مقالة خاصة: بثوبها الأسود.. سيدة تلملم أشلاء الضحايا من تحت الركام بجنوب لبنان
مرجعيون، جنوب لبنان، 16 أغسطس 2026 (شينخوا) بقامتها الممشوقة وخطواتها الواثقة، تمضي مريم عقيل بثوبها الأسود الطويل وحجابها بين شوارع مدينة النبطية الممزقة في جنوب لبنان، حيث لا تزال آثار القصف والدمار ماثلة على الأبنية والطرقات، تبدو مريم كأي امرأة تسير في مدينتها، لكن كل زاوية تعيد إليها ذكريات الحرب، حين وجدت نفسها تؤدي واحدة من أقسى المهمات الإنسانية؛ غسل جثامين ضحايا الغارات، وجمع أشلائهم وتكفينهم.
بقيت مريم، وهي في العقد السادس من العمر، في مدينتها عندما غادرها كثيرون، ولم تكن تبحث، كما تقول لوكالة أنباء ((شينخوا))، عن دور استثنائي أو بطولة، لكنها شعرت أن عائلات الضحايا بحاجة إلى من يكرّم موتاها ويهيئهم لوداعهم الأخير، فاختارت أن تبقى بين أصوات القصف وسيارات الإسعاف، تؤدي واجباً إنسانياً ترك في ذاكرتها جروحاً لا تمحى.
وقالت مريم: "كنت أغسل الأموات، وأجمع الأشلاء وأضعها في الأكفان، أشلاء كثيرة حملتها وجهزتها، ونساء كثيرات عشن ألم الشهادة".
وأضافت: "بينما كانت أصوات القصف والغارات تضرب في كل مكان، كنت أتابع أبواق سيارات الإسعاف والصليب الأحمر المتجهة نحوي، حاملة ضحايا القذائف التي لم ترحم عجوزاً أو امرأة أو طفلاً".
وتابعت: " أستقبل جثامين الضحايا التي تصل إلي من فرق الإنقاذ والجهات التي تتولى انتشالها ونقلها، ومنها الصليب الأحمر والهيئة الصحية الإسلامية، حتى أتمكن من غسلها وتكفينها تمهيداً لتسليمها إلى ذويها، وبحسب الوضع الأمني".
وقالت: "إنجز هذه المهمة إما في منزلي بمدينة النبطية أو في مستشفى راغب حرب المحاذي لمنزلها، بمساعدة عدد من الأشخاص الذين يعملون معى وتحت إشرافي".
وبعد الانتهاء من غسل الجثمان وتكفينه، تضع ورقة تحمل اسم صاحبه، لضمان التعرف إليه وتسليمه إلى عائلته.
وأكدت مريم أن هذه المهمة لم تكن سهلة، وأن تلك المشاهد تركت أثراً عميقاً في نفسها، وقالت: "لا يوجد إنسان يستطيع رؤية الأشلاء ولا يتأثر، لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي كان الأطفال الذين مزقت أجسادهم دون ذنب ارتكبوه، كنت أتألم كثيراً"، قبل أن تختصر وجعها بعبارة: "الطفل هو الذي يحرق القلب".
وفي أحياء مدينتها النبطية، التي صمدت فيها بعدما غادرها كثيرون، قالت: "عشت اللحظات الصعبة، وكان بين موتي وحياتي شعرة".
وأشارت إلى أن ابنة عمتها قضت في إحدى الغارات، كما قضت جارتها سلمى محمد حرب، ومن الصعب نسيان مجزرة آل الميداني التي ذهبت ضحيتها الأم وبناتها الثلاث، ومجزرتي الدوير وعرب صاليم، حيث طال الاستهداف مجموعات من النساء وأطفالهن.
وتابعت: "وجودي هنا له معنى إنساني"، بعدما تحولت الأزقة المحيطة بها إلى سجل مفتوح لأيام الحرب؛ فكل منزل يحمل أثراً، وكل شارع يستعيد قصة، وكل زاوية تعيد إلى ذاكرتها وجهاً غاب.
وأضافت: "مع كل هذا الدمار والقتل، بقيت أتابع الحرب وأعيشها لأنني شعرت أن هناك أناساً بحاجة إلى من يكون إلى جانبهم، وكان دوري يبدأ عندما تصل جثامين الشهداء والأشلاء، وينتهي عندما يصبحوا جاهزين لتسليمهم إلى عائلاتهم. الأهل كانوا ينتظرون أبناءهم، وأنا كنت أعتبر ذلك واجباً".
وقالت : "كنت أعرف أن ما أراه لن يختفي بسهولة من ذاكرتي، فالتجربة كانت قاسية جداً، لكنها لم تدفعني إلى التخلي عن دوري الإنساني التطوعي".
واليوم، ومع الهدوء الهش الذي يخيّم على النبطية والبلدات المحيطة بها، تمضي مريم في الشوارع التي شهدت القصف والدمار، كأنها تستعيد تفاصيل الحرب مع كل خطوة.
وتأتي تجربة مريم في سياق الحرب التي خلفت خسائر بشرية واسعة في لبنان. ووفق أحدث حصيلة منشورة على موقع وزارة الصحة العامة اللبنانية، بلغ عدد القتلى 4335 شخصاً، فيما وصل عدد الجرحى إلى 12277.






