تحقيق اخباري: موسم قمح واعد في سوريا يبعث الأمل رغم التحديات

الحسكة، سوريا 10 مايو 2026 (شينخوا) للمرة الأولى منذ سنوات، عادت المياه للتدفق في أجزاء من نهر الخابور في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، لتنعش حقولا عانت طويلا من الجفاف والحرب والإهمال، وتجدد أمل الفلاحين بتعاف مرتقب للبلاد.
وتمتد حقول القمح الخضراء على السهول المحيطة حتى الأفق، مانحة المزارعين شعورا نادرا بالتفاؤل بعد سنوات من الصراع والمعاناة الاقتصادية والجفاف نتيجة تغيرات المناخ. وفي المناطق الشرقية والشمالية من سوريا، والتي تعد من أحد أهم السلاسل الغذائية التقليدية، يسير المزارعون بين حقول القمح الكثيفة المتماوجة، والتي غذتها الأمطار الغزيرة التي شهدتها البلاد هذا العام، آملين أن يكون حصاد هذا العام بداية لانتعاش أوسع لقطاع الزراعة المتعثر.
وبحسب وزارة الزراعة، فقد زرع في هذا الموسم حوالي 92 بالمئة من المساحة المخطط لها للقمح، وهو واحد من أعلى المعدلات منذ عقود، إذ تشكل المناطق الشرقية 60 بالمئة من مساحات الزراعة، وتأتي الحسكة وحدها بنسبة 35 بالمئة من الخطة الوطنية.
ويؤكد مسؤولون من بينهم الدكتور سعيد إبراهيم، مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي في وزارة الزراعة السورية، أن "أرقام هذا العام لافتة للغاية".
وأضاف في حديث لوكالة ((شينخوا)) "تمكنا من تحقيق معدل تنفيذ بلغ 92 بالمئة لمحصول القمح، وبالمقارنة مع العشرين عاما الماضية، يعد هذا أحد أفضل معدلات التنفيذ التي تم تحقيقها".
وساهم تحسن هطول الأمطار في مساعدة العديد من المزارعين على تقليل اعتمادهم على الري المكلف، لا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار وقود الديزل ومستلزمات الإنتاج الزراعي. لكن، رغم الموسم الواعد، لا يزال المزارعون قلقين بشأن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وعدم استقرار أسعار القمح، ومستقبل الزراعة على المدى الطويل في المنطقة.
ففي قرى غرب مدينة الحسكة، يقول المزارعون إن أمطار هذا العام حالت دون وقوع موسم كارثي آخر. مع ذلك، يوضح كثيرون أن ارتفاع أسعار الديزل أجبرهم على تقليص مساحة الأراضي التي يزرعونها بسبب ارتفاع تكلفة الري.
ويصف المزارع محمد حسين العلي من قرية شموكة غربي مدينة الحسكة واقعه وهو ينظر الى حقله الأخضر المزروع بالقمح، قائلا "لو امتلكت خمسين دونما من الأرض، لما زرعت منها إلا خمسة وعشرين دونما. إن شراء الديزل بأسعار السوق الحرة، إلى جانب ارتفاع تكاليف قطع الغيار والمعدات الزراعية، يجعل الزراعة غير مجدية اقتصاديا".
ويضيف العلي "اليوم، يساورنا القلق بشأن مسألة أخرى، وهي ماذا لو حددت الحكومة سعر الشراء بـ450 دولارا للطن؟! سنتكبد خسائر كبيرة"، طالبا بألا يقل عن 550 دولارا للطن، ومحذرا من خطر الحرائق ونقص معدات الطوارئ.
ويقر إبراهيم بهذه الصعوبات، مؤكدا أن "من بين الصعوبات الراهنة الارتفاع الحقيقي والواضح في تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار الأسمدة والبذور"، ويضيف أن "المزارعين يطالبون بدعم العمليات الزراعية لضمان أن تكون أسعار القمح، في حال شرائها من قبل المؤسسات الحكومية، مماثلة لأسعار السوق العالمية".
وتشكل سنوات الحرب أيضا عقبة إضافية حيث أجبرت العديد من المزارعين على هجر أراضيهم، بينما لا تزال البنية التحتية المتضررة تعيق عودتهم، إذ لا تزال قرى بأكملها تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، مما يجعل من الصعب على المجتمعات الريفية التعافي بشكل كامل.
ووسط مخاوف من عدم الاستقرار الإقليمي الأوسع نطاقا وتداعياته الاقتصادية المحتملة، يحذر ابراهيم من أن استمرار التوترات قد يزيد من تكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء العالمية.
ويقول إبراهيم "إذا استمرت الحرب لأكثر من تسعين يوما، فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف العمليات الزراعية، وإثقال كاهل المزارعين بأعباء إضافية، والمساهمة في ارتفاع الأسعار العالمية، ما سيؤثر في نهاية المطاف على المستهلك السوري".
في الوقت نفسه، يشير مزارعون آخرون إلى أن غياب الدعم دفع الأجيال الشابة إلى الهجرة إلى المدن أو خارج البلاد. ويقول رجب الكاظم (70 عاما) من قرية تل صخر "الديزل غال، وشراؤه من السوق يفوق قدرتنا. مخاوفنا هذا العام كثيرة، ونخشى الحرائق، ولا نعرف السعر الرسمي للقمح بعد".
ورغم التحديات، لا يزال العديد من المزارعين متعلقين بشدة بأراضيهم. فبالنسبة للأجيال الأكبر سنا التي عانت سنوات من الجفاف والصراع، فإن عودة الحقول الخضراء والمياه الجارية تمثل أكثر من مجرد انتعاش اقتصادي، بل علامة على أن الحياة قد تعود تدريجيا إلى ريف سوريا.
ويصف المزارع حسين محمد، من قرية البويضة غرب الحسكة، أمطار هذا العام بأنها نعمة بعد سنوات من المعاناة. وقال "لقد رزقنا الله هذا العام بهذا المحصول، وكانت الأمطار غزيرة. وإذا استمرت الظروف على هذا النحو، فسيكون الحصاد وفيرا أيضا"، معربا عن أمله في إعادة بناء القطاع الزراعي للحد من الهجرة من المجتمعات الريفية. وهذا يتطلب توفير الديزل والبذور والمعدات الزراعية، حسب قوله.
بالنسبة لشمال شرق سوريا، لا يقتصر موسم القمح هذا العام على الزراعة فحسب، بل هو أيضا مسألة بقاء وتعافي وأمل هش بأن تبدأ المناطق الريفية في البلاد بالتعافي أخيرا بعد سنوات من الحرب والمعاناة.











