(وسائط متعددة) رؤية شرق أوسطية: مجلس السلام بين إعادة هندسة النظام الدولي ومخاوف من تعميق النفوذ الأمريكي
القاهرة 19 يناير 2026 (شينخوا) في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة، يبرز ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كمبادرة أمريكية أثارت نقاشا واسعا، لا سيما مع انتقالها إلى مراحل تنفيذية متقدمة مع مطلع يناير 2026.
ويُعد مجلس السلام جزءا من خطة أمريكية مكونة من 20 بندا لإنهاء الصراع في غزة، أُدرجت بعض عناصرها ضمن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025.
ووفق الطرح الأمريكي، يهدف المجلس إلى الإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، وترتيبات نزع السلاح، وإدارة مرحلة انتقالية تقوم على الحكم التكنوقراطي.
غير أن توسيع نطاق المجلس ليشمل نزاعات دولية أخرى، إلى جانب رئاسته من قبل ترامب، دون تحديد إطار زمني واضح، وفتح باب العضوية أمام أكثر من 60 دولة، مع إمكانية الحصول على عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية كبيرة، أثار تساؤلات واسعة بشأن طبيعته، وأهدافه بعيدة المدى، وتأثيره المحتمل على النظام الدولي القائم.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون في الشرق الأوسط في مقابلات منفصلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) أن الإعلان عن المجلس يعكس توجها أمريكيا متزايدا نحو البحث عن أطر بديلة لإدارة الصراعات الدولية، في ظل ما يصفونه بتراجع فاعلية بعض المؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
وقال الخبير والمحلل السياسي الفلسطيني من قطاع غزة مصطفى إبراهيم، إن المجلس يعكس، في جوهره، توجها أمريكيا أوسع لإعادة تشكيل آليات إدارة النظام الدولي، مشيرا إلى أن قطاع غزة تحول إلى نموذج تطبيقي لهذا التوجه.
وأوضح إبراهيم أن المجلس، وفقا لقراءته، لا يستند بشكل فعلي إلى قواعد القانون الدولي المعمول بها، بل إلى إطار تنظيمي يمنح الإدارة الأمريكية نفوذا واسعا في تحديد جدول الأعمال وآليات اتخاذ القرار، مع دور بارز للدول أو الجهات الممولة.
وأضاف أن غزة باتت تخضع، بحسب وصفه، لعملية تدويل بحكم الواقع، في ظل تراجع دور المؤسسات الدولية وقدرتها على حماية المدنيين أو إنفاذ مبادئ العدالة الدولية.
من جهته، رأى الباحث السعودي في مركز (الرياض) للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني، أن مجلس السلام يمثل مبادرة سياسية جديدة تبحث عن إطار مختلف لإدارة أزمات الشرق الأوسط، خاصة في ظل تعثر المسارات السياسية التقليدية.
وقال الشعباني إنه من الصعب في هذه المرحلة المبكرة الجزم بالأهداف النهائية للمجلس، مشيرا إلى أن خطابه يجمع بين البعد الإنساني في غزة، وترتيبات سياسية أوسع تخدم مصالح أطراف دولية فاعلة.
واعتبر الباحث السعودي أن نجاح أي دور محتمل لمجلس السلام سيظل مرتبطا بوضوح صلاحياته ومدى إشراك الأطراف الفلسطينية في قراراته.
وأعلن ترامب الخميس الماضي تشكيل مجلس السلام لقطاع غزة، واصفا إياه بأنه "أعظم وأرقى مجلس جرى تشكيله على الإطلاق" قبل أن يعلن البيت الأبيض الجمعة أسماء أعضاء مجلسه "التنفيذي التأسيسي" و"مجلس غزة التنفيذي".
ولم يشر البيت الأبيض إلى أي تمثيل فلسطيني مباشر داخل مجلس السلام.
ولاحقا، وجه الرئيس الأمريكي دعوات إلى قادة دول عدة للانضمام إلى مجلس السلام.
وتصف مسودة الميثاق الخاص بمجلس السلام أنه "منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة الموثوق بها والقانونية، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع"، حسب ما أفادت وكالة ((بلومبرغ)) السبت.
وتثير مثل هذه المعلومات مخاوف من أن يتحول "مجلس السلام" إلى أداة لتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة، بدلا من كونه إطارا محايدا لإدارة النزاعات.
-- مخاوف من تعزيز النفوذ الأمريكي
وقال مدير منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بالقاهرة عبد المهدي مطاوع، إن الهدف المعلن لمجلس السلام يتمثل في إعادة إعمار غزة، غير أنه قد يُستخدم لتشكيل هيئة دولية موازية لحل النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، بما يمنح الولايات المتحدة دورا مركزيا في إدارة الأزمات الدولية.
ورأى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشارقة بدولة الإمارات عبدالرحمن نقي، أن المجلس جاء كمشروع سياسي بواجهة أخلاقية وإنسانية، موضحا أن جوهره يتمثل، برأيه، في إعادة صياغة مسار الصراع بما يتلاءم مع ترتيبات إقليمية أوسع.
من جهته، قال عضو الكنيست الإسرائيلي عن كتلة "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" عوفر كسيف، إن ما يُعرف بـ"مجلس السلام" لا يمكن اعتباره مبادرة إنسانية أو إطارا سياسيا محايدا، معتبرا أنه يندرج ضمن سياق يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.
وأضاف أن التجربة التاريخية للانخراط الأمريكي في النزاعات الدولية تشير، بحسب رأيه، إلى أن واشنطن تعاملت مع المؤسسات الدولية باعتبارها أدوات يمكن توظيفها أو تجاوزها وفقا لمصالحها السياسية والأمنية.
ورأى كسيف أن الفلسطينيين هم الطرف الأكثر تضررا من هذه المقاربة، إذ يجري التعامل معهم كطرف غير مشارك فعليا في تقرير مستقبله السياسي، معتبرا أن هذا النهج لا ينسجم مع أي مسار جدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، خاصة في ظل فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ورأى رئيس مؤسسة (فواصل) للبحوث والدراسات من العراق ياسر مطلق، أن المجلس يبدو جزءا من ترتيبات دولية تهدف إلى احتواء تداعيات الصراع وضبط الإقليم أمنيا، أكثر من كونه مبادرة لمعالجة جذور الصراع.
فيما اعتبر أستاذ القانون العام والمحلل السياسي الأردني معاذ أبو دلو، أن تشكيل مجلس السلام يعزز الحضور السياسي الدولي للرئيس الأمريكي.
ووفقا لمسودة الميثاق التي اطلعت عليها بلومبرغ، سيشغل ترامب منصب رئيس المجلس، ويقرر أي القادة الوطنيين ستتم دعوتهم للانضمام إليه.
ويعتزم ترامب مطالبة الدول بالمساهمة بما لا يقل عن مليار دولار أمريكي للحصول على مقعد دائم في مجلس السلام.
وأثارت فكرة ربط العضوية الدائمة في المجلس بمساهمة مالية كبيرة تساؤلات إضافية حول مفهوم السلام المطروح، إذ رأى عدد من الخبراء أن هذا الشرط يعزز المخاوف من ربط السلام بالقدرة الاقتصادية، بدلا من أسس العدالة والشرعية الدولية.
وقال الكاتب والصحفي السوري طلال الزعبي، إن المجلس يندرج ضمن ترتيبات دولية أوسع تتعلق بالمنافسة على النفوذ والمصالح الاقتصادية، خاصة في مناطق استراتيجية مثل شرق البحر المتوسط، معتبرا أن البعد الاقتصادي يشكل أحد محركات المبادرة.
وأضاف الزعبي أن ربط السلام بالاستثمار يعكس مقاربة ترى في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي مدخلا لإعادة ترتيب خرائط النفوذ الاقتصادي، وليس معالجة جذور الأزمة، محذرا من أن هذا النمط من المشاريع قد يسهم في إعادة إنتاج الصراع بصيغ مختلفة بدلا من إنهائه.
ووفق البيت الأبيض، سيشرف مجلس السلام على عدة ملفات لاستقرار غزة ونجاحها على المدى الطويل، بما في ذلك "بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رؤوس الأموال".
وبحسب تقارير، أثار الإعلان عن مجلس السلام قلقا من أن ترامب يحاول بناء بديل أو منافس للأمم المتحدة، التي لطالما وجه إليها انتقادات.
ورأى محللون أن "مجلس السلام" لا يشكل بديلا رسميا للمنظمة الدولية، لكنه قد يتحول إلى آلية موازية تُضعف دورها تدريجيا.
-- الأمم المتحدة ومستقبل النظام الدولي
وقال مصطفى إبراهيم إن إدارة العديد من الأزمات الدولية باتت تتم خارج إطار الأمم المتحدة، معتبرا أن ذلك يعكس أزمة بنيوية في النظام الدولي القائم.
من جهته، قال عبدالعزيز الشعباني إن المجلس، وإن لم يكن بديلا مباشرا للأمم المتحدة في الوقت الراهن، قد يُطرح مستقبلا كإطار مواز لتجاوز التعقيدات القانونية والسياسية التي تواجهها المنظمة الدولية.
فيما رأى طلال الزعبي أن المجلس يمثل التفافا على دور الأمم المتحدة، بما قد يؤثر على مستقبل الآليات الدولية متعددة الأطراف.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا التوجه قد يسهم في إضعاف النظام الدولي متعدد الأطراف، ويعزز منطق إدارة الصراعات وفقا لموازين القوة والمصالح، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول شاملة تستند إلى القانون الدولي، وتستجيب للاحتياجات الإنسانية، وتحظى بتوافق دولي واسع.■








