة والمتسلطة، الأمر الذي دفع دولا كثيرة، منها الحليف للولايات المتحدة، لإدانة تصرفات واشنطن الأحادية المبنية على القوة العسكرية والبلطجة السياسية.

الأمم المتحدة أعربت عن قلقها من هذه التطورات، واصفة إياها بالسابقة الخطيرة، حيث تنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أن جميع الدول الأعضاء "تمتنع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة"، كما أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها العميق إزاء الوضع في فنزويلا بعد العملية العسكرية الأمريكية، مشيرة إلى أن الإجراء الأمريكي يقوّض مبدأ أساسيا في القانون الدولي، يقضي بأنه لا يجوز لأي دولة أن تهدد باستخدام القوة أو تستخدم القوة لاستهداف وحدة وسلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس (الثلاثاء) إن السلطات الفنزويلية "ستسلم" ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة، مدعيا بأن العائدات منها "ستستخدم بما يعود بالنفع على شعبي البلدين"، وأوضح في تغريدة عبر منصة ((تروث سوشيال)) أن النفط سيباع بسعر السوق، وأن العائدات ستكون تحت سيطرته الشخصية كرئيس للولايات المتحدة، ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هدف الولايات المتحدة الأساسي من عملية خطف مادورو هو السيطرة على موارد فنزويلا الطبيعية ونهب ثرواتها ونفطها، ومحاولة إخضاع وإعادة الاستعمار الأمريكي للدول عبر القوة العسكرية بغطاء سياسي مكشوف ومزيف يظهر الوجه القبيح والحقيقي للولايات المتحدة.

استخدم ترامب كلمة "نفط" نحو 20 مرة خلال مؤتمره الصحفي يوم السبت بعد العملية العسكرية، كما صرح لشبكة ((أن بي سي نيوز)) يوم الاثنين بأن واشنطن قد تدعم شركات النفط الأمريكية لإعادة بناء البنية التحتية لقطاع الطاقة في فنزويلا، ما يؤكد أن هذه العملية هدفها هو وضع يد واشنطن على احتياطيات النفط الفنزويلي وسرقته بحجج واهية وطرق ملتوية وشعارات مزيفة وتقديمه هدية للشعب الأمريكي، في الوقت الذي يحتاجه الشعب الفنزويلي لبناء بلاده ومستقبله، ولكن الولايات المتحدة لم تعبأ بدولة فنزويلا ولا بشعبها واستمرت في مخططها بالاستيلاء على موارد ونفط فنزويلا.

علاوة على ذلك، نصبت الولايات المتحدة نفسها، شرطيا وقاضيا للعالم في الوقت نفسه، فالشرطي الأمريكي الموهوم يتسلح بعقيدة رعاة البقر المندثرة، وتعدى حدوده وخالف القيم والمبادىء الإنسانية واعتقل وخطف بالقوة العسكرية الرئيس الفنزويلي وزوجته، وقدمهما قسرا وظلما بكل فخر واعتزاز للقاضي الأمريكي أيضا الذي سوف يقوم بمحاكمة هزلية لا تنطوى على أي شرعية أو قانون بل أقل ما توصف به بأنها "عدالة سكسونيا" التي ترمز إلى الظلم البين وتناقض العدالة والقوانين.

وأدانت رئيسة فنزويلا بالإنابة ديلسي رودريغيز الثلاثاء، قبض الجيش الأمريكي على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، مؤكدة أنه "لا يوجد أي عميل أجنبي" يحكم هذا البلد الواقع في أمريكا الجنوبية، وقالت في فعالية أقيمت بكاراكاس "نحن هنا نحكم جنبا إلى جنب مع الشعب، الحكومة الفنزويلية هي التي تحكم بلادنا، لا أحد سواها،" مضيفة "لا يوجد أي عميل أجنبي يحكم فنزويلا".

إقدام الولايات المتحدة على اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته وخروج أطماعها في موارد ونفط وثروات الشعب الفنزويلي للنور وفي العلن، بكل بجاحة وتسلط وتكبر بدون أى حمرة للخجل من أفعالها المناهضة للقانون الدولي والإنساني وضد حقوق الإنسان، يعتبر مخالفة صريحة وجريمة كبرى في حق المعاهدات والمواثيق الدولية، وانتهاكا سافرا وصارخا لسيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، بما يبعث على الحيرة من هذه السياسة والتصرفات الأحادية المنبوذة من جانب المجتمع الدولي.

وفي السياق ذاته، تجلى الوجه الحقيقي للولايات المتحدة يوم الأحد الماضي عندما أكدت حاجتها إلى غرينلاند "لأغراض دفاعية"، وأن فنزويلا قد لا تكون آخر دولة تتعرض للتدخل الأمريكي، فيما أصدر زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك بيانا مشتركا أكدوا فيه "القرار بشأن غرينلاند والدنمارك يعود حصرا إلى الدنمارك وغرينلاند".

إن الخطاب الأمريكي الذي يصور واشنطن كحام وحيد لغرينلاند يتناقض مع الواقع، فالحقيقة أن الولايات المتحدة هي المصدر الوحيد للتهديد الفعلي تجاه الإقليم، فملكية الدنمارك لغرينلاند قد تكون من أكثر ملكيات الأراضي رسوخا في العالم، لا ينازع فيها أحد حتى الولايات المتحدة نفسها، والخطاب السياسي الأمريكي في هذا الشأن لمحاولة تبرير أى عملية أمريكية محتملة ضد غرينلاند للسيطرة عليها.

وأكد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن الاثنين في بيان عبر ((فيسبوك)) "بلدنا ليس شيئا يمكنك إنكاره أو الاستيلاء عليه لأنك تريد ذلك".

تجاهلت الولايات المتحدة صفة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كرئيس دولة، من خلال ملاحقته علنا وإجراء ما تسمى بـ"محاكمة" له أمام محكمة محلية أمريكية، وهو ما يشكل انتهاكا خطيرا للسيادة الوطنية في فنزويلا ويقوض استقرار العلاقات الدولية.

إن الدعوة إلى احترام حق الشعوب الأخرى في اختيار مسار تنميتها بشكل مستقل، والالتزام بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مع تولي الدول الكبرى على وجه الخصوص زمام المبادرة، هي مبادىء أساسية في القانون والعلاقات الدولية.

وأثبتت الوسائل العسكرية أنها ليست حلا للمشكلات، وأن الاستخدام العشوائي والغاشم للقوة لن يؤدي إلا إلى أزمات أكبر، لذلك يجب احترام سيادة جميع الدول ووحدة وسلامة أراضيها، ودعم حل الخلافات والنزاعات سلميا من خلال الحوار والتشاور، والدفاع عن سلطة القانون الدولي، ورفض قانون الغاب، ومعارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم السلام والاستقرار العالميين.

الصور