مقالة خاصة: في الحرب.. غالبا ما يُترك الصم خلف الركب
بيروت 8 مايو 2026 (شينخوا) بعد أقل من شهرين على انتخابه مندوبًا للصم في الهيئة الوطنية لشؤون ذوي الإعاقة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، وجد شفيق قليلات لبنان يدخل مرحلة جديدة من التوترات العسكرية المتصاعدة.
شفيق، الذي يقترب من الأربعين، يخوض ما يعتبرها حربه الرابعة في حياته، فقد وُلد في السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية، وفي عام 1989 فقد سمعه بالكامل بعدما استهدف قصف جوي إسرائيلي منزل عائلته في جبل لبنان، وهو لم يتجاوز العامين من عمره.
ويقول شفيق "الحرب أوقفت حياة الناس وخططهم، ونركز الآن على البقاء وليس على الحياة"، مضيفًا أن الفئات الخاصة، بما فيهم الصم، يواجهون مخاطر مضاعفة في أوقات النزاعات.
ويشير إلى أن كثيرًا من الصم في لبنان لا يجيدون القراءة والكتابة، ومع غياب مترجمي لغة الإشارة بشكل كافٍ، تصلهم الأخبار متأخرة، ما يعيق قدرتهم على معرفة تطورات القصف وطرق النجاة أو الوصول إلى المساعدات في الوقت المناسب، قائلاً "غالبًا ما يُترك الصم خلف الركب، وهذا أمر خطير جدًا."
وبعد اندلاع الحرب في أوائل مارس هذا العام، بات شفيق يتلقى اتصالات متكررة من أفراد مجتمع الصم عبر مكالمات فيديو يطلبون المساعدة، موضحًا "اكتشفت أنهم لا يعرفون ما يحدث، سواء كانوا مع عائلاتهم أو بمفردهم أو في مراكز الإيواء".
ويضيف "جميع أرقام الطوارئ تقريبًا هي هواتف أرضية، ولا تدعم المكالمات المرئية التي يحتاجها الصم لاستخدام لغة الإشارة، لذلك يتصلون بي أو بأشخاص آخرين لهم صلة وثيقة بمجتمع الصم."
ويرى شفيق أن أكبر أدواته هي "التواصل"، إذ يعتمد على شبكة علاقاته لمساعدة الصم في التحذير من الخطر، وإيجاد الملاجئ، وتأمين المساعدات والإمدادات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ينخرط فيها شفيق في جهود الإغاثة أثناء الحرب، فخلال تصاعد النزاع اللبناني-الإسرائيلي في عام 2024، عمل مع مترجمة لغة الإشارة نائلة الحارص وآخرين على إنشاء قاعدة بيانات لتوثيق أوضاع واحتياجات الصم، والتواصل مع منظمات الإغاثة.
لكن التجربة، بحسبه، كشفت أن الحلول المؤقتة لا تكفي، وأن الحاجة ملحة إلى إطار أكثر تنظيمًا واستدامة، ما دفعه بعد انتهاء تلك الحرب إلى تأسيس "مختبر لغة الإشارة" مع نائلة، بهدف إنتاج محتوى للصم وتدريب السامعين على لغة الإشارة، وبناء جسر تواصل بين الطرفين.
ويقوم المختبر أيضًا بأنشطة توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتوجيه الصم حول كيفية التصرف في حالات الطوارئ، وأماكن التسجيل وطلب المساعدة، إضافة إلى إنتاج سلسلة أفلام قصيرة بعنوان "بكم" (Mute)، تسلط الضوء على التحديات التي يواجهها الصم في زمن الحرب.
ويؤكد شفيق أن تمكين الصم أمر أساسي، قائلاً "إذا استسلموا للأمر الواقع أو اتبعوا الآخرين بشكل أعمى، فسيضيعون بسهولة، ما يحتاجونه هو المعلومات والأدوات التي تمكنهم من اتخاذ قرارات مستقلة".
ويضيف أن الحروب لا تخلق فقط أزمات جديدة، بل تضاعف أيضًا المشاكل الاجتماعية القائمة، موضحًا "الناس يهرعون في كل الاتجاهات تحت القصف، وفي الوقت نفسه يموت بعض الصم في عزلة وصمت".
وبعيدًا عن العمل الإغاثي، شفيق مخرج وممثل مسرحي، ويشارك حاليًا في إعادة إخراج مسرحية بعنوان "عالم بلا صوت"، وفي هذه النسخة، يبتكر الصم، بدرجات مختلفة من فقدان السمع، الموسيقى معًا. بالنسبة له، هذه المسرحية تتعلق بالمساواة والتضامن الجماعي.
وفي نهاية المسرحية، يولد طفل، ويتساءل الجميع: هل هذا الطفل سامع أم أصم؟ ثم يقررون إرسال الطفل إلى القمر.
ويشرح شفيق الفكرة قائلاً "لأنه لا يوجد صوت على القمر، بدون صوت لا يمكن التمييز بين السامع والأصم، الشيء الوحيد الذي يجعلنا مختلفين هو الصوت، لذلك إذا غاب الصوت يصبح الجميع متساوين".








