تحقيق ميداني: الجيش اللبناني يبدأ أول انتشار ضمن "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان

مرجعيون، جنوب لبنان 21 يوليو 2026 (شينخوا) بعد أشهر من الانتظار والاتصالات والمفاوضات، بدأ الجيش اللبناني، اليوم (الثلاثاء)، أولى مراحل انتشاره ضمن "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان، في أول تطبيق ميداني للترتيبات الجديدة المرتبطة بالوضع الأمني في المنطقة الحدودية، وسط تحديات ميدانية تمثلت في إطلاق نار إسرائيلي على مقربة من الوحدات العسكرية، واستمرار مخاطر مخلفات الحرب.
ومنذ ساعات الفجر، بدأت الوحدات العسكرية اللبنانية دخول بلدة زوطر الغربية التابعة لقضاء النبطية، ضمن المرحلة الأولى من خطة الانتشار، حيث تقدمت عناصر من فوج الهندسة، ترافقها جرافة عسكرية، وعملت على إزالة الركام وفتح الطرقات المؤدية إلى البلدة.
كما تولت فرق الهندسة معاينة الأماكن المتضررة والكشف على الأجسام المشبوهة ومخلفات الحرب، في خطوة تهدف إلى تأمين مسارات حركة الوحدات العسكرية وحماية السكان قبل السماح بعودة الحياة تدريجيًا إلى المنطقة.
وبعد انتهاء المرحلة الأولى من أعمال التأمين، دخلت قوة عسكرية مدعومة بآليات من الجيش اللبناني إلى البلدة، وبدأت تسيير دوريات داخلها وعلى مداخلها في إطار تثبيت الانتشار العسكري.
وتقع زوطر الغربية إلى الشمال من مجرى نهر الليطاني، وهي إحدى ثلاث بلدات اختيرت لتنفيذ المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية"، إلى جانب بلدتي فرون في قضاء بنت جبيل وصريفا في قضاء صور.
وخلال مواكبة مندوب وكالة أنباء ((شينخوا)) لحركة الجيش، جرى الانتشار وسط إجراءات أمنية هدفت إلى تأمين المنطقة قبل توسيع انتشار الوحدات العسكرية، ولا سيما في ظل وجود مخلفات حرب وأجسام مشبوهة تحتاج إلى الكشف والمعالجة في بلدة شهدت خلال الفترة الماضية تطورات أمنية وأضرارًا واسعة.
ودعت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، المواطنين إلى عدم التوجه إلى البلدة حتى استقرار الوضع الأمني، والتقيد بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظًا على سلامتهم.
لكن هذه الخطوة جاءت في ظل استمرار التوتر على الأرض، إذ أعلنت قيادة الجيش أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من وحداتها أثناء تنفيذ عملية الانتشار في زوطر الغربية.
وأكدت قيادة الجيش أن هذا الاعتداء "من شأنه أن يعرقل تطبيق خطوات الانتشار في المناطق التجريبية التي تتم في إطار الاتصالات مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)".
وعند مدخل البلدة، تجمع عدد من أبناء زوطر الغربية لمتابعة دخول الجيش، وسط ترقب لمعرفة موعد السماح لهم بالعودة إلى منازلهم بعد فترة نزوح طويلة.
وقال رئيس بلدية زوطر الغربية، عبد عز الدين، لـ((شينخوا))، إن سكان البلدة، البالغ عددهم نحو 4500 نسمة، نزحوا منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى أن نسبة الدمار في البلدة تجاوزت 50 بالمائة.
وأضاف أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تثبيت الأمن وتأمين الظروف المناسبة لعودة السكان، موضحًا أن استمرار التوتر وإغلاق بعض الطرقات يجعل العودة الكاملة صعبة في الوقت الراهن.
ويرى عدد من الأهالي أن انتشار الجيش يمثل خطوة نحو تعزيز حضور الدولة وترسيخ الاستقرار، إلا أن العودة تبقى مرتبطة باستكمال أعمال المسح وإزالة المخاطر وتأمين المناطق المتضررة.
ولم تكن خطوة انتشار الجيش اللبناني وليدة قرار منفرد، بل جاءت بعد مسار من الاتصالات والمباحثات التي جرت خلال الأشهر الماضية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، وركزت على ترتيبات الوضع الأمني في جنوب لبنان ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.
وشملت هذه الاتصالات اجتماعات ومناقشات تناولت آليات التنسيق والمتابعة الميدانية، وسبل تنفيذ التفاهمات المتعلقة بانتشار الجيش وتعزيز حضور المؤسسات الأمنية اللبنانية في المناطق الجنوبية.
وفي هذا الإطار، برز دور مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، التي تتابع الجوانب التقنية والعسكرية المرتبطة بخطوات الانتشار، بما يشمل التنسيق وتبادل المعلومات ومواكبة التطورات الميدانية.
وكانت السفارة الأمريكية في بيروت قد أعلنت أمس بدء تنفيذ أولى "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان، مشيرة إلى أن هذه الخطوة جاءت ضمن آلية تنسيق ثلاثية وبرعاية مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان.
وقال مصدر أمني لبناني لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن تجربة زوطر الغربية تأتي ضمن خطة أوسع تهدف إلى اختبار آليات انتشار الجيش اللبناني والتنسيق الميداني قبل الانتقال إلى مراحل أخرى.
وأضاف أن "المناطق التجريبية" تشمل ثلاث بلدات في جنوب لبنان باعتبارها المرحلة الأولى لتطبيق الترتيبات الجديدة المرتبطة بالوضع الأمني.
ويأتي بدء الانتشار بعد اتفاق إطار وقعته الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية في 26 يونيو الماضي في واشنطن برعاية أمريكية، وتضمن ترتيبات مرتبطة بالوضع الأمني في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تشملها التفاهمات.
وفي المقابل، أعلن حزب الله في وقت سابق رفضه للاتفاق الإطاري، معتبرًا أن بعض ما يتعلق بترتيبات انتشار الجيش ونزع السلاح يمس بالسيادة اللبنانية، ومؤكدًا رفضه التخلي عن سلاحه.
ومع بدء الجيش اللبناني تنفيذ المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية"، تتحول زوطر الغربية إلى أول اختبار عملي لمسار إعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، فيما يبقى نجاح هذه التجربة مرهونًا بقدرة آليات التنسيق القائمة على توفير الظروف اللازمة لاستمرار الانتشار، ومعالجة التحديات الميدانية، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى بلداتهم، في مرحلة قد ترسم ملامح التطورات المقبلة في المنطقة الحدودية.












