(وسائط متعددة) رأي ضيف: زيارات عدة وانطباعات جديدة

(وسائط متعددة) رأي ضيف: زيارات عدة وانطباعات جديدة

2026-08-11 19:38:15|xhnews
شانغهاي، الصين (صورة شينخوا)

بقلم خديجة عرفة

رغم أن الزيارة الأخيرة التي قمت بها لجمهورية الصين الشعبية في يوليو 2026 لم تكن زيارتي الأولى، فقد كانت زيارتي الأولى في عام 2009 وتلاها زيارات عديدة للبلاد، فما زلت في كل مرة أزور فيها الصين أجد أنني بحاجة للمزيد من الزيارات والتعمق للوصول لفهم أكبر للصين؛ ليس فقط على المستوى البحثي -بحكم تخصصي في الشؤون الصينية- ولكن أيضًا على مستوى فهم الشعب ونمط الحياة والثقافة والتقاليد الصينية وارتباط ذلك بالسياسة العامة للدولة، وكيف شكل ذلك محركًا للتنمية في الدولة، ودور كل هذا في تحسين الصورة الذهنية بشأن الصين.

على مدار عقود، حدث تحول دراماتيكي في المنظور بشأن الصين، وهو خلق صورة ذهنية إيجابية للغاية، بعد أن شكلت مجموعة من الحواجز والعوائق على مدار عقود صورة نمطية سائدة بشأن الصين.

التحول في المنظور بشأن الصين يُعدّ نتيجة لمجموعة متكاملة من الجهود والسياسات لتحويل التحديات إلى فرص، وإزالة الحواجز، وهو ما تم على العديد من المستويات في الداخل والخارج ليقود في المحصلة لخلق حالة من الإبهار وتجربة لا تنسى.

هذه التحركات ليست عشوائية بل تعكس خطة منظمة وجهود حثيثة قادت لأن تصبح الصين في الترتيب الثاني عالميا وفقا لمؤشر القوة الناعمة العالمي 2026، من خلال نجاحها في توظيف تاريخها العريق وإنجازاتها العلمية والتكنولوجية لبناء نموذج عالمي يجمع بين الأصالة والتحديث، ويعزز حضورها الدولي من خلال التعاون والشراكة والتنمية المشتركة. ويعكس موقعها وفقا للمؤشر رسوخ حضورها الدولي واستمرارية تأثيرها الحضاري والثقافي.

وفي تقديري يمكن تقسيم تلك الجهود إلى عدة مستويات؛ المستوى الأول يمكن أن نُطلق عليه المستوى العام، وهو ما ارتبط بجهود وتحركات في الداخل والخارج. ففي الخارج، أسهمت المراكز الثقافية ومراكز دراسات اللغة الصينية ومعاهد كونفوشيوس والفاعليات الثقافية المشتركة والعديد من المؤتمرات المشتركة في إزالة الحواجز وتغيير التصورات السابقة بشأن الصين، وهو ما يمكن تلمسه تحديدا مع الشباب من دارسي اللغة الصينية؛ خاصة أن الدراسة لا تقتصر على اللغة ولكن نمط الحياة والثقافة الصينية ونموذج التنمية الصيني وغيرها.

وتكفي زيارة واحدة للصين لخلق انطباعات وتصورات مختلفة تماما عن التصورات المسبقة، أيا كان مصدر تلك الانطباعات سواء كان مصدرها الإعلام أو الدراسة أو وسائل التواصل الاجتماعي وغير ذلك. عبر خلق حالة من الإبهار فيما يتعلق بمستويات التنمية وما حققته من نقلة كبيرة وكيف كانت الأوضاع في السابق، ومستوى التطور التكنولوجي في كافة مجالات الحياة اليومية، ومستوى التخطيط على كافة المستويات، والنظام العام.

لكن ما أبهرني بشدة وخلق لدي انطباعات لا تنسى هو الشعب الصيني، وذلك على العديد من المستويات ترتبط بالتفاني الشديد في العمل والدقة المتناهية والنظام الدقيق والاهتمام بكافة التفاصيل.

وهنا يتضح تأثير القيم الكونفوشيوسية، فما نقرأه في الكتب عن تلك المنظومة القيمية ومبادئها المرتبطة بتنظيم المجتمع عبر روابط أساسية قائمة على الواجب المتبادل، وكذلك احترام الهيراركي وغير ذلك يمكن تلمسه عند التعامل مع الشعب الصيني.

ورغم ما أصبحنا نشهده من تطور وحداثة في نمط الحياة خاصة بالنسبة للشباب الصيني، فمازالت القيم الكونفوشيوسية حاكمة وبشكل كبير، وهي القيم التي يتم زرعها من خلال الأهل والمدارس، فتجدها في احترام الكبير واحترام الهيراركي والنظام والالتزام وغير ذلك من المظاهر.

وإذا ما انتقلنا إلى المستوى الآخر، فإن البعد المهم المرتبط بأسباب النظرة الإيجابية للصين ترتبط بالمستوى الاستراتيجي ممثلا في طبيعة السياسة الصينية الخارجية المستندة إلى المبادئ الخمس للتعايش السلمي ممثلة في الاحترام المتبادل، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل، والمساواة والمنفعة، والتعايش السلمي.

وإجمالًا، فقد أسهمت السياسة الخارجية الصينية وما تقوم عليه من مبادئ ترتبط بالصعود السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام السيادة والتكامل الإقليمي في تعزيز التصورات بشأن الصين كدولة مسؤولة في النظام الدولي.

كما كان للمبادرات التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، تأثير كبير على الرؤية الاستراتيجية بشأن الصين خاصة تلك المتعلقة بالحوكمة العالمية والحوكمة المالية العالمية وأهمية إصلاح الخلل القائم في هيكل النظام الدولي بالتركيز على قواعد القانون الدولي، والتنظيم الدولي ومركزه الأمم المتحدة؛ إذ تؤكد الصين على الدور المحوري للأمم المتحدة كمركز للنظام العالمي في تحقيق السلام في مناطق العالم المختلفة، لذا تدعو الصين إلى إصلاح الأمم المتحدة لتكون أكثر تعبيرًا عن أصوات ومصالح الدول النامية مع أهمية أن تراعي في عملها التوازن بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان.

كما يعزز حوار الجنوب الجنوب الذي تقوده الصين من خلق تفاهمات بين دول جنوب العالم بشأن المصالح المشتركة وآليات حمايتها.

وختامًا، يظل التأكيد على أن الصين تقدم تجربة فريدة في الاستثمار في القوة الناعمة لتعزيز صورة ذهنية إيجابية عن النموذج الصيني التنموي في كافة المجالات، عبر مجموعة متكاملة من السياسات استندت على قاعدة شعبية محكومة بمنظومة قيمية مترسخة، ويدور كل ذلك في إطار رؤية للقيادة السياسية بشأن أهمية تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية بشأن الصين.

وما زالت لدى قناعة بأنه ما زالت هناك العديد من الجوانب التي تتطلب المزيد من التعمق والدراسة والاحتكاك المتزايد بما يعزز من تصوراتي الإيجابية بشأن الصين.

ملحوظة المحرر: خديجة عرفة هي رئيس الإدارة المركزية للتواصل المجتمعي، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء المصري.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور