مقالة خاصة: الحرب تدمر مناحل جنوب وشرق لبنان وتهدد سبل العيش والتنوع البيولوجي
مرجعيون، جنوب لبنان 29 يوليو 2026 (شينخوا) لم يعثر مربي النحل المخضرم طلال فاعور، وهو يرفع غطاء إحدى خلاياه المتفحمة، على أي أثر للحياة؛ فلم يبق داخل الصندوق سوى شمع ذائب وإطارات خشبية سوداء أتت عليها النيران. وفي محيط بلدة مرج الزهور بجنوب لبنان، وقف فاعور وسط خلايا متناثرة فوق الأعشاب اليابسة، يتأمل ما كان حتى وقت قريب منحلاً يعج بآلاف النحل ويؤمن مصدر الدخل الرئيسي لعائلته.
وبصوت هادئ يختلط فيه الأسى بالعجز، قال فاعور لوكالة أنباء ((شينخوا)):"لم تكن هذه الخلايا مجرد صناديق خشبية، بل ثمرة سنوات من العمل ومصدر رزقي. خسرنا النحل والعسل والموسم بأكمله، والأسوأ أننا ما زلنا عاجزين عن الوصول إلى كثير من المناحل لإنقاذ ما تبقى منها". ولا تمثل خسارة فاعور حالة فردية، بل تعكس واقع مئات المربين في الجنوب، بعدما تحول هذا القطاع إلى أحد أكثر الأنشطة الزراعية تضرراً جراء المواجهات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في أكتوبر 2023.
فقد أدت الغارات الجوية والقصف الإسرائيلي والحرائق الناجمة عنهما إلى تدمير الآلاف من خلايا النحل، فيما حالت الأوضاع الأمنية دون تمكن كثير من المربين من الوصول إلى مناحلهم في القرى الحدودية لرعاية خلاياهم أو إنقاذ ما تبقى منها.
وقال محمد حسن، عضو مجلس إدارة جمعية مزارعي الجنوب، لـ ((شينحوا)) إن الحرب لم تدمر خلايا النحل والمعدات فحسب، بل أودت أيضاً بحياة عدد من العاملين في هذا القطاع، مشيرا إلى أن 84 من مربي النحل في جنوب لبنان قتلوا خلال الحرب وأن بعضهم كانوا من المتخصصين في تربية ملكات النحل وتحسين السلالات، وهي خبرات تحتاج إلى سنوات طويلة لاكتسابها.
وأوضح أن خسائر جسيمة سُجلت في مناطق المجيدية، وشبعا، والماري، وسردة، وحلتا، وكفرشوبا، ومجدل زون، وعيترون، والناقورة، وبنت جبيل، ودير الزهراني، وشحور، والصرفند، لافتاً إلى احتراق مئات المناحل، فيما تعرض عدد من المربين للاستهداف أثناء محاولتهم الوصول إلى خلاياهم أو العناية بها.
ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، تعرضت آلاف خلايا النحل في لبنان لأضرار خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024، إلا أن العاملين في القطاع يؤكدون أن الخسائر الفعلية قد تكون أكبر، نظراً إلى استمرار تعذر الوصول إلى عدد من المناطق المتضررة.
من جانبه، قال رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الجنوب محمد صالح لـ((شينخوا)) إن الحرب دفعت قطاع تربية النحل إلى حافة الشلل، مضيفاً أن تداعياتها تجاوزت الخسائر الاقتصادية لتطال البيئة والتنوع البيولوجي.
وأوضح صالح أن الأضرار لم تقتصر على خلايا النحل، بل امتدت إلى البيئة المحيطة، إذ فقدت مناطق واسعة جزءاً من تنوعها الحيوي، وتراجعت أعداد النحل بصورة ملحوظة، بفعل القصف والحرائق.
وأشار إلى أن الغرفة تمكنت من تأمين دعم خارجي لتوزيع الآلاف من مستلزمات تربية النحل على المربين المتضررين، لكنه شدد على أن حجم المساعدات لا يزال أقل بكثير من حجم الخسائر التي خلفتها الحرب.
ويحذر خبراء بيئيون من أن تراجع أعداد النحل لا يهدد إنتاج العسل فحسب، بل ينعكس أيضاً على الأمن الغذائي والتوازن البيئي، نظراً للدور الأساسي الذي يؤديه النحل في تلقيح المحاصيل الزراعية والنباتات البرية.
وقال الأستاذ الجامعي والخبير في العلوم البيئية الدكتور كمال خير لـ((شينخوا)) إن الحرب، إلى جانب حرائق الغابات والتغير المناخي، فرضت ضغوطاً متزامنة على تجمعات النحل، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار واضطراب مواسم الإزهار، ما أدى إلى تقلص مصادر الغذاء الطبيعية المتاحة له.
من جهته، قال وزير الزراعة اللبناني نزار هاني، في اتصال مع ((شينخوا))، إن معاناة قطاع تربية النحل تمثل جانباً من الخسائر الواسعة التي تكبدها القطاع الزراعي في لبنان، موضحا أن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي، وأن نحو 22.5 % من الأراضي الزراعية في البلاد تضررت، فيما تجاوزت الخسائر الإجمالية مليار دولار أمريكي.
وأضاف أن الوزارة تعمل على دعم المزارعين ومربي النحل العائدين إلى أراضيهم، من خلال إزالة آثار الدمار وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية ومرافق الإنتاج.
ولا تقتصر معاناة مربي النحل على جنوب لبنان، إذ امتدت آثار الحرب إلى مناطق بعلبك والبقاع الغربي شرق لبنان، فعند ضفاف بحيرة القرعون وقف النحال جميل بدوي أمام بقايا خلاياه التي أمضى أكثر من 41 عاماً في رعايتها، قائلا لـ ((شينخوا))، "تربية النحل ليست هواية بالنسبة لي، بل مصدر رزقي الوحيد، خسارة الخلايا تعني ضياع سنوات طويلة من الجهد والعمل والخبرة، فضلاً عن الخطر البيئي الذي يهدد الطبيعة بأكملها".
ووفقاً لوزارة الزراعة، يوجد في لبنان نحو ثمانية آلاف نحال يملكون ما يقارب 417 ألف خلية، تنتج سنوياً نحو 1500 طن من العسل، مع اختلاف الإنتاج بحسب المواسم وكميات الأمطار.
كما أظهر إحصاء أولي أجرته الوزارة، بالتعاون مع النحالين والتعاونيات الزراعية، خسارة أكثر من 25 ألف بيت نحل جراء الحرب التي طالت مناطق لبنانية عدة.
ويرى العاملون في القطاع أن تعافي تربية النحل لن يقتصر على تعويض الخلايا المفقودة، بل يتطلب سنوات لإعادة بناء المناحل واستعادة التوازن البيئي. فالنحل لا يمثل مصدراً لإنتاج العسل فحسب، بل يشكل ركناً أساسياً في تلقيح المحاصيل الزراعية والحفاظ على التنوع البيولوجي، ما يجعل إنقاذ هذا القطاع جزءاً من مسار تعافي الزراعة والبيئة في لبنان بعد الحرب.








