تحقيق إخباري: الجفاف والتغير المناخي يضغطان على المراعي في ليبيا ويزيدان أسعار الأضاحي

تحقيق إخباري: الجفاف والتغير المناخي يضغطان على المراعي في ليبيا ويزيدان أسعار الأضاحي

2026-05-26 00:28:30|xhnews

طرابلس 25 مايو 2026 (شينخوا) مع اقتراب عيد الأضحى، الذي يصادف الأربعاء أول أيامه، يزداد الإقبال على أسواق الماشية في العاصمة الليبية طرابلس، غير أن كثيرين يكتفون هذا العام بالتجول بين حظائر الأغنام دون شراء في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر الليبية مع موجات التضخم المتصاعدة.

وخلال جولة في أحد أسواق المواشي شرق العاصمة، وقف سالم إبراهيم، وهو موظف حكومي وأب لأربعة أطفال، يتأمل أسعار الأضاحي بصمت قبل أن يغادر السوق خالي الوفاض.

وقال الرجل الأربعيني بصوت يملؤه الحرج لوكالة أنباء ((شينخوا)) "في كل عام كنت أشتري أضحية وأدبر أموري، لكن هذا العام الأسعار تجاوزت قدرتي بالكامل".

وفي ليبيا، يواجه كثير من المواطنين أوضاعاً مشابهة مع الارتفاع الكبير في أسعار الأغنام، إذ تتراوح أسعار الخراف بين 2800 و5000 دينار ليبي حوالي 400 إلى 750 دولار، في وقت تتراوح فيه مرتبات شريحة واسعة من الليبيين بين 900 و2000 دينار فقط حوالي 150 و300 دولار، ما يجعل شراء الأضحية أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للكثير من الأسر.

ومع محاولات حكومية ومصرفية لإطلاق قروض على المرتبات لتمكين محدودي الدخل من شراء الأضاحي، أصدرت جهات دينية فتاوى تحرم هذه القروض باعتبارها تتضمن معاملات ربوية وإشكالات في آلية السداد، ما وضع المواطنين في حيرة بين الحاجة الاقتصادية والاعتبارات الدينية.

وفي سوق آخر جنوب العاصمة، قالت أم خالد، وهي أرملة تعيل أبناءها الثلاثة، إنها اضطرت هذا العام للتخلي عن فكرة شراء الأضحية لأول مرة منذ سنوات.

وتابعت بينما كانت تقف مع أطفالها قرب إحدى حظائر بيع الخراف "حتى أصغر خروف أصبح سعره يعادل عدة أشهر من مصروف البيت"، مضيفة بنبرة فيها حزن وتأسف "فضلت توفير المال للطعام والاحتياجات الأساسية".

ويربط مربو الماشية وخبراء هذا الارتفاع بتداعيات الجفاف والتغيرات المناخية التي أثرت بشكل كبير على المراعي الطبيعية، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الأعلاف المستوردة مرتفعة الثمن، وبالتالي ارتفاع تكاليف التربية والنقل والرعاية البيطرية.

وخلال جولات ميدانية في بعض المزارع والمناطق الرعوية، بدا الجفاف واضحاً من خلال تراجع الغطاء النباتي وانحسار المساحات الصالحة للرعي، الأمر الذي انعكس سلباً على الثروة الحيوانية في البلاد.

وقال مفتاح الورفلي، وهو مربي أغنام من جنوب ليبيا، إن كثيراً من أصحاب القطعان اضطروا إلى بيع جزء من مواشيهم بسبب صعوبة توفير الأعلاف والمياه، مضيفاً أن بعض المربين "خرجوا من النشاط بالكامل بعد سنوات من الخسائر المتتالية".

من جانبه، قال رئيس جهاز تنمية المراعي الطبيعية بوزارة الزراعة علي الطيف، ل((شينخوا)) إن الرعاة لم يعودوا يجدون مناطق مناسبة للرعي بسبب تدني الكثافة النباتية واستمرار موجات الجفاف خلال السنوات الماضية.

وتابع الطيف أن المربين باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على الأعلاف الجاهزة في ظل ارتفاع أسعارها محلياً وعالمياً، ما دفع الكثير منهم إلى تقليص أعداد قطعانهم أو ترك المهنة نهائياً، مضيفاً أن ذلك "أثر بشكل مباشر على أعداد الأغنام وأسعارها، وحدّ من قدرة المواطنين على إحياء شعيرة الأضحية".

وفي مواجهة ذلك، بدأت وزارة الزراعة خلال الفترة الأخيرة في تنفيذ مشاريع لإحياء المراعي الطبيعية وإعادة زراعة النباتات الرعوية، خاصة الأنواع المهددة بالاندثار، إضافة إلى تنظيم الرعي والحد من الرعي الجائر، وفق الطيف.

وأضاف أن الوزارة تعمل أيضاً على إنشاء وتجديد آبار المياه في مناطق الرعي لتسهيل حصول الرعاة على المياه وتقليل معاناة تنقل القطعان لمسافات طويلة، وهي ظروف كانت تتسبب في إنهاك المربين وتؤثر سلباً على المواشي.

وفي ريف صبراتة غرب العاصمة، قال فتحي عيسى، وهو مربي أغنام وبائع، إن تربية المواشي تمثل مصدر دخله الوحيد، إلا أن تراجع المراعي وندرة المياه وارتفاع تكاليف الأعلاف جعلت الاستمرار في هذا النشاط أمراً بالغ الصعوبة.

وأضاف "كان لدي نحو 450 رأساً من الغنم، أما اليوم فلم يتبق سوى قرابة 200 رأس"، محملاً الجهات المسؤولة مسؤولية عدم تقديم الدعم الكافي للمربين، خصوصاً في ما يتعلق بتوفير الأعلاف خلال سنوات الجفاف.

وتبلغ مساحة المراعي الطبيعية في ليبيا نحو 17 مليون هكتار، أي ما يعادل 10 بالمائة من مساحة البلاد، إلا أن جزءاً كبيراً منها يعاني من نقص المياه بسبب تعطل بعض الآبار وجفاف أخرى.

وتسهم هذه المراعي في توفير نحو 25 بالمائة من احتياجات الثروة الحيوانية من الأعلاف، فيما يقدر عدد الأغنام في البلاد بنحو 7.5 مليون رأس، بقيمة إجمالية تصل إلى نحو خمسة مليارات دينار ليبي.

ويرى اقتصاديون أن الأزمة لا ترتبط بالمناخ وحده، بل أيضاً بارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية وغياب الدعم الكافي لقطاع تربية المواشي، إضافة إلى تهريب جزء من الثروة الحيوانية إلى دول الجوار بسبب فروقات أسعار العملات، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.

ومع اقتراب العيد، تبقى أحاديث المواطنين في ليبيا مثقلة بالقلق، بعدما تحولت الأضحية بالنسبة لكثير من العائلات من عادة سنوية راسخة إلى أمنية يصعب تحقيقها. 

الصور