تحقيق إخباري: مزارعو أشجار الفاكهة بجنوب لبنان يخسرون موسمهم الثاني تحت منع الوصول لأراضيهم
مرجعيون، جنوب لبنان 6 أغسطس 2026 (شينخوا) على بعد كيلومترين فقط من بستانه في جبل سدانة غربي بلدة شبعا الحدودية جنوبي لبنان، وقف المزارع الخمسيني محمد شبلي على مرتفع يراقب بصمت أشجار الفاكهة وثمارها الناضجة، بعدما حالت الظروف العسكرية، وللعام الثاني على التوالي، دون وصوله، كما آلاف المزارعين، إلى أراضيهم لحصاد إنتاجهم الذي يشكل مصدر رزقهم الوحيد.
وقال شبلي لوكالة أنباء ((شينخوا))، وهو يشير نحو بستانه "أرى رزقي أمامي لكنني لا أستطيع الوصول إليه، هذه الأشجار ليست مجرد مصدر دخل، بل هي تعب سنوات وذكريات عائلتي، للمرة الثانية يضيع الموسم من دون أن نتمكن من قطف ثماره".
وأضاف أن مزارعي قرى العرقوب وسهول مرجعيون وسردة والوزاني وعين عرب وتلال سدانة واجهوا المشكلة نفسها، بعدما تحولت أراضيهم الزراعية، التي كانت مصدر رزقهم الأساسي، إلى مناطق يصعب الوصول إليها.
وأوضح أن الثمار الصيفية كانت تؤمن دخل العائلات طوال العام، قائلا "كنا ننتظر موسم القطاف بفارغ الصبر، أما اليوم فأصبحنا ننتظر مصير بساتيننا".
ولم تعد الخسارة بالنسبة للمزارعين مرتبطة فقط بمحصول ضائع، بل باتت تهدد مستقبل البساتين نفسها، إذ تحتاج الأشجار المثمرة إلى رعاية متواصلة للحفاظ على إنتاجها.
وقال المزارع محمد عقل لـ((شينخوا)) إن الضرر تجاوز خسارة الثمار التي لم يتمكن أصحابها من جنيها، ليصل إلى الأشجار التي بقيت من دون متابعة زراعية، موضحا أن البساتين تحتاج إلى الحراثة والتقليم والري ورش المبيدات بصورة دورية، وأن توقف هذه الأعمال لعامين متتاليين يهدد بإضعاف الأشجار وتراجع إنتاجها.
من جهته، أكد المهندس الزراعي حسان حمدان لـ((شينخوا)) أن غياب الري والتقليم والتسميد ومكافحة الآفات لفترات طويلة يؤدي إلى ضعف الأشجار وتراجع قدرتها الإنتاجية، مشيرا إلى أن إعادة تأهيل البساتين بعد فترة طويلة من الإهمال ستكون أكثر صعوبة وكلفة، وقد لا تتمكن بعض الأشجار من استعادة إنتاجها السابق.
وتشكل هذه البساتين في القطاع الشرقي من جنوب لبنان إحدى أهم المناطق الزراعية، إذ تمتد من سهول الوزاني وسردة ومرجعيون وعين عرب وصولا إلى مرتفعات جبل سدانة.
وتخضع قرابة 70 بالمئة من هذه المناطق للاحتلال الإسرائيلي والمناطق الباقية تسيطر عليها إسرائيل بالنار ويمنع الدخول إليها إلا بموافقة منها عبر لجنة الميكانيزم، وهي الطرف المسؤول عن إصدار الموافقات الدخولية بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية.
وقال مختار بلدة الهبارية قاسم نجم لـ((شينخوا)) إن هذه البساتين تمتد على مساحة تقارب 42 كيلومترا مربعا، وكانت تزود أسواق الجنوب بكميات كبيرة من العنب والتفاح والكرز والخرما والخوخ والإجاص، إضافة إلى كونها مصدرا رئيسيا لدخل مئات العائلات.
وأضاف أن أصحاب الأراضي لم يخسروا محاصيلهم فقط، بل خسروا أيضا القدرة على متابعة بساتينهم وحمايتها، مطالباً بإيجاد حلول تسمح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم وجني ما تبقى من مواسمهم.
وأظهر تقييم علمي أجرته وزارة الزراعة اللبنانية، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، وبالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، أن خسائر الإنتاج الزراعي بلغت نحو 530.5 مليون دولار أمريكي.
وأشار التقييم إلى أن الأضرار المباشرة في القطاع الزراعي بلغت نحو 41.2 مليون دولار، فيما تأثرت أكثر من 56320 هكتارا بصورة غير مباشرة نتيجة تعذر الوصول إلى الأراضي، وتوقف الأنشطة الزراعية، وفقدان المواسم الإنتاجية.
وأكد وزير الزراعة اللبناني نزار هاني لـ((شينخوا)) أن الأضرار التي أصابت القطاع الزراعي تعد من الأكبر التي شهدها لبنان، مشيرا إلى أن الخسائر لا تقتصر على الأضرار المباشرة، بل تشمل أيضا توقف الإنتاج وتعذر وصول المزارعين إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، بما يترك آثارا قد تمتد إلى سنوات مقبلة.
وبعد مراقبة بستانه في جبل سدانة من بعيد، نظر محمد شبلي طويلا إلى الأشجار التي بدت تميل إلى التيبس، وقال بصوت يملؤه العجز "لم نطلب سوى الوصول إلى أرضنا والعمل فيها، فالمزارع لا يستطيع العيش بعيدا عن أملاكه التي أعطاها من عرق جبينه".
وبينما تتساقط الثمار التي انتظرها المزارعون عاما كاملا، يبقى الخوف الأكبر، بحسب شبلي، أن يتحول موسم ضائع إلى بساتين ضائعة، وأن تصبح المسافة القصيرة بين المزارع وأرضه شاهدا على خسارة أكبر من محصول لم يُقطف.
ويشكل القطاع الزراعي في لبنان ثالث أهم القطاعات الاقتصادية بعد قطاعي الخدمات والصناعة، ويساهم بنحو 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما يؤمن دخلا لحوالي 15 بالمئة من السكان، وتشمل أبرز المحاصيل الزراعية القمح والشعير والفاكهة والخضراوات.








