مقالة خاصة: "نخسر كل شيء في لحظة".. جنين تحت ضغط المصادرة والاستيطان
رام الله 9 أغسطس 2026 (شينخوا) بين أصوات تفكيك ألواح الصفيح وحركة الأيدي المتعبة، وقف المزارع الفلسطيني محمد معلا يراقب نهاية مشروع أمضى سنوات في بنائه.
في أرضه الواقعة بين بلدتي قباطية ومركة جنوب جنين، لم يكن أمامه خيار سوى تفكيك مزرعته لتربية الدواجن بعد تلقيه إخطارا عسكريا إسرائيليا "بوضع اليد عليها لأغراض عسكرية عاجلة".
ويقول معلا، في مقابلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) وهو يشير إلى بقايا المزرعة، إن القرار جاء سريعا وقاسيا: مهلة 60 يوما للإخلاء، مقابل 70 ساعة فقط للاعتراض.
ويضيف أن الجيش منعه مرارا من دخول الموقع لتفكيك المزرعة، قبل أن يتمكن مع أفراد عائلته من استغلال يوم أمس (السبت) لإزالة ما يمكن إنقاذه من مواد.
وتمتد المزرعة على مساحة نحو 700 متر مربع وتستوعب قرابة 10 آلاف طير، بحسب معلا.
وتابع أن الأمر لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل مصدر رزق لأربع عائلات من أشقائه الذين شاركوه بناءه بعد شراء الأرض. ويقدّر خسارته بما لا يقل عن 200 ألف شيكل، إلى جانب فقدان الأرض نفسها.
ويشير معلا إلى وجود مخطط إسرائيلي في المنطقة يشمل شق طريق عسكري يربط جنوب جنين بمناطقها الشرقية وصولا إلى الأغوار، لافتا إلى أن مسار الطريق يمر على بعد نحو 200 متر فقط من مزرعته.
وفي بلدة عرابة جنوب غرب جنين، تتكرر القصة بصيغة أخرى.
ووجد المزارع طارق الشاعر نفسه أمام مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لاقتلاع مزرعته القريبة من مستوطنة عيمق دوتان، التي أُعلن اليوم (الأحد) عن وضع حجر الأساس لها بحضور وزراء ورجال دين إسرائيليين، رغم وجود بيوت متنقلة وأعمال تهيئة فيها منذ أشهر.
ويقول الشاعر إنه اضطر إلى قطف محصول العنب قبل نضوجه وبيعه بأسعار منخفضة لتقليل الخسارة.
ويضيف "كنا نستعد لهذا الموسم منذ ثمانية أشهر، لكن ما حدث دمّر آمالنا".
وتمتد مزرعة الشاعر على مساحة ستة دونمات مزروعة بالعنب والتين والليمون، ويقدّر خسارته بنحو مليون شيكل، تشمل المعدات الزراعية والمحصول الذي لم يُمنح الوقت الكافي للنضوج.
ويشير إلى أن خمس عائلات تعتمد على هذا المشروع الذي استغرق بناؤه 14 عاما من العمل المتواصل.
ولا تبدو هذه الحالات فردية. فوفق سكان في محافظة جنين، تتزايد الإجراءات التي تطال الأراضي والمنشآت الزراعية والاقتصادية، في سياق ما يصفونه بأنه "حصار" يقيّد الحركة ويقوّض مصادر الدخل.
وتؤكد بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية هذا الاتجاه، إذ تشير إلى إصدار ثمانية أوامر عسكرية تحت مسمى "اتخاذ وسائل أمنية"، تستهدف إزالة الغطاء النباتي واقتلاع أشجار الزيتون على مساحة إجمالية تبلغ 316.636 دونم، منها 310.868 دونم في جنين.
وتتركز هذه الأوامر، بحسب الهيئة، على امتداد الطريقين 585 و60، بدءا من الأراضي الواقعة بين يعبد وعرابة، مرورا بمداخل عرابة الشرقية، وصولا إلى المنطقة بين عجة وعنزة، ما يوسع السيطرة على جانبي الطرق ويلحق أضرارا مباشرة بالأراضي الزراعية المحاذية.
وبموازاة ذلك، تقول الهيئة إن نحو 22 منشأة اقتصادية تلقت أوامر إزالة على جانبي الطريق الالتفافي شرق مدينة جنين، الذي يربط حاجز الجلمة شمالا ويتجه جنوبا نحو مستوطنتي جانيم وكاديم، اللتين عاد إليهما مستوطنون بعد إخلائهما عام 2005.
وفي هذا الشريط، بدأ أصحاب المحال والمنشآت بتفكيك ممتلكاتهم.
ويقول برهان عزامطة، وهو صاحب أحد المحال، إن القرار "دمر مصدر رزق عشرات العائلات"، مضيفا أن إزالة هذه المنشآت ستقطع التواصل الجغرافي بين نحو عشر قرى شرق جنين والمدينة.
ويشير عزامطة إلى أن المنطقة التي كانت تعج بالحركة أصبحت "خالية وموحشة" محذرا من أن الأوامر لا تقتصر على المنشآت، بل تطال أيضا منازل قريبة من المستوطنات.
ويرى مسؤول ملف الجدار والاستيطان في محافظة جنين طارق إغبارية أن ما يجري يمثل تصعيدا لافتا في حجم أوامر المصادرة والهدم، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات طالت حتى مناطق مصنفة (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
ويضيف إغبارية لـ ((شينخوا)) أن من بين هذه الخطوات مصادرة أراض داخل مدينة جنين لإقامة موقع عسكري يطل على المخيم، معتبرا أن تزايد أوامر الهدم وتوسع الاستيطان "يخنقان المحافظة جغرافيا واقتصاديا".
وبينما يواصل معلا تفكيك ما تبقى من مزرعته، يلخص المشهد بكلمات مقتضبة: "في لحظة واحدة، نخسر كل شيء".








