مقالة خاصة: أشرعة تجمع بين الماضي والحاضر.. الأسطول النهري في الأقصر شريان للسياحة والمواصلات

الأقصر، مصر 20 مايو 2026 (شينخوا) مع غروب الشمس فوق نهر النيل، يشد عبد الحميد بكري (63 عاماً) حبال فلوكته الخشبية، موجهاً قاربه الشراعي ليمر عبر ظلال المعابد القديمة في مدينة الأقصر بصعيد مصر.
وقال بكري، في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا))، "لقد ورثت هذه الفلوكة عن أبي، كنت في الثامنة من عمري فقط عندما بدأت أتعلم كيفية قراءة حركة الرياح والمياه، واليوم، يمثل هذا النهر متحفاً مفتوحاً للعالم، وفي الوقت نفسه شرياناً يومياً لحركة سكان المدينة".
وتنتمي القوارب، مثل قارب بكري، إلى سلالة يمتد تاريخها لآلاف السنين وتضرب بجذورها في الحضارة الفرعونية، عندما كانت القوارب الخشبية تمثل الشرايين الرئيسية للتجارة والنقل في مصر، غير أن الأسطول النهري في الأقصر يعيش اليوم حياة مزدوجة، إذ يجمع بين كونه وسيلة جذب للسياح الباحثين عن التاريخ القديم، ووسيلة نقل عملية يعتمد عليها السكان المحليون في تنقلاتهم اليومية.
ولمواصلة هذه الحرفة القديمة حضورها في القرن الحادي والعشرين، كان عليها أن تواكب التطورات الحديثة.
وأشار بكري إلى أن "عدداً كبيراً من القوارب اليوم مجهز بمحركات ميكانيكية حديثة لضمان السرعة والالتزام بالجداول الزمنية الضيقة للسياح"، لافتاً إلى أن مئات القوارب الشراعية التقليدية التي تعتمد على الشراع فقط ما زالت تعمل، لكنها تتطلب جهداً بدنياً كبيراً وتعتمد بصورة كاملة على حالة الطقس.
وأضاف "على الرغم من التحديات، فإن هذا العمل يضمن دخلاً مستداماً لآلاف العائلات التي لا تملك أي مصدر رزق آخر".
ويقود هذا التحديث المرتبط بالسياحة أيضاً جيل جديد من البحارة الشباب الذين يجيدون استخدام التكنولوجيا الرقمية، ومن بينهم بدوي بدري (24 عاماً)، الذي فضل العمل في النهر على الوظائف المكتبية في العاصمة المصرية القاهرة، خلافاً لما اختاره كثير من أقرانه.
وقال بدري، لوكالة أنباء ((شينخوا)) عند الرصيف الرئيسي أمام معبد الأقصر، "اخترت النيل لأنه يمنحك شعوراً مطلقاً بالحرية".
وبفضل إتقانه للغتين الإنجليزية والإسبانية، يستخدم بدري وأبناء جيله منصتي "إنستغرام" و"تيك توك" للترويج لخدماتهم السياحية مباشرة للسياح الأجانب.
وتجذب هذه التجربة السياحية المدعومة بالتكنولوجيا زواراً من مختلف أنحاء العالم، من بينهم "لاو ماو"، وهو معلم تاريخ من العاصمة الصينية بكين، كان يستمتع بالجلوس في مقدمة فلوكة برفقة زوجته خلال زيارته الرابعة لمصر.
وقال "لاو" "بصفتي معلماً للتاريخ، قرأت كثيراً عن النقل النهري الفرعوني، لكن التواجد هنا وقت الغروب يجعلك تشعر وكأنك تخطو مباشرة داخل لوحة حية تعود إلى آلاف السنين، إن النهر يتنفس تاريخاً، ويمكنك أن تشعر بنبض مصر القديمة تحت قدميك مباشرة".
ولا تزال شبكة النقل النهري التقليدية تؤدي دوراً مهماً في حركة التنقل داخل الأقصر، التي يقسمها نهر النيل إلى شطرين، حيث تواصل القوارب الخشبية الكبيرة المخصصة للبضائع نقل الحبوب والمحاصيل الزراعية والبضائع بين الضفتين الشرقية والغربية، وتمتد رحلاتها إلى مدينتي قنا وأسوان.
وبالنسبة للمتنقلين يومياً مثل مصطفى عبد الرحمن، الذي يعتمد على القوارب للعبور من الضفة الغربية إلى مقر عمله بالقرب من السوق القديم في الضفة الشرقية، فإن النقل النهري يمثل وسيلة لا غنى عنها.
وقال عبد الرحمن "العديد من هذه القوارب يعمل كمعديات عامة، لو كان عليّ استخدام الجسر، لكان لزاماً عليّ استقلال سيارة أجرة، وهو ما يكلفني أكثر بكثير من مشاركة الرحلة عبر النيل مع ركاب آخرين".
وأضاف "في الوقت الحالي، تكلفني الحركة بين الضفتين حوالي 50 جنيهاً مصرياً يومياً باستخدام هذه المعديات".
وتقع مسؤولية الحفاظ على هذا النشاط الاقتصادي المزدوج على عاتق نقابة العاملين بالمراكب الشراعية والآلية في الأقصر.
وقال رئيس النقابة حجاج محمود، في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن هذا القطاع يوفر مصدر رزق لآلاف العاملين، بمن فيهم أصحاب ورش النجارة وصناع أقمشة الأشرعة.
وأضاف "يصل عدد الفلوكات العاملة في الأقصر إلى 320، بالإضافة إلى نحو 400 قارب بمحرك تُستخدم في السياحة والنقل الجماعي ونقل البضائع، ويعمل عليها حوالي 3000 بحار".
وأشار إلى أن وجود جسرين فقط في الأقصر يجعل من استخدام القوارب والفلوكات كمعديات أمراً ضرورياً وحيوياً للانتقال اليومي لآلاف السكان.
وأوضح محمود أن النقابة تعمل بالتنسيق مع السلطات لتطبيق معايير سلامة الركاب وتنفيذ لوائح تسعير عادلة لمنع استغلال السياح.
وأكد أن "هذه القوارب جزء لا يتجزأ من الصورة السياحية للأقصر، تماماً مثل الآثار القديمة للمدينة، عندما يفكر الناس في الأقصر، تتبادر إلى أذهانهم المعابد والفلوكات وهي تنساب فوق صفحة المياه".
وأوضح أن أسعار جولات الفلوكة العادية تتراوح بين 150 و300 جنيه مصري للقارب الواحد في الساعة، فيما تتراوح تكلفة الجولات السياحية المحجوزة مسبقاً، والتي تشمل المرشدين السياحيين والانتقالات وزيارات جزر النيل، بين 1000 و1650 جنيهاً مصرياً للفرد الواحد.
واختتم محمود قائلاً "يظل مجتمع البحارة في الأقصر عازماً على إبقاء تراثه قائماً، وطالما أن النيل يتدفق، ستستمر هذه القوارب الأيقونية في حمل حكايات وأحلام ورزق أهل هذه المدينة عبر المياه".










