(وسائط متعددة) مقالة خاصة: في اليوم العالمي للوالدين.. آباء وأمهات غزة عالقون في "دائرة مفرغة" لتأمين أدنى أساسيات الحياة لأطفالهم
غزة أول يونيو 2026 (شينخوا) مع بزوغ أول خيوط الفجر، يبدأ سليم عثمان يوما جديدا لا يختلف كثيرا عن أيامه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فبدلا من الانشغال بإتمام شهادته العليا في الاقتصاد، ومتابعة خطط أولاده الدراسية أو الأنشطة العائلية، بات منشغلا برحلة يومية شاقة للبحث عن الماء والغذاء وتأمين أساسيات الحياة لأطفاله.
وعثمان (37 عاما) نازح من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، ويقيم حاليا في خيمة داخل مركز إيواء بمدينة غزة، وكان يعمل قبل الحرب أستاذا جامعيا، غير أن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 حرمته من استكمال رسالة الدكتوراه.
ويقول عثمان، وهو أب لثلاثة أبناء، "فقدت عددا من أفراد أسرتي، ومنزلي، وعملي، وهُجّرت من أرضي بسبب الحرب، واليوم تتكرر معاناتي بشكل يومي في البحث عن أساسيات الحياة".
ويضيف، وهو يحمل نسخة أولية من رسالة الدكتوراه الخاصة به، "بدلا من أن أكون منهمكا في البحث والدراسة وإتمام دراستي العليا، أجد نفسي منهمكا في طوابير المياه والطعام وجلب المستلزمات الأولية لأطفالي".
ويوضح أن كل ما يشغل تفكيره عند الاستيقاظ هو محاولة تأمين الماء والغذاء والدواء ليوم واحد فقط، قبل أن يعود في اليوم التالي ليبدأ من الصفر، مضيفا: "هذه الحرب أنهت التخطيط في حياتنا، فنحن نعيش كل يوم على حدة".
ولا تعكس كلمات عثمان وحدها حجم المعاناة، بل تبدو آثارها واضحة على ملامحه أيضا، فالرجل الذي كان يظهر في صور عائلية قديمة شابا هادئا بملامح مستقرة، تبدو عليه اليوم علامات الإرهاق والقلق، وقد غطت التجاعيد المبكرة وجهه بشكل يوحي بأنه تقدم في العمر سنوات طويلة خلال فترة وجيزة.
ويقول لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن الإرهاق المزمن وقلة النوم وسوء التغذية انعكست مباشرة على صحته، مضيفا "أعاني من آلام متكررة في الظهر وإجهاد دائم وضغط نفسي متصاعد".
وعثمان واحد من آلاف الآباء والأمهات في قطاع غزة الذين يجدون أنفسهم عالقين في "دوائر مفرغة"، على حد وصفهم، في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للوالدين.
وفي عام 2012، عيّنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأول من يونيو من كل عام يوما للوالدين، تثمينا لتفانيهما في الالتزام بأبنائهما والتضحيات التي يقدمانها مدى الحياة لتعزيز هذه العلاقة.
وفي أحد مراكز الإيواء بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس سعيد أبو شاكوش، النازح من مدينة رفح، داخل خيمته محاولا إشغال أطفاله الأربعة ببعض الألعاب والأنشطة اليومية.
ويقول أبو شاكوش (39 عاما) لـ((شينخوا)) "على الرغم من الحرب، إلا أنني أواظب على إشغال أطفالي بألعاب وأنشطة تغذي عقولهم، من أجل الحفاظ على مستوياتهم العقلية التي كانت قبل الحرب".
ويضيف "ما يؤلمني حقا هو أنني أشعر بالعجز أمام احتياجات أطفالي المتزايدة، فقبل الحرب كنت أعمل في وظيفة جيدة وأوفر لهم جميعا ما يحتاجونه، أما اليوم فبالكاد أستطيع أن أوفر لهم طلباتهم اليومية".
ويوضح أنه كان قد ألحق أطفاله قبل الحرب بأنشطة ترفيهية وعقلية، مثل برنامج حساب الذكاء العقلي وأندية كرة القدم والشطرنج، لكنه لم يعد قادرا اليوم على تحمل تكاليف أي برامج تدريبية تنمي قدراتهم.
ومثل كثير من الآباء، تركت الحرب آثارها الواضحة على ملامحه، فبعدما كان أكثر امتلاء وحيوية، فقد جزءا كبيرا من وزنه، وباتت علامات الشحوب والإرهاق المستمر بادية على وجهه، في انعكاس مباشر لظروف النزوح ونقص الغذاء والضغوط النفسية اليومية.
وفي مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، لم يجد المهندس عدنان البريم حرجا في إنشاء بسطة لبيع الخضروات والفواكه، بعدما فقد عمله في شركة مقاولات بسبب الحرب.
ويقول البريم (40 عاما)، وهو أب لخمسة أبناء، لـ((شينخوا)) "همّي أن أوفر لأبنائي حياة كريمة حتى لو كنت سأضطر للعمل في مجال آخر".
ويضيف، وهو يمسح بعض حبات الفواكه وينادي لجذب المارة "معظم الذين يشترون مني لا يعلمون أنني أحمل شهادة الهندسة، ولكن ذلك لا يعني أن أقف مكتوف اليدين وأنا أرى أطفالي يتضورون جوعا، هذه مهمتنا نحن الآباء".
ورغم محاولته الحفاظ على تماسكه، تبدو آثار الحرب واضحة على صحته الجسدية أيضا، إذ يعاني من إرهاق يومي نتيجة العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، بعدما كان يعمل في بيئة مكتبية مستقرة.
ويقول إن ضغط العمل الجديد، إلى جانب القلق المستمر على أسرته، جعله يشعر وكأنه "يكبر بسرعة غير طبيعية"، مع آلام متكررة في المفاصل وإجهاد لا يزول.
وفي مدينة غزة، تبدو ملامح التحول الحاد في حياة الشابة الفلسطينية مريم حسن (29 عاما) واضحة منذ اللحظة الأولى، فقدت زوجها ووالديها وإخوتها في قصف إسرائيلي، لتجد نفسها فجأة المعيل الوحيد لأطفالها الثلاثة، إضافة إلى شقيقتها الصغرى البالغة من العمر 12 عاما.
وقبل الحرب، كانت مريم تعيش حياة أسرية مستقرة نسبيا، وتهتم بتفاصيل مظهرها خلال الزيارات العائلية والمناسبات، وتختار أزياءها بعناية كأم شابة تعيش حياة هادئة.
أما اليوم، فتقف داخل مركز الإيواء مرتدية طقم الصلاة المكون من قطعتين فضفاضتين، والذي أصبح رفيقها الدائم طوال اليوم، ليس لأداء الصلاة فحسب، بل لسهولة ارتدائه خلال ساعات العمل المتواصل والبحث عن احتياجات أسرتها في ظروف معيشية قاسية.
وتقول بصوت متعب: "لم أعد أفكر في نفسي كما كنت أفعل، لم يعد هناك مكان للفكرة أصلا، كل يوم يبدأ بالسؤال نفسه: كيف سأطعم الأطفال اليوم؟ كيف سأوفر لهم ماء أو دواء إذا احتاجوا؟ كل شيء صار مرتبطا بالبقاء فقط، لا شيء آخر".
وتضيف: "كنت أظن أن أصعب ما يمكن أن يمر على الإنسان هو فقدان شخص عزيز، لكن أن تفقد الجميع دفعة واحدة، وتبقى وحدك مسؤولة عن أطفال وشقيقة صغيرة، فهذا شعور لا يمكن وصفه، أحيانا أشعر أنني أكبر من عمري بعقود، لكن في الوقت نفسه لا وقت للتفكير، فقط للحركة والعمل والصمود".
وتتابع "حتى أبسط الأشياء تغيرت، النوم لم يعد نوما حقيقيا، بل نوم متقطع من التعب والخوف بسبب تواصل القصف. الطعام أصبح حسابات دقيقة، والوقت كله يدور حول تلبية احتياجات لا تنتهي، أعيش حالة ضغط مستمر، لكنني لا أملك رفاهية التوقف".
وتؤكد أن مسؤوليتها تجاه أطفالها وشقيقتها الصغيرة أصبحت الدافع الوحيد للاستمرار، قائلة "أحيانا أنهار من الداخل، لكن عندما أنظر إلى الأطفال أشعر أن عليّ أن أتماسك، هم لا ذنب لهم، ولا يجب أن يدفعوا ثمن ما حدث، أحاول أن أكون لهم الأم والأب معا، رغم أنني أشعر أحيانا أنني أذوب من التعب".
وتقول المختصة في الشأن الاجتماعي نورهان أحمد لـ((شينخوا)) إن الضغوط النفسية والإنسانية والاقتصادية المتراكمة في قطاع غزة ألقت بمسؤوليات وأعباء كبيرة على الآباء والأمهات، مشيرة إلى أن زياراتها الميدانية وتقديمها عددا من الورش في مخيمات قطاع غزة أظهرت أن الوالدين، إلى جانب مسؤولية تأمين الاحتياجات الأساسية، يحاولان حماية أبنائهما من الآثار النفسية المتواصلة للحرب، رغم أنهما يعيشان الظروف ذاتها.
وتضيف أن الآباء والأمهات يشعرون بأنهم في سباق يومي لتوفير الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، بالتوازي مع الحفاظ على شعورهم بالأمان والاستقرار، وهو ما يزيد من الأعباء الملقاة على عاتقهم ويضاعف من إرهاقهم النفسي، خاصة في ظل غياب اليقين بشأن المستقبل. ■








