رؤية شرق أوسطية: المرشد الأعلى الجديد في إيران يحظى بتأييد شعبي واسع .. ويواجه رفضا أمريكيا حادا
عواصم عربية 9 مارس 2026 (شينخوا) في خطوة تعكس سرعة تحرك المؤسسة الدستورية في إيران للحفاظ على استمرارية النظام، أعلن مجلس خبراء القيادة في الجمهورية الإسلامية، خلال اجتماع استثنائي عقد في 8 مارس الجاري، اختيار آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي مرشدا أعلى جديدا للثورة الإسلامية، خلفا لوالده الراحل آية الله علي خامنئي الذي قُتل في غارة جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت طهران في 28 فبراير الماضي.
وجاء القرار في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، إذ تتصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في حرب مفتوحة تتخللها هجمات صاروخية وجوية متبادلة أوقعت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأثارت قلقا دوليا واسعا مع ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ما يتجاوز 110 دولارات للبرميل.
وقال مجلس خبراء القيادة إن اختيار المرشد الجديد تم بعد "مداولات معمقة وتصويت حاسم" بين أعضائه، استنادا إلى المادة 111 من الدستور الإيراني، بهدف ضمان انتقال سلس للسلطة ومنع حدوث فراغ في قمة هرم النظام، داعيا الإيرانيين والنخب الدينية والسياسية إلى الالتفاف حول القيادة الجديدة والحفاظ على تماسك الدولة في ظل التحديات الراهنة.
ولا يقتصر هذا الانتقال السريع في القيادة، ليس لكونه إجراء دستوريا داخليا، بل يفتح أيضا بابا واسعا أمام تساؤلات إقليمية ودولية حول مستقبل السياسة الإيرانية، خصوصاً في ظل مؤشرات على دعم شعبي داخلي للمرشد الجديد، مقابل رفض أمريكي واضح لشرعية هذا الانتقال، وهو ما يضع المنطقة أمام مرحلة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد.
-- انتقال سريع للسلطة في لحظة إقليمية حرجة
يبلغ مجتبى خامنئي 56 عاما، وهو الابن الثاني للراحل علي خامنئي، وقد ولد في مدينة مشهد عام 1969، وشارك في حرب إيران- العراق ضمن كتيبة "حبيب" التابعة للحرس الثوري الإسلامي، مما عزز روابطه مع المؤسسة العسكرية.
كما أنه يحمل رتبة "حجة الإسلام" (مشابهة لوالده عند تعيينه عام 1989)، وشغل مناصب خلف الكواليس في مكتب الزعيم الأعلى، بما في ذلك تنسيق الشؤون الأمنية والسياسية، مع روابط وثيقة بالحرس الثوري الذي يُعتبر عماد النظام في مواجهة الضغوط الخارجية.
وتعيينه يُنظر إليه كضمان للاستمرارية والتماسك المؤسسي، وسط تقارير عن تأييد شعبي واسع في الشارع الإيراني مدعوما بدعوات من المؤسسات العسكرية والدينية للوحدة الوطنية.
-- من العمل خلف الكواليس إلى قمة هرم السلطة
وأكد محللون وخبراء من دول عربية وإقليمية في مقابلات منفصلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) أن اختيار مجتبى خامنئي يعكس استمرارية النظام الإيراني وتماسكه في وجه التحديات الخارجية، مع تأييد شعبي يعزز الوحدة الوطنية أمام التصعيد الأمريكي - الإسرائيلي.
ومع ذلك، أثار الاختيار رفضا أمريكيا حادا، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب عدم سعادته بالاختيار، معتبرا إياه استمرارا للنهج "الراديكالي"، - المتطرف- ووصف المرشد الجديد بأنه "غير مقبول"، مشيراً إلى أن أي قائد إيراني جديد "لن يدوم طويلاً" دون موافقة واشنطن، مما يشير إلى احتمال تصعيد عسكري إضافي وسط مخاوف من إطالة الصراع.
ورأي الدكتور هاني الجمل، رئيس وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز العرب للأبحاث والدراسات في القاهرة، أن اختيار مجتبى خامنئي هو رد شديد اللهجة أمام التحركات الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران.
من جانبه، أكد الدكتور يزيد بن عبدالكريم الجاسر، أستاذ العلاقات العامة واتصال الأزمات بجامعة الملك خالد في السعودية، أن اختيار مرشد جديد في إيران يأتي في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، ولا يمثل مجرد انتقال شخصي في القيادة، بل لحظة مفصلية في بنية النظام السياسي الإيراني.
وأشار إلى أن صعود شخصية من داخل الدائرة نفسها يُعد خياراً منخفض المخاطر نسبياً لإظهار التماسك والاستقرار السياسي.
ورأي الدكتور عبد القادر كناعنة، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب، أن الاختيار يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة، خصوصاً في ظل التحدي المباشر للموقف الأمريكي، فقد جاء بعد تصريح ترامب الرافض الذي ربما ساهم بشكل غير مباشر في تعزيز الخيار داخل دوائر القرار الإيرانية.
وأشار إلى أن مجتبى يحمل رتبة "حجة الإسلام" (كوالده عند تعيينه)، وأن الظروف الحربية جعلته الخيار الأقوى، لإيصال أقوى رسالة سياسية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكداً أن التصعيد الأمريكي لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يعكس صراع إرادات ومنافسة استراتيجية.
ووصف كناعنة الوضع الراهن بأنه "حرب عض الأصابع" - الندم الشديد-، مضيفا أن السؤال المركزي ليس من يمتلك القوة الأكبر فحسب، بل من يستطيع الصمود لفترة أطول.
وقلل كناعنة من أهمية تصريحات ترامب كأسلوب إعلامي يتغير سريعاً.
-- رفض أمريكي وتصعيد محتمل في مسار الصراع
وأكد الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي عبد العزيز سلطان أن الاختيار يعكس في جانب منه، رغبة مؤسسات النظام في الحفاظ على استمرارية البنية السياسية القائمة بعد مرحلة حساسة، مشيراً إلى أن التأييد الشعبي الداخلي مرتبط بطبيعة النظام وتركيبته المؤسسية، بينما الردود الخارجية (خاصة الغربية) أكثر حذراً وتحفظاً، تترقب ما إذا كان سيؤدي إلى سياسات أكثر تشدداً أو مقاربة مختلفة في إدارة الأزمات الإقليمية.
وقال سلطان لـ ((شينخوا)) أن الاختيار لن يكون العامل الوحيد في تحديد مسار العلاقة مع أمريكا، "بل يعتمد على حسابات استراتيجية، مع إمكانية ضغوط أمريكية إضافية أو مسار دبلوماسي إذا أظهرت طهران استعداداً لتخفيف التوتر، وأن أي تحولات في السياسة ستكون تدريجية ومحكومة بتوازنات داخلية معقدة بين المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية".
وأشار إلى أن مواقف الدول المؤيدة قد توفر مظلة سياسية تساعد على تخفيف التوتر إذا تحولت إلى مبادرات دبلوماسية، وأن تصريح ترامب يحمل رسالة قلق من استمرار النهج المتشدد، ويعد جزءا من استراتيجية ضغط سياسي - إعلامي.
أما الدكتور محمد بدري عيد، مستشار مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت والخبير في العلاقات الدولية والأمن القومي، فرأي أن الاختيار حظي بتأييد واسع داخلي من الجهات السيادية والأجهزة العسكرية والأمنية المحورية (الحرس الثوري والجيش ومجلس الدفاع) والمؤسسات الدستورية، مؤكداً استمرارية نظام "ولاية الفقيه" ورسالة تماسكه إلى الداخل والخارج. أما خارجياً، فتراوحت الردود بين الترحيب، والحياد، والرفض الأمريكي، مع صمت كثير من الدول انتظاراً للسياسات المقبلة.
وتوقع عيد تصعيداً عسكرياً من الجانبين "كرسالة غضب ورفض" على اختيار نجل خامنئي، حيث يرى ترامب ونتنياهو أنه لا يحقق هدف إسقاط النظام وأن المرشد الجديد أكثر راديكالية، مما يدفع طهران لتصعيد هجماتها (وقد حدث ذلك بالفعل بعد دقائق من الإعلان)، وربما هجوم ثلاثي مع حزب الله والحوثيين، مما يطيل أمد الحرب إلى أشهر.
بدوره، قرأ الخبير العراقي ياسر مطلق، رئيس مؤسسة فواصل للبحوث والدراسات، الاختيار داخلياً كضمان للاستمرارية والاستقرار، مع نقاش محتمل حول توريث السلطة في نظام ثوري جمهوري، بينما خارجياً هو امتداد للنهج المحافظ وليس تحولاً جذرياً.
وأكد أن رد أمريكا يعتمد على ملفات النووي والنفوذ الإقليمي، مع إمكانية جمع بين الضغط والتفاوض، وأن الدول المؤيدة قد تلعب دوراً في الوساطة والتوازن الدولي لتفضيل التفاوض على المواجهة.
وتوقع المحلل السياسي الأردني الدكتور معاذ أبو دلو استمرار مجتبى خامنئي في نهج والده مع تعزيز التحالفات بعد الحرب، وأن تأييد الدول الوازنة في العالم قد يشجع على الحلول السلمية، أما تصريح ترامب، فاعتقده مرتبطاً بأهدافه السابقة، مع إمكانية تغيير سريع ومراقبة لاستعداد القيادة الجديدة للمرونة.







