(وسائط متعددة) مقالة خاصة: بين الخيام والمهجر... لاجئون ونازحون في الشرق الأوسط يترقبون استعادة الأمان والعودة إلى الديار
صورة التقطت في 12 يونيو 2026 تُظهر خياما مؤقتة للنازحين الفلسطينيين في مدينة غزة. (شينخوا)
بكين 20 يونيو 2026 (شينخوا) في زاوية خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، حيث تمتزج أصوات الأطفال بصفير رياح عابرة بين الخيام وأزيز مولد كهربائي ينبعث من بعيد، يجلس أحمد طافش (22 عاما) وسط أفراد عائلته، محاولا أن يقتطع لنفسه حيزا في مساحة مكتظة لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة.
هنا، لا تفصل بين النوم واليقظة سوى أقمشة رقيقة بالكاد تحجب العتمة، ولا بين الماضي والحاضر سوى ذاكرة مثقلة بصور بيت لم يعد موجودا، لكنه ما يزال حاضرا في التفاصيل الصغيرة.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العالم يوم اللاجئ العالمي، الذي يصادف العشرين من يونيو من كل عام، لا تزال منطقة الشرق الأوسط من أكثر بقاع العالم تأثرا بأزمات النزوح الممتدة، حيث تتشابك معاناة اللجوء في غزة وسوريا ولبنان مع تحديات إنسانية واقتصادية متفاقمة. وفي ظل هذا المشهد، يتطلع ملايين اللاجئين والنازحين، ومنهم أحمد، إلى تحقيق أبسط أمنياتهم، ألا وهي استعادة الاستقرار والعودة إلى الديار.
- حين تنكمش الحياة إلى مساحة خيمة
قبل الحرب، كان أحمد طالبا في كلية تكنولوجيا المعلومات بالجامعة الإسلامية في غزة، إذ يضع حاسوبه بين يديه ويخطط لمستقبل مهني واعد في عالم البرمجيات، ويحلم باستكمال دراسته في الخارج وبناء حياة مستقرة. أما اليوم، فقد تبدلت تفاصيل حياته بالكامل، وغدا كل ما كان يطمح إليه بعيدا خلف واقع مختلف تماما.
وعندما التقت وكالة أنباء ((شينخوا)) بأحمد، قال "تخرجت عبر التعليم الإلكتروني وسط القصف. فقدت منزلنا وكل مقومات حياتنا، حتى جهاز الحاسوب الذي كنت أستخدمه في الدراسة والعمل... كنا نعيش في شقة مساحتها 180 مترا مربعا، أما الآن فنعيش عشرة أفراد في خيمة لا تتجاوز مساحتها 16 مترا مربعا. هذا التحول بحد ذاته صعب جدا".
ما إن يبدأ أحمد يومه حتى ينطلق في البحث عن المياه، ثم يقف في طوابير الخبز والمساعدات، قبل أن يتوجه إلى عمله الحالي مساعدا لسائق سيارة أجرة، هو عمل لم يتخيل يوما أن يقوم به. يقضي ساعات طويلة على طرق مدمرة وتحت أشعة الشمس الحارقة، في محاولة لتأمين دخل بالكاد يسد الاحتياجات اليومية، لكنه يظل الخيار الوحيد المتاح أمامه.
قصة أحمد ليست استثناء في غزة، لكنها تختزن تفاصيل يومية تختصر معنى الفقد المؤلم والتحول القاسي. من شاب كان يرسم ملامح مستقبله في البرمجة والسفر، إلى شاب يقيس يومه بعدد الأرغفة التي يحصل عليها وساعات عمله تحت الشمس، تتقلص الحياة شيئا فشيئا حتى لا يبقى منها سوى ضرورياتها الأولى.
رغم العيش في هذه الظروف الصعبة، لا يزال أحمد يأمل في انتهاء الحرب بشكل كامل، وعودة الناس إلى ديارهم، وانطلاق إعادة إعمار غزة في أقرب وقت. كما يحلم بالحصول على منحة دراسية لاستكمال تعليمه والعمل في مجاله، أو حتى إنشاء مشروع صغير. وخرجت كلماته من داخله مؤثرة حين قال "أريد فقط أن أعيش حياة مستقرة مثل باقي الشباب في العالم".
صورة التقطت في 18 يناير 2025 تُظهر لاجئين سوريين في مخيم الزعتري بالأردن. (شينخوا)
- حين يصبح الوطن الأم مكانا غريبا
في الأردن، تحمل اللاجئة السورية نور إسماعيل (27 عاما) قصة مختلفة في تفاصيلها، لكنها تلتقي في جوهرها مع قصص ملايين السوريين الذين وجدوا أنفسهم بعيدا عن وطنهم، يعيشون بين ذاكرة لم تغب وواقع جديد فرضته الظروف.
ففي عام 2013، اضطرت نور إلى مغادرة منزلها في ريف دمشق مع عائلتها هربا من الحرب، لتبدأ رحلة لجوء طويلة في الأردن، حيث أمضت ما يقارب نصف عمرها هناك. واليوم، استطاعت العائلة أن تبني حياة جديدة في الأردن، رغم التحديات المالية التي لا تزال ترافقها.
تمكنت نور من إيجاد عمل، إلا أن دخلها ظل متدنيا بفعل التكاليف المرتبطة بتصاريح العمل والتأمين الخاص بالعمل في الأردن. وفي المقابل، تراجعت المساعدات الإنسانية التي كانت تتلقاها العائلة تدريجيا خلال السنوات الأخيرة بسبب تقلص الموارد المالية التي تخصصها المنظمات الإنسانية للاستجابة لأزمة سوريا، ما انعكس على عدد كبير من الأسر السورية داخل البلاد وخارجها.
وقالت "كنا نتلقى دعما من الأمم المتحدة، بما في ذلك المساعدات الغذائية، لكننا اليوم لم نعد نتلقى شيئا، ولا حتى المساعدة الطبية... نحاول تدبير أمورنا لتوفير الطعام والماء والكهرباء، لكن الحياة ليست سهلة". وفي هذا السياق، ورغم ما منحته التغيرات السياسية في سوريا من أمل لبعض اللاجئين والنازحين السوريين في العودة إلى ديارهم، إلا أن نور أكدت أن عائلتها لا تزال غير مستعدة للعودة حتى الآن.
زارت نور سوريا مؤخرا للتواصل مجددا مع وطنها، حيث أشارت إلى أن هذه التجربة أكدت لها حجم التغيير الذي طرأ على حياتها بعد أكثر من عقد من الزمن في الأردن. وأضافت "في اللحظة الأولى من زيارتي شعرت بالسعادة، لكن سرعان ما أدركت أن البلد غريب عني. بدت لي الوجوه غريبة، ولم أعد أعرف الشوارع".
واستطردت بصوت تختلط فيه مشاعر الحزن والشوق والأمل، قائلة "لقد دُمر منزلنا خلال الحرب، ولا تزال فرص العمل محدودة في سوريا. إذا تحسن الوضع الاقتصادي وأصبح أكثر أمانا، فسنعود حتما. لا نريد البقاء في الأردن إلى الأبد".
صورة التقطت في 18 يونيو 2026 تُظهر امرأة داخل مبنى طاله الدمار جراء غارات إسرائيلية في النبطية، جنوب لبنان. (شينخوا)
- بين آثار الحرب وأحلام إعادة الإعمار
في لبنان، يوجد حاليا 1.4 مليون نازح، أي ما يزيد على 20 في المائة من السكان، وتُعد هذه النسبة من بين الأعلى عالميا نظرا لصغر مساحة لبنان، حسبما ذكرت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان أنانديتا فيليبوس يوم 15 يونيو في حوار مع أخبار الأمم المتحدة.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل، والذي لا يزال ساريا، وتوصل إيران والولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم تنص على وقف الأعمال القتالية في الجبهة اللبنانية، إلا أن الأعمال العدائية لم تتوقف. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الاثنين الماضي أن إسرائيل ستبقى فيما وصفها بـ"المنطقة الأمنية" في لبنان. وبناء على هذا التصريح، لا يزال الغموض يكتنف مستقبل كثير من النازحين.
فقد لفت حسان عبد الله، وهو أب لخمسة أبناء، نزح من بلدة الخيام الحدودية إلى بلدة حاصبيا، إلى أن الأشهر الماضية شكلت واحدة من أشد الفترات قسوة في حياته وحياة أسرته، مضيفا أن "التوترات الأمنية ألقت بظلالها على كل تفاصيل الحياة اليومية، وكنا نتابع أخبار الغارات والقصف بقلق لا يكاد يفارقنا، في انتظار ما قد يحمله الغد من تطورات".
وأوضح أنه فقد مصدر رزقه بعد توقف عمله في إصلاح الدراجات النارية، إذ لم يتمكن من العثور على فرصة عمل جديدة خلال فترة النزوح. وأضاف، بصوت يختلط فيه القلق بالمرارة، أن أكثر ما يثقل قلبه اليوم هو ذلك الغموض الذي يخيم على المستقبل. ورغم ذلك، لا يزال متمسكا بالأمل في العودة، حيث قال "أتطلع إلى يوم تتوقف فيه الأعمال العسكرية، لأعيد بناء منزل جديد يحتضن عائلتي".
ومن جهتها، ذكرت دلال نصر الله، التي نزحت من مدينة النبطية إلى بلدة الجاهلية في منطقة الشوف، أن النزوح خلف آثارا عميقة على حياة أسرتها، مضيفة "كان الشعور بعدم الاستقرار حاضرا باستمرار، يرافق تفاصيل يومنا من لحظة إلى أخرى".
وأشارت إلى أن أبناءها الثلاثة واجهوا صعوبات كبيرة في متابعة تعليمهم بعد تدمير مدرستهم، وكان من الصعب توفير بيئة مناسبة للدراسة في ظروف التهجير. ومع استشرافها للمستقبل، جاءت كلمات دلال محملة بالحنين الممزوج بالأمل، قائلة "أحلم بالأمن والأمان، وأكثر ما نحتاج إليه اليوم هو الاستقرار وراحة البال".■







