تغطية ميدانية: العاصمة السودانية تتعافى ببطء .. الحياة تعود تدريجيًا بعد حرب مدمرة

تغطية ميدانية: العاصمة السودانية تتعافى ببطء .. الحياة تعود تدريجيًا بعد حرب مدمرة

2026-02-06 02:29:00|xhnews

الخرطوم 5 فبراير 2026 (شينخوا) بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب، ما تزال شوارع رئيسة في العاصمة السودانية الخرطوم تحمل آثار الدمار بوضوح، مع عودة محدودة وبطيئة للحياة اليومية.

وعلى امتداد الطرق التي تربط بين الوزارات والمقار السيادية، تظهر مبانٍ حكومية ومحال تجارية بواجهات محترقة، وجدران متأثرة بالقصف، ونوافذ خالية من الزجاج، فيما تغطي طبقات من الغبار والأنقاض الأرصفة والطرق العريضة، في مشهد يعكس استمرار تداعيات النزاع على المدينة.

في شارع الجامعة، أحد المحاور الإدارية الرئيسة بوسط الخرطوم، تقف مبانٍ حكومية من الطوب الأحمر وقد بدت عليها آثار الإهمال والضرر، أمام مبنى حكومي وقف محمد فضل الله، موظف إداري في أواخر الأربعينيات، عاد لتفقد مكان عمله بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الغياب.

وقال فضل الله، لوكالة أنباء ((شينخوا)) التي قام فريق منها بجولة اليوم في أكثر مناطق الخرطوم تأثرًا بالنزاع، "عدت فقط لأرى وسط الخرطوم، المؤسسات الحكومية لا تعمل، ولا كهرباء مستقرة".

وأضاف "آثار الدمار ما تزال ماثلة، وأغلب المؤسسات مدمرة ومحترقة، ومما لا شك فيه أن إعادة الإعمار ستتطلب جهدًا كبيرًا ووقتًا أطول"، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الموظفين ما زالوا خارج العاصمة بسبب النزوح أو البحث عن مصادر دخل بديلة.

وعلى مسافة قصيرة، يمتد شارع النيل بمحاذاة ضفة النهر في هدوء لافت، الطريق شبه خالٍ من المركبات، فيما أغلقت مقاهٍ ومطاعم كانت تشكل أحد معالم الحياة الإجتماعية في المدينة.

داخل أحد المقاهي المطلة على النيل، وقف أحمد السر، الذي عمل في المكان لأكثر من 20 عامًا، بين طاولات خالية وكراسي مكدسة، وقال لـ((شينخوا)) "لا حياة هنا، لكنني آتي من فترة لأخرى لتفقد المكان، حتى الآن لا توجد كهرباء أو مياه"، مضيفًا أن حالة الحذر ما تزال مسيطرة رغم انتهاء المواجهات العسكرية في المنطقة.

وفي السوق العربي، أحد أقدم وأكبر الأسواق في الخرطوم، تبدو الحركة التجارية محدودة، حيث أغلقت معظم المتاجر أبوابها، ويشكو التجار من ضعف السيولة وتراجع الطلب.

أما في شارع الحرية، أكبر سوق للأجهزة الإلكترونية بقلب الخرطوم، فتظهر مؤشرات عودة تدريجية للنشاط، رغم أن الشوارع المحيطة ما تزال تحمل آثار الدمار.

أمام متجر صغير أعاد فتح أبوابه جزئيًا، وقف أنس صالح، تاجر أدوات إلكترونية في أواخر الثلاثينيات، مرتديًا قميصًا داكن اللون وبنطالا متربا، ويتفقد بضائع معروضة خلف واجهة زجاجية متصدعة.

وقال صالح لـ((شينخوا)) "العمل بدأ يتحرك، لكن ليس كما كان، الناس موجودة، لكن القدرة الشرائية ضعيفة"، مضيفًا "شارع الحرية يحاول أن يعود، لكن الخسائر كبيرة، والالتزامات القديمة ما زالت تثقل كاهل التجار".

وأضاف "الأجهزة الإلكترونية كانت أكثر ما تعرض للنهب خلال فترة النزاع، كثير من المحلات فقدت مخزونها بالكامل، والناس اليوم يشعرون بالحاجة الكبيرة إليها".

ثم تابع وهو ينظر إلى واجهة متجره المتصدعة "شارع الحرية يحاول التعافي، لكن الخسائر التي تكبدناها ما تزال تثقل كاهلنا، ومع ذلك، كل زبون يأتي اليوم يشعرني أن الطريق للعودة للعمل طبيعيًا ممكن، حتى لو كان ببطء".

وفي المقابل، تشهد مدينة أم درمان، الواقعة على الضفة الغربية للنيل، عودة أوضح للنشاط اليومي، ففي سوق أم درمان الكبير، ينتشر الباعة في الأزقة، وتتداخل أصوات المناداة مع حركة المتسوقين.

في متجر لبيع الأقمشة، وقف معاذ الطيب، داخل متجره محاطًا بلفائف القماش، وقال "الحياة تعود الآن لطبيعتها شيئًا فشيئًا، السوق يعمل، والناس تشتري، وهذا يعطينا أملًا كبيرًا".

وأضاف "بعد قرابة ثلاثة أعوام من الركود والعزلة، رؤية الناس يدخلون المتجر ويختارون الألوان والنقشات التي يحبونها تمنحنا شعورًا بالحياة مجددًا، الناس يأتون الآن ليس فقط لشراء الضروريات، بل أيضًا لشراء ما يجعل بيوتهم أجمل، وهذا مؤشر على أن السوق يبدأ بالانتعاش".

وتابع بنبرة هادئة "لكن التحديات ما زالت كبيرة، الأسعار ارتفعت كثيرًا، والشحنات محدودة، كثير من الزبائن يختارون بعناية، ويقارنون قبل أن يشتروا، وهذا يجعلنا مضطرين للتفكير بذكاء في إدارة المخزون وتقديم عروض تناسب قدرتهم الشرائية".

وفي ركن آخر من سوق أم درمان، جلس صلاح خالد، صاحب فترينة لبيع الهواتف النقالة، مرتديًا فانيلة بيضاء وبنطالًا أسود، يرتب أجهزة معروضة بعناية.

وقال خالد لـ((شينخوا)) "البيع تحسن مقارنة بالأشهر الماضية، الناس تريد التواصل والعمل، والهواتف أصبحت من الضروريات".

وتابع "الكثير من الناس اضطروا خلال الفترة الماضية للاستعانة بالهواتف القديمة أو المعطلة، والآن يبحثون عن أجهزة جديدة لتسهيل حياتهم اليومية والعمل عن بعد".

وتابع وهو يشير إلى بعض الموديلات الحديثة "المشكلة أن الإمدادات محدودة، والأسعار ارتفعت بعد النهب والفقدان الذي تعرضت له المحلات خلال النزاع، لذلك كل جهاز يصل إلينا يباع بسرعة، ونعمل جاهدين لتوفير كل ما يحتاجه الزبون، حتى الآن، كل حركة بيع تمنحنا شعورًا أن الحياة التجارية بدأت تعود تدريجيًا، ومعها أملنا في تعافي الاقتصاد المحلي".

كما بدأت بعض المرافق التعليمية في أم درمان استئناف نشاطها، وقالت آمنة يوسف، معلمة بمرحلة التعليم الأساسية "عودة الأطفال إلى المدارس تعني أن الأسر بدأت تشعر بدرجة من الأمان".

وفي حي الهجرة بأم درمان القديمة، يجلس شبان أمام مقهى شعبي، مصعب الطيب، 23 عامًا، يرتدي قميصًا رياضيًا وقبعة، ويتابع شاشة صغيرة تعرض مباراة كرة قدم.

وقال الطيب "نخرج مساءً، نجلس مع الأصدقاء، هذا يعطينا إحساسًا بأن الحياة لم تتوقف تمامًا".

وأضاف وهو يشير إلى زملائه "الكثير من أصدقائي اضطروا للسفر خلال فترة الأزمة، لكن العودة هنا، حتى لو مؤقتة، تمنحنا شعورًا بالحرية والأمل، نتحدث عن مباريات كرة القدم، عن الأخبار، عن أي شيء يخرجنا من ضغط الأيام الماضية".

ثم تابع بنبرة تفاؤل "أحيانًا نضحك ونمزح، وننسى المشاكل لبضع ساعات، وهذا مهم جدًا لنا، الحياة بدأت تعود، ولو ببطء، والشوارع المزدحمة قليلًا في المساء تعطينا شعورًا أن المدينة تستعيد روحها شيئًا فشيئًا".

ويرى مراقبون أن التباين بين الخرطوم وأم درمان يعكس اختلاف مستويات الأضرار والخدمات.

وقال عبد الرحيم الأمين، وهو مهندس متقاعد "ما يحدث الآن يمثل بداية فقط، التعافي ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت طويل واستقرار أمني".

وأضاف "الوضع الأمني تحسن كثيرًا بفضل الإجراءات الحكومية، ولكن التحسن في الجوانب الأخرى ما يزال تدريجيًا وبطيئًا بعض الشيء".

وبينما تعلن الحكومة السودانية خططًا لإعادة الإعمار واستئناف العمل المؤسسي من الخرطوم تدريجيًا، ما تزال الحياة اليومية في العاصمة تسير بوتيرة أبطأ، في وقت تظل فيه عودة الاستقرار الشامل مرهونة بتطورات الأوضاع الأمنية والخدمية في البلاد.

وتبذل الحكومة السودانية جهودًا كبيرة لاستعادة الحياة الطبيعية في الخرطوم، من خلال التركيز على توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، في حين تشهد مناطق واسعة من العاصمة استقرارًا أمنيًا نسبيًا.

ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية في 26 يناير الماضي، فقد عاد نحو 1.4 مليون شخص إلى العاصمة الخرطوم، وفي 11 يناير 2026، نقلت الحكومة السودانية رسميًا مقرها من بورتسودان بشرقي البلاد إلى الخرطوم.

وأعلن الجيش السوداني في 20 مايو 2025، إكمال سيطرته الكلية على ولاية الخرطوم بوسط البلاد وخلوها تمامًا من قوات الدعم السريع، بعد ما يزيد عن عامين من القتال.

ويخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل 2023 حربًا خلفت عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين داخل وخارج البلاد.

الصور