مقالة خاصة: مدرسة من الخشب تعيد أطفال غزة إلى الفصول الدراسية بعد أشهر طويلة من الحرب

مقالة خاصة: مدرسة من الخشب تعيد أطفال غزة إلى الفصول الدراسية بعد أشهر طويلة من الحرب

2026-07-17 00:11:30|xhnews

غزة 16 يوليو 2026 (شينخوا) على مقعد دراسي خشبي جلست الطفلة الفلسطينية سارة الحسني، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة قبل قرابة ثلاثة أعوام، وهي تمسك دفترها داخل غرفة صفية بعد أشهر طويلة من حرمانها من الدراسة في الفصول المدرسية النظامية.

فمع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر من العام 2023، أغلقت المدارس في مختلف أنحاء قطاع غزة أبوابها بعدما تعرض عدد كبير منها للتدمير أو لأضرار جسيمة، فيما تحولت غالبية المدارس المتبقية إلى مراكز لإيواء النازحين، الأمر الذي دفع إلى إنشاء نقاط تعليمية مؤقتة داخل الخيام افتقرت إلى الفصول الدراسية والمقاعد والوسائل التعليمية الأساسية.

واليوم تعود سارة إلى أجواء الدراسة داخل مدرسة "أصدقاء فلسطين"، التي فتحت أبوابها الخميس كأول مدرسة في قطاع غزة تعتمد على غرف صفية ومقاعد خشبية أعيد تصنيعها واستخدامها في محاولة لتوفير بيئة تعليمية أقرب إلى المدارس النظامية للأطفال الذين حرموا من الدراسة داخل الفصول منذ اندلاع الحرب.

وتقول سارة البالغة من العمر (12 عاما) لوكالة أنباء ((شينخوا)) "عندما جلست على هذا المقعد شعرت بأنني عدت إلى المدرسة التي كنت أحبها قبل الحرب. طوال الأشهر الماضية كنا نتلقى الدروس داخل الخيام، لكن وجود صف حقيقي وسبورة ومقاعد يجعلني أشعر بأنني أعيش حياة طبيعية من جديد".

وتضيف "كنت أفتقد رؤية معلمتي وزميلاتي داخل فصل دراسي. اليوم أستطيع أن أكتب على طاولتي، وأركز في الدرس، وأشارك في الأنشطة، وهذا يجعلني أكثر حماسا للتعلم."

وتتابع "أتمنى أن تعود جميع المدارس للعمل حتى يتمكن كل الأطفال من الدراسة داخل فصول مثل هذا الفصل، لأن المدرسة ليست مكانا للتعليم فقط بل مكانا نلتقي فيه بأصدقائنا ونشعر فيه بالأمان."

وبالقرب منها، كانت الطالبة سيلا الحداد البالغة من العمر (12 عاما) ترتب كتبها فوق الطاولة الخشبية قبل بدء الحصة، آملة أن تتوسع هذه التجربة لتشمل مناطق أخرى من القطاع.

وتقول سيلا الحداد لـ((شينخوا)) "الدراسة داخل الخيام كانت صعبة، فكنا نجلس على الأرض، وأحيانا كانت حرارة الجو أو الرياح تعيق متابعة الدروس، كما لم تكن هناك مساحة كافية أو مقاعد تساعدنا على التركيز."

وتضيف "اليوم أصبح بإمكاننا رؤية السبورة بوضوح، والجلوس بشكل مريح، وهذا يساعدنا على فهم الدروس بصورة أفضل. أشعر أن المدرسة عادت إلينا ولو بشكل مختلف."

ومنذ اندلاع الحرب، واصلت مبادرات أهلية ومؤسسات محلية تقديم التعليم للأطفال داخل خيام في مخيمات ومراكز إيواء النازحين في محاولة للحفاظ على استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الاستثنائية قبل تشييد المدرسة الجديدة.

وشيدت مدرسة "أصدقاء فلسطين" باستخدام هياكل خشبية في تجربة تعد الأولى من نوعها في قطاع غزة، كما تعتمد على مقاعد خشبية أعيد تصنيعها، في ظل النقص الحاد في مواد البناء والإمكانات اللازمة لإعادة إنشاء المدارس التقليدية.

ويقول مصطفى الملاحي، مدير الإعلام في مؤسسة ((وفاق)) الإنسانية التي أنشأت المدرسة، لـ((شينخوا)) إن المشروع يهدف إلى توفير بيئة تعليمية أكثر استقرارا للأطفال بعد أشهر من اعتمادهم على نقاط التعليم المؤقتة داخل الخيام.

وأقيمت المدرسة على مساحة تبلغ 400 متر مربع، وتضم ستة صفوف دراسية يستوعب كل منها نحو 35 طالبا، فيما يعتمد الدوام المدرسي على ثلاث فترات يوميا، بما يتيح الاستفادة من مرافق المدرسة واستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة، بحسب الملاحي.

وأوضح أن المدرسة تقدم خدماتها حاليا لنحو 850 طالبا وطالبة، مشيرا إلى أن وزارة التربية والتعليم تدرس خطة لرفع طاقتها الاستيعابية إلى نحو 2200 طالب وطالبة من خلال تنظيم الدوام على عدة فترات.

واستغرق بناء المدرسة نحو شهرين رغم أن الخطة الأولية كانت تقضي بإنجازها خلال شهر واحد، وفق الملاحي، موضحا أن تأخر التنفيذ يعود إلى صعوبة توفير الأخشاب المناسبة بجانب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي الذي أثر على أعمال التصنيع والإنشاء.

ويشرح الملاحي أن المدرسة لا تزال تواجه تحديات في توفير المستلزمات التعليمية الأساسية، لافتا إلى أن أقلام الكتابة على الألواح أصبحت نادرة، وعند توفرها يصل سعر القلم الواحد إلى نحو 10 دولارات أمريكية، وهو ما يشكل عبئا إضافيا في ظل محدودية الإمكانيات.

ويؤكد الملاحي أن المدرسة رغم بساطة تصميمها واعتمادها على الهياكل الخشبية، تضم غرفا صفية مزودة بمقاعد وألواح للشرح وسقوف توفر الحماية من حرارة الصيف، بما يسهم في توفير بيئة تعليمية أكثر ملاءمة مقارنة بنقاط التعليم المؤقتة داخل الخيام.

وتخطط مؤسسة ((وفاق)) الإنسانية لإنشاء مدرسة مماثلة في حي النصر إذا توفرت الإمكانيات اللازمة في إطار رؤية لتوسيع التجربة وتوفير بدائل تعليمية في مناطق أخرى من قطاع غزة، وفق الملاحي.

وبالنسبة للمعلمة نرمين خميس محمد، يمثل افتتاح المدرسة خطوة مهمة نحو إعادة الأطفال إلى بيئة تعليمية أقرب إلى المدارس النظامية.

وتقول المعلمة "إن الطلبة في غزة عرفوا قبل الحرب بحبهم للتعليم وتميزهم الدراسي، لكن الظروف التي فرضتها الحرب أثرت على مسيرتهم التعليمية. ورغم استمرار التعليم داخل الخيام، فإن وجود صفوف دراسية حقيقية يمنح الأطفال شعورا بالاستقرار ويشجعهم على التعلم."

وتشير إلى أن الحماس بدا واضحا على وجوه الطلبة منذ اليوم الأول، إذ سارع كثير منهم إلى اختيار مقاعدهم، وحمل دفاترهم، والمشاركة في الأنشطة الصفية في مشهد يعكس شوقهم للعودة إلى البيئة المدرسية.

ويؤكد مختصون في قطاع التعليم أن توفير بيئة مدرسية مناسبة حتى بإمكانات محدودة يسهم في الحد من الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على الأطفال، ويساعد على الحفاظ على ارتباطهم بالتعليم إلى حين إعادة إعمار المدارس المتضررة.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان صدر في وقت سابق من يوليو الجاري بمناسبة مرور ألف يوم على اندلاع الحرب، إن جميع مدارس قطاع غزة تعرضت للاستهداف بشكل كلي أو جزئي.

وأضاف المكتب أن أكثر من 620 ألف طالب وطالبة حرموا من التعليم المدرسي النظامي، فيما قتل أكثر من 20 ألف طالب، وفقا لإحصاءاته.

وبينما تتردد أصوات الطلبة داخل الفصول الخشبية، تمثل المدرسة الجديدة محاولة لإعادة جزء من الحياة المدرسية إلى الأطفال، في وقت لا تزال فيه غالبية مدارس قطاع غزة خارج الخدمة، بانتظار إعادة إعمارها واستئناف التعليم فيها بصورة كاملة. 

الصور