(وسائط متعددة) تغطية حية: الأبيّض السودانية... مدينة محاصرة بين القلق والتحركات العسكرية

(وسائط متعددة) تغطية حية: الأبيّض السودانية... مدينة محاصرة بين القلق والتحركات العسكرية

2026-06-25 04:34:15|xhnews

 

عمال يرممون مسجدا متضررا من الحرب في الخرطوم، السودان، يوم 5 فبراير 2026. (شينخوا)

الخرطوم 24 يونيو 2026 (شينخوا) قبل ساعات من امتلاء شوارع مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان السودانية بحركتها اليومية، وضع السكان عشرات الأوعية البلاستيكية والجِرار والخزانات الصغيرة في طابور طويل أمام إحدى نقاط توزيع المياه لحجز مواقعهم مبكرا، في مشهد يعكس حالة من الترقب والقلق في ظل أحاديث يومية عن تحركات عسكرية.

ولم يكن الازدحام أمام محطة المياه سوى واحد من مظاهر الاستعداد الصامت، الذي يعيشه سكان الأبيض، مع اقتراب شبح الحرب أكثر من أي وقت مضى من المدينة المحاصرة.

ففي أحيائها المختلفة، سارعت أسر إلى تخزين ما تيسر من المواد الغذائية والوقود ومياه الشرب، بينما عمد آخرون إلى سحب مدخراتهم النقدية خشية توقف الخدمات المصرفية أو تعطل وسائل الدفع الإلكتروني.

فيما تفقد بعض السكان الطرق المؤدية إلى القرى المجاورة تحسبا لاضطرارهم إلى المغادرة بشكل مفاجئ في حال اندلاع معارك داخل المدينة.

ومع تزايد الحديث عن حشود وتحركات عسكرية في محيط الأبيض، بدأ كثيرون في إعداد حقائب صغيرة تضم الوثائق الشخصية والأوراق الثبوتية والأدوية الضرورية لتكون جاهزة في حال اضطروا للنزوح على عجل.

وتزايدت المخاوف بشأن مصير المدينة خلال الأيام الأخيرة بعد تحذيرات دولية من احتمال تصاعد القتال في محيطها.

وأعرب مجلس الأمن الدولي السبت الماضي عن قلقه إزاء تقارير تفيد بحشد تعزيزات عسكرية كبيرة من قبل قوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض في السودان، وما ينطوي عليه ذلك من خطر شن هجوم بري محتمل على المدينة.

وفي بيان صحفي، أبدى مجلس الأمن قلقه إزاء الخطر الوشيك لوقوع فظائع جماعية، وطالب قوات الدعم السريع بوقف هجومها على مدينة الأبيض فورا.

وقال السوداني محمد أحمد مهدي، وهو أحد المنتظرين للحصول على المياه، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن أحاديث الناس لم تعد تدور حول الأسعار أو اختفاء السلع، بل حول ما إذا كانت المدينة ستشهد مواجهة عسكرية واسعة خلال الأيام المقبلة.

وأضاف "الجميع يراقب ما يجري حول الأبيض، هناك خوف من أن تتكرر هنا مشاهد شهدتها مدن أخرى خلال الحرب".

وتتغذى هذه المخاوف على حجم الكارثة الإنسانية المحتملة، إذ تضم الأبيض، وفق بيان صادر عن منظمات دولية غير حكومية في 20 يونيو الجاري، أكثر من 563 ألف مدني، وتستضيف حاليا ما يزيد على 105 آلاف نازح فروا من أعمال العنف في مناطق أخرى من البلاد.

وفي وقت سابق حذر رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت، من أن الأبيض قد تدخل مرحلة المجاعة خلال أسابيع قليلة إذا استمر الحصار الحالي ولم تُفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الغذائية.

وتعيش الأبيض منذ عدة أشهر تحت حصار فعلي تفرضه قوات الدعم السريع، مما أدى إلى إغلاق عدد من الطرق الرئيسية المؤدية إليها وتراجع حركة الإمدادات التجارية والإنسانية.

وداخل المدينة المحاصرة، تتفاقم الأزمة المعيشية مع تراجع توفر السلع الأساسية وارتفاع أسعار بعضها بنسبة وصلت إلى 300 في المائة خلال شهرين فقط، وفق سكان.

وقال السوداني خليل عبد الله، وهو موظف في الأربعينيات من عمره يقيم بحي الرديف، إنه اشترى خلال الأيام الماضية كميات إضافية من الدقيق والسكر والمياه وبعض الأدوية الأساسية.

وأضاف "لا أحد يعرف ما الذي قد يحدث خلال الأيام المقبلة، نأمل ألا تصل المعارك إلى داخل المدينة، لكننا نحاول الاستعداد لأي طارئ حتى لا نجد أنفسنا بلا غذاء أو دواء إذا تدهورت الأوضاع".

فيما أرسلت خديجة أحمد، وهي ربة منزل وأم لخمسة أطفال، اثنين من أبنائها إلى أقارب لهم خارج الأبيض قبل أيام.

وقالت المرأة السودانية "إن الخوف الأكبر ليس من أصوات السلاح فقط، بل من الفوضى التي قد ترافق أي هجوم على المدينة، نريد أن يكون الأطفال في مكان أكثر أمانا إذا ساءت الأوضاع".

ويشهد محيط المدينة تحركات عسكرية متسارعة، وفق مصادر محلية، تحدثت عن حشود لقوات الدعم السريع في عدة محاور، بينما يواصل الجيش تعزيز مواقعه الدفاعية داخل المدينة وحول قيادته العسكرية الرئيسية.

وبجانب التحركات، تشهد المدينة الإستراتيجية الواقعة بوسط إقليم كردفان تزايدا في وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة، حيث تتهم السلطات السودانية قوات الدعم السريع بشنها.

وأدانت حكومة ولاية شمال كردفان في بيان صدر أمس (الثلاثاء) ما وصفته بـ"الهجمات المنظمة التي تستهدف المدنيين"، معتبرة أنها تمثل انتهاكا صارخا للقانون الإنساني الدولي.

وجددت حكومة الولاية ولجنة الأمن دعوتهما للمنظمات الإنسانية والجهات الدولية إلى إدانة الانتهاكات والعمل على حماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.

وأدان وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة السوداني خالد الإعيسر في بيان اليوم (الأربعاء) استهداف مدينة الأبيض والمدنيين والبنية التحتية في عدد من المدن والقرى، ودعا إلى حماية المدنيين ووقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتعد الأبيض من أبرز معاقل الجيش في غرب البلاد.

نازحون يجلسون تحت خيام مصنوعة من جذوع الأشجار والقماش في الطويلة، شمال دارفور، السودان، يوم 8 أغسطس 2025. (شينخوا)

وخلال الأيام الماضية، تحدث سكان في قرى تقع غرب الأبيض عن مشاهدات متكررة لتحركات عسكرية وأرتال من المركبات القتالية على الطرق المؤدية إلى المدينة.

وقال أحد سكان تلك المناطق، طالبا عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن الحركة العسكرية ازدادت بصورة ملحوظة مقارنة بالأشهر السابقة، مضيفا "نشاهد بشكل متكرر سيارات قتالية وشاحنات تنقل مقاتلين ومعدات".

ويقول سكان إن أصوات الطائرات المسيرة والانفجارات أصبحت جزءا من الحياة اليومية في الأبيض.

وقال أحمد يوسف، وهو معلم مدرسة، إن الأطفال باتوا قادرين على التمييز بين أصوات الطائرات المختلفة، مضيفا "هذا أمر مؤلم، الأطفال الذين يفترض أن ينشغلوا بالدراسة واللعب أصبحوا يتابعون أخبار الحرب".

وتعرضت مستشفيات ومدارس وأسواق وبنى تحتية مدنية في ولاية شمال كردفان خلال الأشهر الستة الماضية لأضرار أو دمار نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة، فيما أسفرت هجمات متصاعدة خلال الأسبوعين الماضيين في مدينة الأبيض ومحيطها، بما في ذلك هجمات نُسبت إلى قوات الدعم السريع، عن مقتل عشرات المدنيين، وفق تقارير دولية.

وتُعد الأبيض مركزا تجاريا وإنسانيا حيويا لإقليم كردفان، وبوابة رئيسية للعمليات الإنسانية في المنطقة، ما يجعل أي تعطيل لوصول المساعدات أو لطرق الإمداد التجارية عاملا إضافيا في تفاقم الأزمة الإنسانية.

وفي أحد مراكز الإيواء داخل المدينة، كانت النازحة آمنة إسماعيل، تجلس برفقة أطفالها الثلاثة داخل فصل دراسي تحول إلى مأوى مؤقت بعد فرارها من إحدى القرى المتأثرة بالقتال.

وقالت آمنة لـ((شينخوا)) "هربنا من القتال قبل أشهر بحثا عن الأمان، لكننا الآن نسمع يوميا عن احتمال اندلاع معارك جديدة، لا نعرف إلى أين سنذهب إذا وصلت الحرب إلى داخل المدينة".

وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن أي تصعيد للقتال داخل الأبيض سيعرض أعدادا كبيرة من المدنيين للخطر، ويؤثر بصورة خطيرة على العمليات الإنسانية.

فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع تكرار المأساة الإنسانية التي شهدتها مدن أخرى في السودان.

وأدت المعارك المتصاعدة في إقليم كردفان منذ أكتوبر 2025 إلى نزوح أكثر من 132 ألف شخص، فيما تستمر موجات النزوح مع اتساع رقعة القتال، وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية.

ومع اقتراب المساء، كانت أوعية المياه قد اختفت من أمام نقطة التوزيع، لكن الأحاديث التي دارت حولها ظلت حاضرة في شوارع المدينة، بينما يواصل السكان متابعة الأخبار بقلق، في انتظار ما إذا كانت الأبيض ستنجو من مواجهة واسعة، أم تدخل فصلا جديدا من الحرب.

الصور