رسالة من الشرق الأوسط: ناجون من الحروب يجدون السكينة في تفاصيل القاهرة اليومية
بقلم: أحمد شفيق
القاهرة 29 مايو 2026 (شينخوا) في زاوية بمقهى تقليدي في حي المعادي، كانت نسمات القاهرة العليلة تلطف حرارة ظهيرة مشمسة، وتغزل مشهداً يختزل شتات المنطقة؛ طاولة خشبية جمعتني- أنا الفلسطيني المصري- بثلاثة من أصدقائي: سوداني، وسوري، ومصري. وفيما كان ضجيج المدينة يتلاشى بهدوء في الخلفية، كان بخار الشاي يتصاعد حاملاً معه تفاصيل ذكرياتنا العابرة للحدود نحو ديارنا.
فوق رؤوسنا، كانت شاشة تلفزيون معلقة على جدار عتيق تبث أنباء المآسي التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط؛ بدءاً من الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران الذي يرسل موجات صدمة متتالية في أنحاء المنطقة، مروراً بأنقاض غزة، وصولاً إلى شوارع بيروت الجريحة، والعنف المستمر في السودان.
ومع ذلك، وفي مفارقة صارخة يكاد يصعب استيعابها، كان جاري السوداني محمد سلامة، يرتشف الشاي ببطء مستمتعاً بسكون اللحظة، في حين كان صديقي السوري خالد وليد، يلاعب ابنه الصغير الذي لا يعرف شيئاً عن الحرب إلا من خلال الحكايات، بينما كان جاري المصري محمد أشرف، يلقي النكات بضحكته المميزة التي بدت وكأنها تذيب جبالاً من القلق في هواء بعد الظهر.
نحن جميعاً ناجون من الحروب، وهنا في مصر، وجد كل منا شيئاً أضحى نادراً بشكل متزايد في هذا الجزء من العالم: السكينة.
في مصر، لا تشعر بأنك لاجئ، أو نازح، أو مجرد رقم في ملف إغاثة دولي؛ بل أنت ببساطة إنسان يبحث عن الأمان، وتجده في تفاصيل اليوم العادية.
شخصياً، أحمل في عروقي دماً فلسطينياً ومصرياً معاً؛ هويتان تمزجان الصمود بالانتماء، لكن ذكرياتي الأثقل تنتمي إلى غزة، ذلك القطاع الذي علمني معنى الصبر والألم. لقد غادرت القطاع في عام 2014، بعد سنوات من تغطية الحرب كصحفي ميداني، مدفوعاً بقناعة أن أطفالي يستحقون حياة تكون فيها ضحكاتهم أعلى من صوت الانفجارات.
لقد شهدت في غزة أحلاماً تتداعى تحت وطأة الركام، واليوم في مصر، أكتب قصصاً عن الحياة بدلاً من الموت. وأنا أراقب ابنتي وهي تدرس في سلام، أدرك أن شجاعتي في مغادرة القطاع كانت من أجل هذه اللحظة بالذات.
ولطالما كانت مصر من بين الوجهات الأولى لكل من يسعى للحصول على ملاذ في المنطقة، ليس للعرب فحسب، بل للأفارقة أيضاً الفارين من الحروب الأهلية والمجاعات. وعلى الرغم من وجعي المستمر الذي لا ينقطع على غزة، فإنني ممتن لكل لحظة أقضيها هنا.
وعندما اندلعت الحرب في غزة عام 2023، وخلال زيارة للقطاع، حوصر أطفالي هناك وعاشوا رعباً حقيقياً لشهور تحت القصف، قبل أن تجليهم الحكومة المصرية بناءً على حقوق مواطنتهم المصرية، لينضموا الآن إلى قرابة 100 ألف فلسطيني وجدوا في هذا البلد شاطئ أمان.
وعلى الطاولة ذاتها، جلس بجانبي سلامة، وهو رجل في الخمسينيات من عمره فر من الخرطوم قبل ثلاث سنوات عندما تحولت شوارعها التي كانت جميلة ذات يوم إلى ساحات قتال عبثية. يعمل سلامة الآن مشرفاً في مركز تجاري بالقاهرة، بينما يذهب أطفاله الثلاثة إلى المدارس المصرية جنباً إلى جنب مع أقرانهم المصريين.
ويقول سلامة، وعيناه المغرورقتان بالدموع تعكسان ذكريات وطنه: "مصر لم تمنحني مجرد إقامة قانونية، بل منحتني بيتاً حقيقياً لا يرتجف فيه أطفالي عند سماع دوي إطلاق النار، ولا يخافون فيه من غد مجهول".
وعلى الجانب الآخر من الطاولة، جلس وليد الذي وصل إلى مصر قبل 13 عاماً شاباً في العشرينيات من عمره، فاراً من دمار سوريا. اليوم، يدير وليد عملاً تجارياً صغيراً، ولديه زوجة وأطفال، وبنى حياة مستقرة.
وبينما توجه ملايين السوريين نحو أوروبا، اختار هو الاستقرار في مصر، مؤكداً أن "الشعب المصري كريم بطبعه، ولا ينظر إليك كغريب، بل كأخ". وقال "لقد انصهرت في هذا المكان، إنني أعرف أسماء جيران جيراني، ولم يعد أحد يسألني من أين أتيت بعد الآن".
أما أشرف، فقد كان يستمع لحديثنا ملتفتاً إلى شاشة التلفزيون من حين لآخر، قبل أن يعلق بهدوء: "الأمان الذي نعيشه ليس حظاً، بل هو نتاج سياسة حكيمة ودولة قوية".
ثم التفت إلينا، وارتسمت ضحكة على وجهه لتخفف ما لم تستطع عيناه إخفاءه، وقال بلهجة مازحة: "سأشتاق إليكم كثيراً عندما ترحلون.. لكنني أدعو الله أن تأتي تلك اللحظة قريباً، لأن ذلك سيعني أن بلادكم أصبحت مستعدة لاستقبالكم مجدداً".








