تحليل إخباري: القوة الدولية في غزة.. خطوة نحو ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار أم إجراء سياسي محدود؟
غزة 29 يوليو 2026 (شينخوا) يبدو أن موافقة إسرائيل على تمكين نشر قوة دولية في قطاع غزة تمثل مؤشرا على بدء بحث ترتيبات المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار والخطة الأمريكية الخاصة بمستقبل القطاع، رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الأساسية، وفي مقدمتها نزع سلاح حركة (حماس)، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وفق ما يرى محللون فلسطينيون.
وفي تصريحات منفصلة لوكالة أنباء ((شينخوا))، قال محللون وخبراء سياسيون فلسطينيون إن أهمية هذه الخطوة لا ترتبط بحجم القوة المقترحة فقط، بل بالدور الذي قد تؤديه في ترتيبات إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت ستتحول إلى آلية عملية لتنفيذ الخطة الأمريكية أم ستظل في إطار سياسي محدود.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فقد وافق الجيش الإسرائيلي على إدخال قوة متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة، على أن يكون ذلك مشروطا، وفق إذاعة الجيش الإسرائيلي، بعدم البدء في إعادة إعمار القطاع في الوقت الحالي، بسبب عدم موافقة حماس، بحسب الرواية الإسرائيلية، على التخلي عن سلاحها.
وأضافت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن أعمال البنية التحتية الخاصة بإقامة قاعدة للقوة الدولية بدأت بالفعل في محيط القطاع، فيما لم تبدأ بعد أعمال إنشاء ما يعرف بـ"رفح الخضراء"، وهي منطقة قالت الإذاعة إن سكان القطاع سيدخلون إليها بعد إجراءات فحص أمنية إسرائيلية، على أن تخضع لإشراف القوة الدولية.
كما نقلت الإذاعة العبرية العامة عن مسؤول سياسي في رئاسة الوزراء الإسرائيلية قوله إن إسرائيل وافقت على تمكين دخول قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة، مضيفا أن هذه الخطوة كانت مدرجة ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة.
ووفق المسؤول، فإن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) وافق على منح القوة حصانة قانونية بموجب قانون "الحصانات للمنظمات الدولية"، على أن تعمل بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي في المناطق الواقعة خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، فيما ستحتفظ إسرائيل بحق تحديد الدول المشاركة فيها، على أن تقتصر المشاركة على الدول التي تربطها بها اتفاقيات سلام ولا تتخذ مواقف معادية لها في المحافل الدولية.
ورغم أن القوة المقترحة لا يتجاوز قوامها في المرحلة الأولى نحو 200 عنصر، فإن الإعلان عنها أثار نقاشا بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه، وما إذا كانت تمثل بداية لتطبيق ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، أم أنها خطوة سياسية ذات طابع رمزي في ظل استمرار الملفات الأساسية المتعلقة بالانسحاب العسكري وإعادة الإعمار ومستقبل إدارة غزة دون حسم.
من جانبه، رحب الممثل الأعلى لقطاع غزة نيكولاي ملادينوف بالخطوة، معتبرا، في بيان نشره عبر منصة ((إكس))، أنها تمثل جزءا من الإطار المتفق عليه لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803، ودعم تثبيت الاستقرار والانتقال إلى إدارة فلسطينية انتقالية.
ودعا ملادينوف إلى مواصلة تنفيذ خريطة الطريق التي طرحتها الجهات الوسيطة ضمن الخطة الدولية الخاصة بالقطاع، بما يشمل المضي في تنفيذ المرحلة الانتقالية ودعم جهود إعادة الإعمار.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، الساري منذ العاشر من أكتوبر الماضي، يواجه تحديات سياسية وميدانية، وسط استمرار الخلافات بشأن عدد من القضايا الرئيسية، من بينها الانسحاب العسكري الإسرائيلي، وإدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، وآليات إدخال المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى ملف نزع سلاح حماس، الذي تؤكد إسرائيل أنه شرط أساسي للمضي في أي ترتيبات سياسية أو مدنية طويلة الأمد.
-- توقيت الإعلان ورسائل سياسية
ويرى محللون فلسطينيون أن توقيت ما أوردته وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن تمكين نشر القوة الدولية يحمل دلالات سياسية، خصوصا أنه جاء بالتزامن مع اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي وقت تسعى فيه واشنطن إلى دفع تنفيذ المرحلة الثانية من خطتها الخاصة بقطاع غزة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن موافقة إسرائيل تعكس، في جانب منها، محاولة لإظهار قدر من التجاوب مع الضغوط والجهود الأمريكية الرامية إلى تحريك ملف غزة، بعد تعثر تنفيذ عدد من بنود الخطة الأمريكية.
وأضاف أن الإعلان جاء في توقيت أرادت فيه الحكومة الإسرائيلية إظهار استعدادها للمساهمة في إنجاح المسار الذي تدعمه الولايات المتحدة، لا سيما في ظل اللقاء بين نتنياهو وترامب، وما تردد عن وجود استياء داخل الإدارة الأمريكية من بطء تنفيذ الخطة المتعلقة بقطاع غزة.
وأوضح عطا الله أن القوة الدولية، إذا جرى نشرها، لن يكون لها في المرحلة الأولى دور أمني واسع، معتبرا أن أهميتها تكمن في توفير غطاء دولي للجنة الوطنية التي يفترض أن تتولى إدارة الملفات المدنية والإنسانية، بما يمنحها استقلالية أكبر عن الإدارة الإسرائيلية المباشرة.
وأضاف أن إسرائيل لا تفصل بين الملفات الإنسانية والعسكرية، وإنما تديرهما ضمن سياسة واحدة، إذ تستخدم العمليات العسكرية وإدارة المساعدات الإنسانية والضغوط الاقتصادية أدوات متوازية لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية.
ورأى أن الحديث عن مرحلة جديدة في قطاع غزة سيصبح أكثر واقعية إذا مضت إسرائيل في تنفيذ الترتيبات المرتبطة بما تصفه بالمناطق الإنسانية، معتبرا أن ذلك قد يشكل انتقالا إلى واقع ميداني وسياسي مختلف يرتبط برؤية الولايات المتحدة وإسرائيل لمستقبل إدارة القطاع.
-- هل تمهد القوة الدولية لترتيبات جديدة في غزة؟
ويرى محللون أن محدودية عدد عناصر القوة المقترحة تشير إلى أن الحديث لا يزال يدور حول مرحلة أولية أكثر من كونه انتشارا واسعا لقوات دولية، إلا أن ارتباطها بخطط تتعلق بإدارة مناطق محددة داخل القطاع يمنحها أهمية تتجاوز حجمها العددي.
وقال الكاتب والمحلل السياسي عاهد فروانة لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن نشر نحو 200 عنصر فقط يحمل بعدا سياسيا أكثر من كونه تحولا ميدانيا، معتبرا أن العدد "رمزي" ولا يعكس تغيرا جوهريا في الموقف الإسرائيلي.
وأضاف أن إعادة طرح فكرة القوة الدولية ترتبط، في تقديره، بالمخطط الإسرائيلي الخاص بما يسمى "المناطق الإنسانية"، ولا سيما في مدينة رفح جنوب القطاع، حيث يجري الحديث عن إنشاء مناطق تخضع لرقابة أمنية مشتركة بين الجيش الإسرائيلي والقوة الدولية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يندرج، بحسب تقديره، ضمن رؤية أوسع لإعادة تنظيم الجغرافيا السكانية في القطاع، من خلال تركيز السكان في مناطق محددة، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي السيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة.
وأضاف أن إنشاء مثل هذه المناطق، إذا جرى تنفيذه، قد يؤدي إلى تقليص المناطق الخارجة عن السيطرة الإسرائيلية، بما ينعكس على مستقبل إدارة القطاع ونفوذ حركة حماس، في حين تبقى إعادة الإعمار وإعادة انتشار السكان مرتبطتين بالتطورات السياسية والأمنية.
واعتبر فروانة أن هذه الترتيبات، من وجهة نظره، لا يمكن فصلها عن النقاش الدائر حول مرحلة ما بعد الحرب، التي تشمل شكل الإدارة المدنية والأمنية، ودور الأطراف الدولية في الإشراف على تنفيذ الاتفاقات.
-- أبعاد قانونية
وبالتوازي مع النقاشات السياسية، يثير الحديث عن نشر قوة دولية تساؤلات قانونية بشأن وضع المدنيين الفلسطينيين إذا جرى نقلهم إلى مناطق محددة داخل قطاع غزة.
وقال الخبير في القانون الدولي أحمد حمد، لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، يعتبر المدنيين الفلسطينيين أشخاصا محميين، وإن نشر قوة دولية أو إنشاء مناطق تجمع لا يغير مركزهم القانوني أو ينتقص من حقوقهم الأساسية.
وأوضح أن أي نقل للسكان يجب أن يكون مؤقتا وتفرضه ضرورة عسكرية أو إنسانية، مع الالتزام بإعادتهم إلى مناطقهم الأصلية فور زوال تلك الأسباب، مؤكدا أنه لا يجوز أن يترتب على هذه الإجراءات أي تغيير دائم في الوضع القانوني أو الجغرافي أو الديموغرافي للأرض أو السكان.
وأضاف أن أي قوة دولية ينبغي أن تلتزم بالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وأن تكون ولايتها محددة ومؤقتة، مع خضوعها للرقابة الدولية، وألا تستخدم لتبرير النقل القسري أو فرض قيود طويلة الأمد على حركة السكان أو حقوقهم.
وأشار إلى أن استمرار أي إجراءات مؤقتة لفترات طويلة دون مبررات قانونية قد يثير مخاوف من تحولها إلى واقع فعلي يؤثر في ممارسة الحقوق الأساسية، إلا أن ذلك، من الناحية القانونية، لا يمنح هذه الإجراءات المشروعية إذا تعارضت مع قواعد القانون الدولي.
ورأى حمد أن وجود قوة دولية، إذا التزمت بهذه الضوابط القانونية، قد يسهم في حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ودعم تثبيت وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، دون أن يؤثر ذلك على الحقوق القانونية للفلسطينيين أو على حقهم في العودة إلى مناطقهم وممتلكاتهم متى زالت الأسباب التي أدت إلى نزوحهم.








