رؤية شرق أوسطية: المفاوضات النووية.. ارتباك أمريكي وجدية تكتيكية إيرانية
القاهرة 23 فبراير 2026 (شينخوا) تعقد جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف الخميس المقبل، في "دفعة إيجابية" لجهود اتمام الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، بحسب ما أعلن الأحد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي تتوسط بلاده بين الجانبين.
وقبل يومين من الإعلان العماني، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران تخطط لإعداد مسودة اتفاق نووي محتمل مع الولايات المتحدة خلال يومين إلى ثلاثة أيام، في خطوة قال مراقبون تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)) إنها تعكس "مرونة وجدية تكتيكية" من قبل إيران، التي تدرك جدية التهديدات الأمريكية، وترغب في منع التصعيد العسكري.
وجاءت تصريحات عراقجي غداة تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من "عواقب وخيمة" إذا لم تتوصل إلى اتفاق خلال 10 إلى 15 يوما، وذلك في وقت أبلغ فيه كبار مسؤولي الأمن القومي الأمريكي ترامب أن الجيش الأمريكي بات جاهزا لتنفيذ ضربات محتملة ضد إيران.
واعتبر المراقبون أن التصريحات الأمريكية تعكس حالة "ارتباك" داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية المضي قدما في خططها تجاه إيران، التي تتمسك بخطوطها الحمراء، وترفض تقديم "تنازلات" تمس سيادتها الوطنية، وتبعث رسائل تؤكد استعدادها للحرب مثل استعدادها للمفاوضات.
-- ارتباك أمريكي
وقال الدكتور ثائر أبو راس الباحث في معهد "فان لير" الإسرائيلي إن "هناك تصريحات متناقضة تصدر من واشنطن، من ناحية يصرح ترامب بمنح مهلة للتفاوض، ومن ناحية أخرى يقول إنه يفكر بتوجيه ضربة عسكرية محدودة، وفي موازاة ذلك تصدر تقارير عن جهوزية الجيش الأمريكي لتنفيذ ضربات ضد إيران، وهذا يعكس حالة ارتباك داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية المضي قدما في خططها تجاه إيران".
وأضاف أن "هذا التناقض ليس عرضيا بل يعكس إدراكا داخل الإدارة الأمريكية بأن الدخول في حرب يعني فقدان السيطرة على مسارها ونتائجها، فبمجرد اندلاع المواجهة تصبح تداعياتها مفتوحة على احتمالات يصعب ضبطها، وقد تخرج عن السيطرة بما يضر بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية".
وتابع أن "واشنطن تخشى من تحول أي مواجهة محدودة بينها وبين إيران إلى حرب إقليمية واسعة، وهذا احتمال يثير قلقا كبيرا داخل المؤسسات الأمريكية نظرا لعدم وجود رغبة حقيقية في هذه المرحلة على الأقل في الانخراط في حرب إقليمية كبرى، فالولايات المتحدة ليست مستعدة سياسيا ولا تمتلك غطاءً شرعيا كافيا، كما أن معظم حلفائها في المنطقة لا يبدون حماسة لحرب من هذا النوع، باستثناء إسرائيل".
وأردف قائلا إنه "في ظل هذا المشهد، يبقى كل شيء واردا.. لا يمكن الجزم بأن ضربة عسكرية لن تحدث، كما لا يمكن استبعاد التوصل إلى اتفاق، لكن بعد هذا الحجم من الحشد العسكري، يجد ترامب نفسه أمام خيارين أساسيين إما توجيه ضربة أو انتزاع اتفاق يقدم للرأي العام الأمريكي على أنه إنجاز".
لكن الخبير العراقي ياسر مطلق رئيس مؤسسة (فواصل للبحوث والدراسات) رأى أن "أسلوب ترامب يعتمد كثيرا على التصعيد الخطابي كأداة تفاوضية، وتصريحاته يمكن قراءتها في ثلاثة مستويات، الأول: ضغط تفاوضي مباشر، فهو يرفع سقف التهديد ليخفض سقف المطالبات الإيرانية".
وأضاف مطلق أن "المستوى الثاني: رسالة داخلية فترامب يخاطب قاعدته الانتخابية التي تفضل صورة الرئيس القوي غير المتردد في استخدام القوة، والثالث: رسالة ردع إقليمية، فهذا التحذير لا يستهدف طهران فقط بل حلفاءها في المنطقة".
وشاطره الرأي المحلل السوري سنان حسن بقوله إن "تصريحات ترامب تدخل في باب الضغط السياسي على إيران عبر القوة، لأن ترامب يعي تبعات أي ضربة غير محسوبة على المصالح الأمريكية في المنطقة".
كذلك رأى الكاتب اللبناني جورج علم أن تحذيرات ترامب لإيران تأتي للضغط على طهران للوصول إلى اتفاق يرضي الإدارة الأمريكية.
واتفق معه الدكتور علي رستم أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية في دبي بقوله إن التصريحات الأمريكية الأخيرة تندرج ضمن استراتيجية الضغط التفاوضي الأقصى لدفع طهران إلى تسريع التوصل لاتفاق نووي.
وأضاف رستم أن "الهدف الأساسي من هذه التهديدات ليس الذهاب إلى حرب شاملة بل خلق شعور لدى إيران بأن البديل عن الاتفاق قد يكون عملا عسكريا مؤلما".
بينما قال المحلل الفلسطيني سامر عنبتاوي إن هذه التصريحات تندرج في إطار سياسة "العصا والجزرة"، حيث تريد واشنطن من إيران القبول بالشروط الأمريكية أو تقديم تنازلات كبيرة، وهو أمر تدرك طهران أنه قد يهدد بنية نظامها السياسي والأمني ويجعلها عرضة لضغوط داخلية وخارجية، لذلك نرى تصعيدا أمريكيا في لغة التهديد بالقوة المفرطة بهدف الضغط السياسي وليس بالضرورة الذهاب مباشرة إلى الحرب.
كذلك قال الباحث اليمني في الشؤون الإيرانية عدنان هاشم إن إعطاء مهلة لإيران هو جزء من استراتيجية الضغط الأقصى التي يستخدمها ترامب لاستغلال الموقف الإيراني الداخلي بفعل احتجاجات الشهر الماضي، للحصول على اتفاق شامل يتجاوز النووي ليشمل الصواريخ الباليستية ونفوذ الأذرع الإقليمية.
وأضاف أن "الحديث عن جاهزية الجيش الأمريكي لتوجيه ضربات لإيران يعني أن الخيار العسكري أصبح على الطاولة، وينتظر الموافقة السياسية المباشرة، ومع ذلك فإن السيناريو الأقرب ليس حربا شاملة بل تهديدات وربما عقاب محدود تراهن من خلاله واشنطن على أن النظام في إيران المثقل بالأزمات الاقتصادية والاحتجاجات سيفضل التنازل في المفاوضات على المخاطرة بانهيار الدولة تحت القصف.
-- ضربة محدودة
ورغم التصريحات الأمريكية، فالحرب الشاملة ليست الخيار الأكثر ترجيحا بسبب الكلفة الاقتصادية والعسكرية المرتفعة، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، ووجود قنوات تفاوض غير معلنة، بحسب مطلق.
وقال الخبير العراقي إن "الجاهزية العسكرية لأمريكا لا تعني حتمية الحرب بل تعني تعزيز ورقة الردع، فعادة ما تستخدم واشنطن الحشد العسكري كأداة تفاوضية لا كقرار نهائي بالحرب"، قبل أن يتابع أن "السيناريو الأقرب هو تصعيد محدود مضبوط وليس مواجهة مفتوحة".
بينما أوضح سنان حسن أنه "حتى الآن، يبدو أن خيار توجيه ضربات محدودة وارد بقوة خاصة إذا ما أخذنا التحشيد الأمريكي على محمل الجد".
في حين قال جورج علم إن "سيناريو الحرب هو الأقرب، ونحن أمام 48 إلى 72 ساعة خطيرة ومصيرية، فإما نفاجأ بأن إيران قد اختارت السير نحو الاتفاق أو بدء الحرب".
بدوره، رأى علي رستم أن إعلان جاهزية الجيش الأمريكي لتنفيذ ضربات محتملة ضد إيران لا يعني أن سيناريو الحرب الشاملة أصبح الأقرب، مشيرا إلى أن كلفتها الإقليمية والدولية ستكون مرتفعة للغاية.
وتابع أن احتمال الضربة المحدودة أو "العملية الجراحية" ضد أهداف نووية أو عسكرية إيرانية أصبح أكثر واقعية من السابق، في إطار سعي واشنطن للإبقاء على الخيار العسكري حاضرا لتعزيز موقعها التفاوضي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وشاطره الرأي سامر عنبتاوي بقوله إن تنفيذ "ضربات محدودة" ضد إيران هو السيناريو الأكثر تداولا حاليا، رغم ما يحمله من مخاطر كبيرة.
لكن المحلل العماني خلفان الطوقي رأى أن "احتمالية توجيه ضربات لإيران قائمة وبقوة، وإن حدثت هذه المرة فلن تكون مثل المرة الماضية، ولن تكون ضربات محدودة بل ستكون خطيرة وذات عواقب وخيمة ليس على إيران وحدها بل المنطقة ككل".
-- خدعة أمريكية أم ضغط تفاوضي
واعتبر الطوقي أن "المفاوضات مجرد غطاء وخدعة أمريكية لإنهاء التجهيزات العسكرية للحرب، وأمريكا في ظل هذه المفاوضات تجري تعزيزات عسكرية مبالغ فيها بالمنطقة ولا يمكن أن يكون الهدف مجرد الضغط على إيران".
لكن مطلق قال إن احتمال أن تكون المفاوضات خدعة أمريكية يطرح دائما في العلاقات الدولية إلا أن الواقع غالبا أكثر تعقيدا، فالتفاوض والتجهيز العسكري قد يسيران بالتوازي في الاستراتيجية الأمريكية، ولا يوجد تعارض بين الاستعداد للحرب والسعي للاتفاق.
وأضاف أن "التحرك العسكري أحيانا يستخدم لتحسين شروط التفاوض لا لإلغائه، والأرجح اننا أمام تفاوض تحت الضغط، وليس خدعة كاملة للحرب".
الرأي نفسه أبداه حسن بقوله "لا أعتقد أن المفاوضات غطاء وخدعة عسكرية، والتوصيف الدقيق لهذه التجهيزات العسكرية يدخل في باب الهستيريا الأمريكية التي تستخدم القوة العسكرية لفرض شروط التفاوض".
إلا أن علم عبر عن اعتقاده بأن الاستعدادات الأمريكية للحرب قد اكتملت، قبل أن يضيف "يبدو أن قرار الحرب قد اتخذ، وترامب سيقرر التوقيت".
في المقابل، قال رستم إن الولايات المتحدة تفضل تحقيق أهدافها عبر الاتفاق إذا أمكن، لأن الحرب مع إيران تحمل مخاطر توسع إقليمي كبير.
وأضاف أن واشنطن تدير مسار التفاوض والضغط العسكري بالتوازي، بحيث يبقى كل خيار قائماً، مشيراً إلى أن التفاوض ليس غطاءً للحرب بقدر ما هو أداة مرافقة للضغط.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار التصعيد اللفظي والعسكري بالتوازي مع تقدم بطيء في المفاوضات، مشيرا إلى أنه إذا قدمت إيران تنازلات كافية فقد يتم التوصل إلى اتفاق مرحلي، أما إذا تعثرت المحادثات فسيزداد احتمال الضربة المحدودة، فيما تظل الحرب الشاملة الخيار الأبعد حاليا.
-- جدية إيرانية
وأشار مطلق إلى أن تصريح عراقجي بأن بلاده تخطط لإعداد مسودة اتفاق نووي محتمل مع واشنطن خلال يومين إلى ثلاثة أيام "يحمل رسالة بأن إيران تريد إظهار نفسها كطرف عقلاني منفتح على الحل، وكسر صورة المتعنت التي تروج لها واشنطن".
وأضاف أن "إعداد مسودة لا يعني اتفاقا نهائيا بل أن الإطار العام للنقاش أصبح واضحا، والطرفان يختبران إمكانية صياغة تفاهم مرحلي، وهذا يعكس جدية تكتيكية لكن نجاحها يعتمد على ملفات حساسة مثل العقوبات وآلية التفتيش والضمانات المتبادلة".
فيما لفت حسن إلى أن "من يتابع ملف المفاوضات النووية يدرك أن إيران كانت ومازالت جادة حتى اليوم، لكن المشكلة تكمن في المفاوض الأمريكي الذي يريد تنازلات إيرانية سيادية".
واتفق معه رستم بقوله إن تصريح عراقجي يعكس إدراك إيران لجدية التهديدات الأمريكية، ورغبتها في منع التصعيد العسكري والحفاظ على خيار الاتفاق.
وأضاف أن الاستعداد لتقديم مسودة لاتفاق نووي محتمل يشير إلى مرونة تكتيكية إيرانية تهدف إلى كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة قبول الشروط الأمريكية كاملة.
بينما أكد عنبتاوي أن الإعلان عن إعداد مسودة اتفاق يشير إلى "وجود جدية إيرانية واضحة في المسار التفاوضي.. إيران لا تريد الحرب وتحاول إثبات استعدادها للتفاوض مع الحفاظ على مصالحها، والمسودة قد تكون جاهزة وتعرض على الأمريكيين، لكن قبول واشنطن بها يبقى مسألة أخرى مرتبطة بحسابات سياسية أوسع".
واتفق معه أبو راس الذي رأى أن "إيران جادة في المفاوضات وجادة في الرغبة للتوصل إلى صفقة، لكن لديها خطوط حمراء يصعب التراجع عنها".
وأضاف أن "طهران تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مسارا يقتصر على الملف النووي حصرا، وترفض توسيع نطاقه ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية أو علاقاتها الإقليمية، فهذه الملفات في رؤية إيران تندرج ضمن منظومة الردع والسيادة الوطنية وليست بنودا تفاوضية قابلة للمقايضة، لذلك فإن أي محاولة لدمجها في إطار الاتفاق تعني من وجهة نظرها تحويل التفاوض من عملية ضبط نووي إلى مسار لإعادة تشكيل مكانة إيران الإقليمية، وهو ما تعتبره طهران خطا أحمر".
واتفق الخبراء على أن إجراء إيران مؤخرا مناورات عسكرية في مضيق هرمز وإغلاقه لعدة ساعات رسالة بأنها مستعدة لكل السيناريوهات.
-- رسالة إيرانية
وقال مطلق إن "مضيق هرمز يمثل شريانا عالميا للطاقة، والرسالة الإيرانية واضحة، وهي أن إيران تملك أدوات تصعيد اقتصادية، وأي حرب لن تكون محصورة جغرافيا وكلفة المواجهة لن تتحملها ايران وحدها، وإغلاق المضيق لساعات فقط تذكير بالقوة وليس إعلان حرب".
في حين أوضح حسن أن "الرسالة الإيرانية من المناورات في هرمز واضحة جداً وهي أن إيران مستعدة لكل السيناريوهات، فهي مستعدة للحرب كما أنها مستعدة للمفاوضات".
إلا أن علم رأى أن "المناورات رسالة للداخل الإيراني لرفع المعنويات في الشارع وسط الحشود الأمريكية"، وأشار إلى "المناورات لا تشكل أي استفزاز للولايات المتحدة وإسرائيل، والنظام الإيراني أمام معضلة إما رفض الإملاءات والمواجهة عسكريا أو قبول هذه الإملاءات لحفظ النظام".
لكن رستم رأى أن الرسالة الإيرانية مزدوجة، أولها لواشنطن بأن طهران تمتلك أدوات تصعيد قادرة على تهديد شريان الطاقة العالمي، وثانيها للدول الإقليمية بأن أي مواجهة مع إيران ستؤثر على أمن الملاحة والاقتصاد العالمي.
بينما أشار أبو راس إلى أن إيران تسعى من خلال المناورات إلى تذكير العالم بنقاط قوتها، ورغم أنها قد تبدو الطرف الأضعف عسكريا في معادلة المواجهة المباشرة مع أمريكا، فإن لديها أوراق ضغط استراتيجية مؤثرة، في مقدمتها ورقة النفط ومضيق هرمز.





