مقالة خاصة: مع ارتفاع البطالة وشح الغاز… الغزيون يبحثون عن حلول لتأمين احتياجاتهم الأساسية
غزة 21 فبراير 2025 (شينخوا) في ورشة صغيرة بمنطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، يجلس الشاب وائل صيام، على دراجة هوائية قديمة يحرك دواساتها بلا توقف، بينما تتصل عجلاتها بأسلاك ومولد كهربائي صغير موضوع بجوارها.
ويعكف صيام ذو الجسد النحيل والملامح التي أنهكها التعب على توليد الطاقة اللازمة لتشغيل محركات صغيرة تُستخدم في نقل الغاز من أنابيب كبيرة إلى أخرى أصغر، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع الساحلي بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية المدمرة.
وتعتمد الفكرة على مبدأ بسيط يقوم على تحويل الجهد العضلي إلى طاقة كهربائية. فالعجلة الخلفية للدراجة مرتبطة بمولد كهربائي صغير، وعند تحريك الدواسات تدور العجلة وتدير المولد، الذي يحول الطاقة الحركية إلى تيار كهربائي عبر الحث الكهرومغناطيسي.
بعد ذلك يُنظَّم التيار ويُستخدم مباشرة في تشغيل المحركات الصغيرة لضخ الغاز من الإسطوانات الكبيرة إلى الأصغر، في آلية بدائية لكنها فعالة فرضتها ظروف الانقطاع المتكرر للكهرباء ونقص الوقود، وفق صيام.
ويبلغ صيام من العمر (20 عاما)، وهو واحد من عشرات الشباب الذين وجدوا في هذه المهنة الشاقة مصدر دخل مؤقت في ظل ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي بسبب الحرب.
ويقول صيام لوكالة أنباء ((شينخوا)) وهو يحرك الدواسات "اضطررت إلى هذا العمل بسبب عدم توفر فرص عمل بديلة، فالحرب أغلقت أبوابا كثيرة أمامنا".
ويضيف بنبرة متعبة "هذا العمل يحتاج إلى جهد بدني كبير، وقد تصل ساعات العمل أحيانا إلى أكثر من 12 ساعة يوميا، مقابل عائد مادي لا يتجاوز 10 دولارات".
ويتوقف قليلا لالتقاط أنفاسه قبل أن يعاود الحركة، مؤكدا أن التعب الجسدي أهون عليه من الجلوس بلا عمل.
ويعول صيام والدته وثلاثة من أشقائه بعد مقتل والده في غارة جوية إسرائيلية سابقة. ويقول "الكثير من العائلات التي تشتري الغاز من الجهات الرسمية تضطر إلى بيعه بأسعار مرتفعة لتتمكن من تأمين مستلزمات الحياة الأساسية مثل الدقيق والأرز والزيت، وأحيانا الأدوية".
ويشير إلى أن هذا النشاط يُصنَّف ضمن "السوق السوداء" وهو مخالف للقانون، لكنه يوضح أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب دفعت السكان إلى ابتكار وسائل بديلة لتلبية احتياجاتهم [...] غياب البدائل الرسمية وفجوة العرض والطلب خلقت واقعا معيشيا صعبا لا يترك أمام كثيرين خيارات متعددة".
ويؤكد صيام "نحن نعرف أن ما نقوم به مخالف، لكن الحصول على الغاز صعب جدا. بعض العائلات تحصل على حصتها من الدورة، لكنها لا تملك المال الكافي لتأمين الطعام أو الدواء، فتضطر إلى بيع جزء من حصتها لتغطية احتياجات أكثر إلحاحا".
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تبلغ حصة الأسرة من غاز الطهي ثمانية كيلوغرامات فقط في كل دورة توزيع، وتستفيد الأسرة مرة واحدة خلالها.
وقد تمتد الدورة الواحدة إلى ثلاثة أشهر على الأقل، ما يزيد من معاناة السكان، خاصة في شهر رمضان الذي يزداد فيه استهلاك الغاز.
ويشرح صيام أن الكيلوغرام الواحد يُباع في السوق غير الرسمية بما يصل إلى 30 دولارا، بينما تحصل الأسرة على ثمانية كيلوغرامات عبر القنوات الرسمية مقابل نحو ثمانية دولارات فقط.
ويقول "الفارق كبير جدا، ولذلك ترى بعض العائلات في بيع حصتها وسيلة لتأمين مبلغ يمكن أن يشتري لها الدقيق أو الخضروات أو يسدد ديناً متراكما".
ويتابع "الأمر ليس تجارة كما يعتقد البعض، بل انعكاس لضيق الحال. هناك من يبيع لأنه بحاجة إلى المال، وهناك من يشتري لأنه يخشى ألا يحصل على الغاز في الدورة المقبلة. الكل يتحرك بدافع القلق من الغد".
وغالبا ما يشتري أصحاب المطاعم والمقاهي الغاز من السوق غير الرسمية بأسعار مرتفعة، لأن انتظار وصول حصتهم الرسمية يعني توقف عملهم بالكامل، ما يضاعف الضغط لتأمين الغاز بأي وسيلة ممكنة، بحسب صيام.
ويقول إن "استمرار الأزمة لفترات طويلة خلق نوعا من الاقتصاد الموازي القائم على تبادل الحاجات الأساسية. غياب الاستقرار في الإمدادات يدفع السكان إلى التخزين أو البيع وفقا لأولوياتهم اليومية، في ظل أوضاع معيشية تتسم بعدم اليقين".
ويضيف "لسنا سعداء بالعمل في هذا المجال، لكن الناس بحاجة إلى الغاز للطهي، ونحن بحاجة إلى العمل للعيش".
وبحسب آخر إحصائية نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في أبريل 2025، بلغ معدل البطالة في قطاع غزة نحو 68 بالمائة، وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالميا، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية وتعطل قطاعات الإنتاج والخدمات.
وعلى الرغم من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لا يزال القطاع يعاني أزمة خانقة في الوقود وغاز الطهي، بفعل القيود الإسرائيلية على إدخال المحروقات، إلى جانب تضرر مرافق التخزين والتوزيع خلال الحرب.
وقبل الحرب، كانت حاجة القطاع الشهرية من غاز الطهي تتراوح بين 12 ألفا و15 ألف طن، فيما كانت الأسرة تستهلك نحو 40 كيلوغراما شهريا، أي ما يعادل إسطوانتين ونصف بسعة 16 كيلوغراما، وفق بيانات مكتب الإعلام الحكومي.
ويقول محمد الجعيدي، صاحب الورشة التي يعمل فيها صيام، ل((شينخوا)) إن الطلب يرتفع بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان "هذه المهنة أوجدت نفسها بالقوة في السوق الغزي، مثلها مثل كثير من المهن الجديدة التي ظهرت استجابة للحاجة".
ويضيف أن الكميات المحدودة التي تدخل القطاع تدفع الكثير من العائلات إلى بيع الغاز فيما تعمل عائلات أخرى على تخزينه في أسطوانات صغيرة لا تتعدى خمسة كيلوغرامات، تحسبا لوقف إدخاله مرة أخرى.
ويؤكد أن عملية نقل الغاز بين الأنابيب تحتاج إلى حذر شديد وإجراءات أمان، رغم بدائية الأدوات المستخدمة.
وبالقرب من الورشة، يقف أحمد سالم (45 عاما)، نازح من شمال القطاع، يحمل أسطوانتين، تحتوي كل واحدة منهما على بضعة كيلوجرامات من الغاز ينتظر دوره ليبيع حصته في الغاز.
ويقول سالم "أنا مضطر لبيع حصتي في الغاز كي أشتري الدواء لوالدتي المسنة".
وفي طابور مواز، يقف إبراهيم حمتو، وهو يحمل أنبوبة فارغة ويريد أن يشتري غاز بسعر باهظ، ويقول لـ((شينخوا)) "أريد أن أشتري الغاز وأخزنه خوفا من عودة منع إدخاله كما حدث في مرات سابقة. لا نريد أن نجد أنفسنا فجأة بلا وقود للطهي".
ويضيف إن الظروف المعيشية لا تزال صعبة، وأن الاستقرار النسبي الذي أعقب وقف إطلاق النار لم ينه الأزمة الاقتصادية ولا نقص الإمدادات.





